إدوارد سعيد عن ميشيل فوكو: فيلسوف المعرفة التي لا تكل – إدوارد سعيد

لا يشبه هذا الكتاب، «مؤسسات الحداثة: النُخب الأدبية والثقافة العامة»(*)، أيّ بحث سابق في تاريخ ـ فضلاً عن تيّارات وأشكال وأساليب ورجالات وأقدار ـ حركة الحداثة الأدبية في القرن العشرين، لأنه ببساطة لا يقارب المسألة من جانب الإنحياز إلي الحركة أو مناهضتها، ولا من باب التماس أحكام القيمة لهذا أو ذاك من تياراتها. ما يحاول لورنس رايني القيام به في هذا الكتاب هو تقصّي، ثمّ تدوين، تاريخ «المؤسسة» التي وقفت وراء ممثّلي الحداثة، وحوّلت أعمالهم إلى بضاعة، وربما إلى صناعة، قابلة للترويج بهذه الطريقة أو تلك. و«المؤسسات» تلك يمكن أن تبدأ من المجلة التي تنشر القصيدة، إلى دار النشر التي تطبع الرواية أو المجموعة الشعرية، دون أن تنتهي عند أهل المال والأعمال الذين لاح في طور محدّد أنهم نظروا إلى أعمال الحداثة نظرتهم إلى منافع جمع اللوحات والتُحَف والمجموعات النادرة.

والكتاب، بذلك، ينطوي على مراجعة جذرية للتناقضات العديدة التي حكمت علاقة الحداثة مع الشارع العريض والقارىء العريض، مع الذائقة السائدة، ومع «الثقافة العامة» على وجه التحديد. مَن الذي نشر قصيدة ت. س. إليوت «الأرض اليباب» للمرّة الأولى، ولماذا؟ مَن الذي قرأها، وهل قفزت أرقام المبيعات بسبب القصيدة؟ ما المبلغ المالي الذي قبضه إليوت لقاء نشر القصيدة، ولماذا كان أعلى من أيّ مبلغ قبضه شاعر آخر في ذلك الزمان؟ أليس من الطريف أن نعرف، في واحدة من أكثر حكايات الكتاب إثارة ودلالة، أنّ إليوت خاض مفاوضات طويلة حول ما يستحقه من مكافأة لقاء نشر «الأرض اليباب»، وأنه كاد أن يصرف النظر عن نشر القصيدة بسبب خلاف مالي لا يتجاوز مبلغ 100 دولار أمريكي؟

وفي المقدّمة يستعيد رايني حكاية أخرى ليست أقلّ دلالة، وإنْ كانت لا تنتمي تماماً إلى عقود الحداثة. ففي مطع العام 1853 احتشد في إحدى قاعات مدينة برمنغهام البريطانية جَمْعٌ من خيرة المواطنين القرّاء، وذلك لتكريم الروائي الإنكليزي شارلز ديكنز، الذي ألقى كلمة قال في مطلعها: «بفضل هذه المجموعة المنظمة من الناس، الذين كان كدّهم ومثابرتهم وذكاؤهم وراء نهوض أماكن مزدهرة مثل برمنغهام وسواها؛ وبفضل مركز الدعم الكبير هذا، والتجربة المتفهمة، والقلب النابض؛ بفضلكم أفلت الأدب ــ سعيداً ــ من أيدي الرُعاة الأفراد، الكرماء تارة والبخلاء معظم الأوقات والقلّة على الدوام، وعثر عندكم على ضالته العظمى، ونطاق عمله الطبيعي، ومثوبته الأفضل».

واختتم ديكنز كلمته بالقول: «الشعب حرّر الأدب من الأسر». بعد ثلاثين سنة على وفاته في عام 1870، بات الكتّاب أقلّ ثقة ــ وربما غير واثقين البتة ــ في الآثار النافعة لاعتماد الأدب على «الشعب». ولم يطل الوقت حتى برز المفهومان المتناظران: «أدب رفيع» و«أدب وضيع»، وكانت أمثولة الذروة على تصارع الأدبَين ما يفعله ليوبولد بلوم بطل «عوليس»، رواية جيمس جويس وإحدى أبرز أيقونات الحداثة، في ختام الفصل الأوّل: أنه يصطحب معه إلى المرحاض نسخة من أسبوعية Tit-Bits الشعبية، ليستخدمها كورق تواليت!

ويتفق معظم الباحثين على أنّ هذا الاحتقار للثقافة الشعبية كان أكبر البنود الخفيّة على جدول أعمال الحداثة، على نقيض من الحركة الطليعية Avant-garde التي حاولت قلب استقلال الفنّ الذاتي رأساً على عقب، وانتهكت انفصاله المصطنع عن الحياة، واشتغلت على تدمير جهود مَأْسَسته كـ «فنّ رفيع». الحداثة، من جانبها، طوّرت ما يشبه الخوف العُظاميّ والرجعي من الثقافة الشعبية، رغم أنّ تياراتها ــ للمفارقة! ــ استلهمت الكثير من أشكال فنّها «الرفيع» اعتماداً على أنواع وأجناس لم تكن تتوفّر إلا في الثقافة الشعبية وضمن اصطراع حركة الحياة اليومية.

ومفهوم «الثقافة العامة» عند رايني هو النظير المبسّط لمفهوم الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس عن «المضمار العام»، أي تلك المساحة الاجتماعية والخطابية التي شهدت، خلال أواخر القرن السابع عشر وامتداد القرن الثامن عشر، نجاح معايير المحاججة العقلية في احتلال المكانة التي كانت تشغلها التقاليد الثابتة. وهابرماس اعتبر أنّ المضمار العام هو مجموعة محدّدة تاريخياً من المواقع والمؤسسات (الأندية، المقاهي، الصحف، شبكات العلاقات الاجتماعية)، وما يقترن بها من ممارسة للحياة السياسية والمدنية والثقافية والجمالية. ومع اتساع نطاق هذا المضمار العام، وخضوعه بالتالي لعلاقات القوّة والامتياز والاحتكار، اختارت الحداثة الارتداد من جديد إلى شبكة «الرُعاة» الماليين الذين هجاهم ديكنز، وأنشأت لنفسها عالماً نخبوياً نظيراً لعالم المضمار العام/الثقافة العامة، سرعان ما تحوّل إلى «مؤسسة»، وسرعان ما استدعت هذه قوانين الاقتصاد والمال والأعمال: ما يقترب كثيراً من مستوى الاقتصاد الفنّي، على غرار الاقتصاد السياسي!

وفي مطلع القرن، كانت صورة الحداثة تتمثّل في أنها «استراتيجية تمكين العمل الفنّي من مقاومة محاولات تحويله إلى بضاعة». رايني يقول العكس: «الحداثة، بين أشياء أخرى، كانت استراتيجية تمكين العمل الفنّي من استجلاب وتشجيع محاولات تحويله إلى بضاعة، وإنْ كانت قد فعلت ذلك بطرائق تجعل البضاعة ذات صنف خاصّ تماماً، معفاة مؤقتاً من متطلبات الاستهلاك الفوري السائدة في الاقتصاد الثقافي الأعرض، ولكن المندرجة في دائرة اقتصادية مختلفة، قائمة على الرعاية المالية، وجَمْع النادر، والمضاربة، والاستثمار». وهكذا فإنّ الحداثة لم تكن حالة مقاومة صريحة مستقيمة لمحاولات تحويل الفنّ إلى بضاعة، ولا حالة استسلام صريح مستقيم لتلك المحاولات، بل كانت «مواربة مؤقتة» تحتوي بعض عناصر المحاولتَين، في نطاق «مزيج تركيبي قصير وغير مستقرّ بالضرورة».

وفي فصل بعنوان «استثمارات استهلاكية» يروي رايني حكاية صدور الطبعة الأولى (1922) من رواية جيمس جويس الشهيرة «عوليس»، عن دار نشر Shakespeare & Company، وهي مكتبة صغيرة مختصة بالكتاب الإنكليزي (ما تزال موجودة في باريس حتى اليوم)، وكانت تديرها آنذاك الأمريكية سيلفيا بيش. الحكاية الشائعة تقدّم الناشرة في صورة البطلة التي عانت الأمّرين، مادياً ومعنوياَ، من أجل إصدار هذه الطبعة الأولى والخروج ظافرة من «معركة عوليس»، و«تسجيل صفحة جديدة ليس في تاريخ الأدب وحده، بل في تاريخ الحداثة وحوليات النشر أيضاً».

والطبعة الأولى تلك كانت 1000 نسخة فاخرة Deluxe وُزّعت عن طريق الاشتراك المسبق وليس الشراء المباشر، وكان سعرها باهظاً تماماً بمقاييس ذلك الزمان. وسجلاّت المكتبة عن مبيعات الرواية تشير إلى مشتركين من أمثال أرنولد بينيت، ألدوس هكسلي، إديث ستويل، فرجينيا وولف، ونستون تشرشل، هـ. ج. ولز، و. ب. ييتس، شروود أندرسون، جونا بارنز، وليام كارلوس وليامز، هارت كرين، جون دوس باسوس…

ما لا تشير إليه السجلات هو حسابات المبيع الشعبي للرواية، الأمر الذي يُعنى رايني بمتابعته في أمكنة أخرى على نحو دقيق و… مدهشَ! ذلك لأننا نكتشف أنّ الجمهور العريض لم يكن البتة في ذهن سلفيا بيش، وأنّ اهتمامها انصبّ أوّلاً على نخبة محدودة من «كبار القرّاء والنقّاد»، ثم على نخبة أخرى غير متوقعة: على أصحاب رؤوس الأموال المهتمين بالاستثمار في ميدان نشر الأدب الحداثي! ويقتبس رايني رسالة حارّة العواطف كتبها إلى جويس قارىء سبق له أن قرأ «صورة الفنان في شبابه» وأعجب بها أيما إعجاب: «ألا يحقّ لي، يا سيدي، أن أقرأ عملك الجديد؟ هل أطمع في كرمك، فأحلم بأن ترسل لي نسخة، أو تطلب من ناشرك الموافقة على بيعي نسخة»؟

بعد «عوليس» جيمس جويس، وفي تشرين الأوّل (أكتوبر) من العام ذاته 1922، نُشرت قصيدة إليوت «الأرض اليباب» في المجلة الإنكليزية Criterion والمجلة الأمريكية Dial، قبل أن تظهر في كتاب مستقلّ حمل للمرّة الأولى شروحات إليوت التوضيحية. ولا حاجة لتكرار ما هو معروف من حقائق حول أثر القصيدة في تسجيل أكبر انتصارات الحداثة الشعرية، ولا الأسباب التي أتاحت نشر القصيدة في أوروبا والولايات المتحدة معاً. ما يريدنا رايني أن نعرفه هو التالي: لماذا لم تُنشر القصيدة حيث كان ينبغي أن تُنشر أوّلاً، أي في اثنتين من أبرز الدوريات الحاضنة للحداثة آنذاك: Vanity Fair وLittle Review؟

فقرة واحدة في رسالة إليوت إلى سكوفيلد ثاير ــ صاحب مجلة Dial، وتاجر التُحف واللوحات، والمستثمر في ميدان الفنّ والأدب، وأكبر منافسي المجلات الحداثية ـ توضح بعض السبب: «لقد أعطيت لنفسي بعض الوقت للتفكير في عرضك [الخاص بنشر «الأرض اليباب» في المجلة]، وخلال هذا الوقت سمعت من مصادر موثوقة أنكم دفعتم مبلغ 100 جنيه إسترليني إلى جورج مور مقابل قصة قصيرة، وأعترف أنّ هذا حفّزني على رفض عرضكم المتمثل في 150 دولاراً [30 جنيهاً إسترلينياً] لقاء قصيدة صرفت عاماً كاملاً في كتابتها، وهي عملي الأضخم».

ورغم أنّ إزرا باوند كان يعمل في المجلة، وتعرّض بالتالي لضغط مباشر من ثاير جرّاء موقف صديقه إليوت، فإنّ صاحب «الأرض اليباب» واصل مفاوضاته المالية الشاقة مع مجموعة Dial ونجح أخيراً في الحصول على المبلغ الذي يراه مناسباً لقصيدة صرف سنة كاملة في كتابتها! وإذا كان حرص إليوت على حقوقه المالية لا يدهش كثيراً بذاته، فإنّ نبرة التفاوض الباردة حول عمل إبداعي مرشح لموقع حجر الزاوية في الحداثة الشعرية هي التي تهمّ رايني: «لم تكن المؤسسات هي وحدها ناقلة القصيدة، بل أصبحت القصيدة ذاتها ناقلة للمؤسسات».

أمثلة الكتاب الأخرى تتناول إزرا باوند وما حظي به من رعاية سياسية، ولكن مالية أيضاً، من جانب بنيتو موسوليني والأجهزة الفاشية عموماً؛ ومثال الشاعرة الأمريكية هيلدا دوليتل (1886 ـ 1961)، المعروفة أكثر باسم H.D.، والتي تُعدّ قصيدتها «ثلاثية» في مصافّ قصيدة إليوت «رباعيات» وقصائد باوند «أناشيد بيزا» من حيث صياغة المشهد الشعري الحداثي في العقود الأولى من القرن. و كانت H.D. ضحية ما يسمّيه رايني «شعريات الِشلّة»، لأنها تورّطت في صداقة مع سيّدة بريطانية بالغة الثراء، تحوّلت بعدئذ إلى علاقة غرامية، وحوّلت قصائدها العميقة المتميّزة إلى «قِطع من الحلوى تُوزّع بعد حفلات العشاء على ثريّات بوهيميات، اعتبرن الحداثة جزءاً من أثاث الصالون» كما يقول رايني.

المال قد يرعى الحداثة الأدبية ما لم تقترب هذه من عتبة مواجهة الجمهور العريض، ولقد فهم الحداثيون هذا الأمر على نحو بارع تماماً كما يؤكد رايني. فما هي، إذاً، أبرز دروس كتابه المدهش هذا؟ لعلّه الدرس الكبير الذي يقول ما يلي: إذا صحّت المزاعم حول حيوية الاستقلال الذاتي للنصّ وضرورة تحرّره من الذائقة الشعبية، فإنّ من الأصحّ أن توضع المزاعم ذاتها في ميزان واحد مع حقيقة أنّ «الذائقة الاستثمارية» للرُعاة المموِّلين إنما تتحكّم بقوّة في صياغة وإنتاج العمل الفنّي… الباحث عن الاستقلال.

(*)

Lawrence Rainey: Institutions of Modernism: Literary Elites & Public Culture,”
Yale University Press, New Haven, 2006. 227 p.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق