إسكندر حبش في ” لا أمل لي بهذا الصمت “: لغة شعرية تنمو في الهامش / دلدار فلمز

كتاب “لا أمل لي بهذا الصمت” للشاعر اللبناني إسكندر حبش الصادر عن منشورات دار الجمل 2009 يضم أربع مجموعات شعرية سبق نشر كل واحدة منها بشكل منفرد وهي ” بورتريه لرجل من معدن ” 1988 ” نصف تفاحة ” 1993 ” تلك المدن ” 1997 ” أشكو الخريف ” 2003.

ترى ما الجديد الذي يمكن استشرافه في تجربة حبش الشعرية من خلال إعادة طبع هذه المجموعات في كتاب واحد، قد تكون قراءة إنتاجه مرة أخرى بهذا الأسلوب الترتيبي الذي يمزق الزمن الظاهري ويجعلنا نرى بشكل أوضح ملامح التضاريس والأرضية التي تبنى عليها القصائد.

تتوضح لدينا من خلال هذا الكتاب رؤية أعمق عن مدى الحرفية التي يتعامل بها حبش مع الهشاشة والخفوت، هو الذي شاهد الحرب الأهلية اللبنانية بكل ألمها ومعاناتها وهو المعايش لكل الصخب الصادر عن الشعر كرد فعل على الحرب، وهو نفسه الذي أرتكب الترجمة في أكثر من كتاب، وكل ذلك لم يرض حبش الذي قفز كطفل متمرد فوق كل هذا الدمار معلناً لغة الخفوت التي تنمو على الهامش.

تظهر في هذا الكتاب اللغة التي عكف حبش على الاشتغال بها على مدى مجموعاته الأربعة مليئة بتواضع لا يخلو من هيدرات ذهنية وحياتية، ربما تبدو هذه اللغة في أكثر من زاوية محاولة للبقاء خارج المعتاد عليه، فهو هنا ليس مطالبا بعبارات محددة أو متقنة ولا تظنوا أنه سيمنحنا الوليمة التي نريدها، هذه اللغة التي تحاول دوما التخلص من أعبائها على مدار تجربته تحاول في الوقت نفسه كسر لعنة الديناميكية التي تتعامل بها ذائقة المتلقي مع منجزه الشعري، إنها محاولة مستمرة لخلق ذائقة مشاركة في النص فاعلة على نحو ما، وربما كانت الترجمة أحيانا تخلع على لغته أحيانا هذا الخفوت.

لعلنا نجد هذه اللغة بشكل جلي في” بورتريه لرجل من معدن” حيث ينتقل كل ذلك الخراب الذي بدأ معه حبش كتابة الشعر إلى اللغة ذاتها محاولا إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر صب معادنه” الحرب” في نصوص تأخذ في النهاية ملامح الشاعر نفسه.

” لن نمتلئ/ الجنود يحتفلون بخوفهم/ يتقدمون كمن فقد شروط الماضي/ ربما ذات يوم/ سأقف من عزلتي/ من كلام الجريدة وصور الحائط/ أجمع حولي الأطفال/ نقرر غيمة/ أرضا/ لا يأتيها الصيف.” ص23.

سنجد أيضا في” نصف تفاحة” و” تلك المدن” مدينة, خمرا، نساء، ألوانا وأصد قاء كثر. تحضر المدينة هنا بخماراتها وروائحها وشوارعها إلى كهوف اللغة لتكسر الفراغ وتسرب إلينا حميمية ذكريات ولحظات لا تزال أنخابها تفور زبدا في أغلب النصوص. ولن يكتمل المشهد هنا أو لنقل لن يكتمل إيحاء المشهد هنا فالمدينة ستبقى موحشة بدون أصدقاء وخمر ونساء، كل ذلك مرسوما بألوان تأخذ هنا مواربة هيئة الكلمات. ستلعن أحيانا هذه الجملة أو تلك لأنك ربما أردت أن تقولها أنت:

” ونحن أيضا/ كنا نبحث عن شارع/ عن مدينة/ ليكونا صباحا/ يجعلنا نستقيم في الخرافة/ نسيل خارج الملح/ نبتعد في شقوقنا/ نتمتع بجسد أنثى وننوس مثل خيال خرج على بؤس شمعة.” ص 64

في ” أشكو الخريف” نجد الدهشة والغموض تقنيتين يعتمدها حبش في بناءه للنص فلا سبيل لدينا للدخول إلى النص إلا من خلال الإمساك بتلابيب مداخل النص نفسه،

محاولة الابتعاد عن الوصفات الجاهزة والآمنة تبدو واضحة فهو هنا يذهب باتجاه ترسيخ تجربته الخاصة، هنا تلعب لغته دورها الأسمى متناسية حالة المرجعية حتى اللغوية منها فيتم توظيفها بعيدا عن أدائها السلطوي ليجعل منها أرضا خصبة تنمو عليها أشجار الشعر وثماره.

“أقول هو ليل/ لمن تركت حطام هذه النظرة/ أقول هو ليل/ من يستطع أن يردّ/ العتمة/ التي توقظ صوت الشجر؟/ في تلك الظلال/ كنت تحصي خراب الحلم/ رعب الصرخة/ التي/ خرجت من صدر/ السومرية/ لمن تركت هذا الليل؟/ لا شيء هنا/ سوى عتمة/ تعيد ذكرى/ هذا الليل.”

إسكندر حبش شاعر مضيء حتى ولو كان يقبع خارج الضوء لأن “الشعراء لا يحتاجون إلى إضاءة, شعرهم يضيئهم ” كما يقول وديع سعادة على الغلاف الخلفي للكتاب.
عن ملحق أبواب – جريد تشرين

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق