إدوارد سعيد والأسلوب الأخير

{{فخري صالح}}

في كتابه «حول الأسلوب الأخير: الموسيقى والأدب ضد التيار»، الذي صدر بعد وفاته بثلاث سنوات، يتأمل إدوارد سعيد كتابة الروائيين والشعراء والموسيقيين والمخرجين والفلاسفة الكبار، من قامة يوريبيدس وتوماس مان وجان جينيه وبيتهوفن وريتشارد شتراوس وفيسكونتي وكفافي ولامبيدوزا وثيودور أدورنو. يتأمل إنجازهم على الحافة النهائية للعمر، قارئاً في أعمالهم الأخيرة انحناءات الأسلوب ودورانه حول هوة مفتوحة تفضي إلى الموت.

ومع أن إدوارد كان مشغولاً بموضوع «الأسلوب الأخير»، قبل وفاته بسنوات عدة، وكان ألقى عدداً من المحاضرات حول هذا الموضوع، الذي يجدل الميتافيزيقا باللسانيات والنقد الأدبي، وربما الأنثروبولوجيا، فإن شعوره باقتراب الموت منه في السنوات الأخيرة، التي عاشها مريضاً منهك القوى، جعله يحاذر الاقتراب من مشروعه الأثير على نفسه، والذي ظل يفكر فيه طوال سنوات وسنوات.

{{شبح الموت}}

لكن الفكرة الجوهرية التي حاول إدوارد سعيد البحث عنها في ما كتبه في صفحات هذا الكتاب، الذي نسق مادته صديقه وجاره في نيويورك الناقد الأميركي مايكل وود، موجودة هناك في ما كتبه إدوارد، وفي ما لم يكتبه كذلك.

فهو يبحث عن تحولات الكتابة في مسيرة المبدعين، ويشرح كيف يؤثر اقتراب شبح الموت من المبدع صانعاً تعرجات وشروخاً عميقة، ويصنع تعارضات لا حلول لها في نصه الإبداعي. كأنه كان يتأمل، وهو على حافة الموت ونهاية العالم، مشروعه الشخصي، ورغبته بأن يقول كلمته الأخيرة قبل أن يلوح بيديه مودعاً مغتربه الأرضي الأزلي الذي اختاره بنفسه، كما فرض عليه وعلى شعبه في زمان الاستعمار الذي ظل يسكنه كشخص وباحث ومفكر أراد أن يفتح الكتابة على أمل لا شفاء منه.

أقام إدوارد، على مدار عمله كله، صلات نسب بين المثقف اللامنتمي والمثقف المنفي الذي يجد صعوبة بالغة في التأقلم والإحساس بالألفة مع المحيط (وهي الأحاسيس التي تميز المواطنين وأبناء المجتمعات الأصلية، أولئك المستقرين الذين تربوا في أحضان الوطن والثقافة). وظل يفضل هذا النوع من المثقفين الذين لا يحسون بالراحة أو الطمأنينة، بل إنهم يحسون بعدم الاستقرار ويشعرون بضرورة الحركة الدائمة مسببين عدم الراحة للآخرين كذلك.

لقد أصر في كتابته، كما في سيرته الشخصية، على أن المثقف المثال بالنسبة إليه هو ذلك «المرتحل، والضيف الموقت». إن المثقف المنفي، واقعاً ومجازاً، يرى الأشياء بصفتها «عارضة، لا بصفتها أمراً لا مناص منه، وينظر إليها بصفتها سلسلة من الاختيارات التاريخية للرجال والنساء، بصفتها وقائع اجتماعية صنعها البشر لا بصفتها أشياء طبيعية»، كما يقول في كتابه ثاقب النظر «تمثيلات المثقف».

كأنه بتشديده على صفات المثقف اللامنتمي، بالمعنى الإيجابي للكلمة، وعلى الكاتب المنشق الذي يقول الحقيقة للسلطة، بغض النظر عن قوة السلطة ومكان تموضعها، يشير إلى الطبيعة الانشقاقية للأسلوب، في لحظة نضج الكاتب وبلوغه قمة إبداعه، أو في اللحظات الأخيرة من العمر.

ولعل كتاب إدوارد الأخير، الذي يرتحل بين أشكال وأنواع عدة من الكتابة والإبداع، من الرواية إلى الشعر، ومن الفلسفة إلى المسرح، ومن الموسيقى إلى السينما، من بين تلك المؤلفات التي تلخص في مجلد صغير تجربة مبدع في النظر إلى كتابات الآخرين، وكذلك إلى كتابته الشخصية، إلى أسلوبه الذي يترجح بين موضوعية الناقد والمنظر الأدبي والأديب الذي يبدو الأسلوب بالنسبة إليه بمثابة البصمة المتفردة التي لا تشبهها أخرى.

تلك هي رسالة إدوارد سعيد التي مزجت الشخصي بالعام، المحلي بالكوني، والنقدي بالإبداعي في سيرة عمر لو طالت لشهدنا انعطافة عميقة في كتابة صاحبها.

{الحياة، 25/12/2007 }

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق