إسلاميو الناتو (2/2)

{{ماذا عن إشاعة الديمقراطية؟}}

مناشدة حزب العدالة والتنمية لليبراليين والمثقفين في 2002 استندت في المقام الأول إلى موقفه المؤيد للديمقراطية والموالي لأوروبا. غير أن الحزب لم يسبق له قط أن أظهر سوى نوع من الالتزام الشكلي فيما يخص إشاعة الديمقراطية. إن أردوغان مشهور بنزعاته الدكتاتورية، وبوصفه رئيس بلدية استانبول المقتدر بين عامي 1994 و1998 مارس الإدارة بقبضة حديدية(1). في المؤتمر التأسيسي، كانت قيادة حزب العدالة والتنمية قد تعهدت باعتماد نظام قائم على الديمقراطية داخل الحزب، إلا أن خطوات أولية بهذا الاتجاه سرعان ما تعثرت وانقلبت. ففي 2003، أقدم مجلس مؤسسي حزب العدالة والتنمية على إلغاء الانتخابات الداخلية الحزبية للجنة المركزية وفوضت رئيس الحزب، أردوغان، وحده، بالصلاحية لتنصيب وعزل أعضاء اللجنة المركزية. وقد كانت لهذه التحركات الدكتاتورية نظائرها في مجال علاقة الحزب مع الشعب. فمع أن حكومة أردوغان أقرت سلسلة من التشريعات على صعيد الإصلاحات الديمقراطية بدفع من الاتحاد الأوروبي، فإنها ظلت أيضاً متمادية في تجاهل أكثر معايير تمثيل الناخبين وتمكينهم من المحاسبة أساسية ــ حول العراق على نحو بالغ الفضائحية بالطبع. بدلاً من أخذ المطالب والمظالم الشعبية مأخذ الجد، سيبادر أردوغان إلى توبيخ أي شخص يجرؤ على مفاتحته حول مشكلات الجوع، البطالة، وأزمة السكن. في المهرجانات الحزبية درج أردوغان على مخاطبة الفقراء طالباً منهم شد الأحزمة على البطون والمبادرة إلى اجتراح الحلول بدلاً من انتظار قيام الحكومة بحل مشكلاتهم(2).

ثمة امتحان آخر لعملية إشاعة الديمقراطية ــ وعائق آخر على طريق الالتحاق بركب الاتحاد الأوروبي ــ ألا وهو الموقف الرسمي من المذابح الأرمنية في 1915. طالما دأبت النخبة العسكرية على إنكار أي مسؤولية عن أعمال القتل هذه، والقول بأنها كانت عمليات إبادة يُعد جرماً. ومع تصاعد التوقعات بشأن إشاعة الديمقراطية، في 2005، حاول فريق دولي من الباحثين تنظيم ندوة يتم فيها حوار صريح حول موضوع الإبادة. جاء رد وزير داخلية حكومة حزب العدالة والتنمية، جميل تشيتشك متمثلاً بعبارة ‘إن منظمي الندوة يطعنون الأمة في الظهر’. في البداية قام الباحثون بإلغاء اللقاء، ثم نقلوه إلى جامعة أخرى. ومع أن عقد لقاء كهذا كان من شأنه أن يظل أكثر صعوبة، إن لم يكن مستحيلاً، في ظل أي حكومة سابقة، فقد شكل الحدث تذكيراً صارخاً بالاتجاه القومي الدكتاتوري داخل صفوف حزب العدالة والتنمية، ذلك الاتجاه الذي يعد تشيتشك أحد شخصياته القيادية.

جنباً إلى جنب مع إشاعة الديمقراطية، تشكل مسألة ما إذا كانت الحكومة ستبادر إلى اتخاذ أي خطوات جريئة وقوية على طريق المزيد من الأسلمة، بالنسبة إلى مؤيدي حزب العدالة والتنمية الجدد من الديمقراطيين الليبراليين. لم يكن ثمة، حتى الآن، أي سبب فعلي للقلق. من المؤكد أن حزب العدالة والتنمية حاول رفع القيود التي فرضها الجيش عام 1997 على خريجي المعاهد الشرعية المتخصصة بإعداد الخطباء والأئمة لمنع هؤلاء من الالتحاق بالجامعات العلمانية، وتوجيههم، بدلاً من ذلك، إلى كليات لاهوتية (شرعية ــ دينية). كان الجيش أيضاً قد فرض تعليماً نظامياً لمدة ثماني سنوات على المدارس غير الدينية. كانت ثمة موجات احتجاجية من جانب المتدينين في تلك الأيام، إلا أن الانتساب إلى مدارس تخريج الخطباء والأئمة كان قد تقلص تقلصاً ملحوظاً في الأعوام التالية. كانت هذه ضربة موجعة إلى الحركة الإسلامية، نظراً لأن معظم نشطائها وحركييها هم من نتائج هذه المدارس. سارعت قطاعات من المؤسسة الإعلامية إلى الاحتجاج بغضب على مشروع قانون حزب العدالة والتنمية المتضمن السماح لطلاب مدارس الخطباء والأئمة بالانتساب إلى الجامعات، وزعمت أن المشروع أماط اللثام عن البرنامج الإسلامي الخفي لدى الحزب. أشار الجيش، تلميحاً، إلى أن من شأن الأمر أن يشكل تهديداً للجمهورية العلمانية، وبادر رئيس الجمهورية أحمد نجدت سيزر (المنتخب في المجلس السابق عام 2000) إلى استخدام حق النقض ضد مشروع القرار. إعلاميو المؤسسة ومعلقوها ممن كانوا قد أيدوا حزب العدالة والتنمية في 2002 أعلنوا أن هذا كان تجاوزاً للخط الأحمر، مع أن قلة فقط نفضت أيديها فعلاً من الحكومة.

لعل أقل ما يمكن أن يقال عن ردود الفعل هذه هو أنها كانت مبالغة. لم يكن لدى حزب العدالة والتنمية أي برنامج لأسلمة مجمل النظام التعليمي. كان الحزب يحاول فقط أن يحافظ على أحد المنابع المهمة لأي مشروع ذي توجه ديني ــ كما هو مفهوم، مثلاً، لدى الكنيسة الكاثوليكية منذ زمن طويل. فالعنصر الرئيسي في طبعة حزب العدالة والتنمية من طبعات النزعة الأمريكية لا يقوم على إنكار كل ما هو إسلامي؛ ثمة مدارس ذات مناهج تعليمية دينية تزدهر داخل النظام الأمريكي. ليست المسألة، بالأحرى، سوى مسألة التفاوض حول الجديد الذي يمكن بلوغه على صعيد الدين في الفضاء العام التركي. هناك تغييرات أخرى، مثل تقليص مساحة نظرية التطور في الكتب المدرسة وزيادة أعداد البرامج الدينية على القنوات التلفزيونية، تشكل أعراضاً مشابهة للطرق المتبعة في رسم هذه الحدود وفق إطار أقرب إلى النزعة المحافظة الأمريكية منه إلى أي مطالب إسلامية.

لعل الأكثر حسماً هو أن حكومة أردوغان أطلقت إشارات بالغة الوضوح أكدت فيها أن التوجه الإسلامي لن يضطلع بأي دور في سياستها الخارجية. لقد حاولت هذه الحكومة أن تلعب دوراً قيادياً في مبادرة إدارة بوش المعروفة باسم مبادرة الشرق الأوسط الأكبر. سارعت قيادات حزب العدالة والتنمية وأبواقه الإعلامية إلى الترويج لهذا المشروع لدى قاعدتها الدينية بوصفه فرصة تمكّن تركيا من امتلاك نفوذ أقوى في المنطقة؛ نفوذ قائم على الجمع بين علاقات أوثق بالبلدان الإسلامية من جهة وبين فرصة جني فوائد اقتصادية وسياسية اكبر من تأكيد تحكم الولايات المتحدة من جهة ثانية. صحيح أن حزب العدالة والتنمية يطلق فيضاً من فقاعات الشعارات ‘الإسلامية’ على صعيد السياسة الخارجية، غير أن أي قراءة مدقِّقة لتلك الشعارات تبين أنها ليست عادة إلا تعبيراً عن مطالب واشنطنية بلغة ومصطلحات إسلامية. مقاربة حزب العدالة والتنمية لوضع حماس بعد انتصاره في انتخابات السلطة الفلسطينية عام 2005 كانت مصممة بما يوصل رسالة الغرب ــ ‘انزعوا السلاح!’ ــ لا بما يوحي بنوع من أنواع التضامن الكفاحي الإسلامي. وحين قام ممثلو حماس بزيارة أنقرة سارع سفير الولايات المتحدة آنياً إلى إصدار بيان مؤيد لسياسات حزب العدالة والتنمية في العراق، ما أدى إلى تهدئة مخاوف راسخة حول ردود الأفعال الأمريكية على زيارة الفلسطينيين. لقد تحول غول إلى مبعوث دائم التنقل في المنطقة، إذ ذهب إلى طهران في حزيران/يونيو 2006 لإيصال مطالب الغرب الأخيرة بشأن القضية النووية. كانت الزيارة باعثة على السرور في الدولتين الإسلاميتين كلتيهما، إذ كانتا سعيدتين برؤية تركيا ناجحة في تجاوز أهوائها العلمانية وتقويم جاراتها، وبرؤية القوة الغربية قادرة على إيصال رسائلها إلى الملالي عبر أشقائهم في الدين بدلاً من ‘أعدائهم’. كذلك قام غول بممارسة الضغط على دمشق لدفع الأخيرة إلى ممارسة تأثيرها المعدِّل على حزب الله في لبنان. تمثلت إحدى نتائج هذه السياسة الخارجية بعلاقات متحسنة كثيراً بين الحزب (حزب العدالة والتنمية) والجناح الأكثر ليبرالية في المؤسسة العسكرية بقيادة رئيس هيئة الأركان حتى عام 2006، الجنرال حلمي أوزكوك.

{{
تحديات:}}

إن حزب العدالة والتنمية يواجه، رغم كل نجاحاته في المحافظة على دعم ائتلاف 2002، عدداً ن الصعوبات المستقبلية التي من شأنها، إذا جاءت متصفة بما يكفي من القسوة، أن تشكل تحديات لهيمنته على قطاعات معينة. ولعل الاقتصاد بين أخطرها. خلال أعوامها الثلاثة الأولى في الحكم، استفادت حكومة أردوغان من تعافي ما بعد 2001، في أعقاب عملية التعويم (تقويم النقد) الدرامية المثيرة لذلك العام. نجح النمو المستند إلى الاقتراض الكثيف في ضمان دوام الموافقة على الإصلاحات الاقتصادية حتى لدى الأكثر تأثراً سلبياً بالتقشف المالي. إلا أن الاقتصاد التركي مكشوف إلى حد كبير. ثمة عجز متعاظم في ميزان المدفوعات يتطلب توفير جرعات رأسمالية مطردة، وبرنامج الخصخصة الذي يطبقه حزب العدالة والتنمية لاجتذاب هذه الرساميل ينوء تحت ثقل جملة من المشكلات القانونية، من الفساد، ومن المرافق العامة والبنى التحتية المنهارة. ومع انفتاح تركيا على الأسواق الكوكبية، هُزمت الصناعات النسيجية والكسائية القوية تقليدياً، قاعدة نمو الأناضول الأوسط ومنطلقه في ثمانينيات القرن العشرين، في السباق مع بلدان ذات عمالة رخيصة، مع الصين في المقام الأول. باتت الاستثمارات الرأسمالية التركية الآن متوجهة، بالدرجة الأولى، نحو أسواق المال، السياحة، والإنشاءات ــ وجميعها شديدة التأثر بتقلبات الاقتصاد الكوكبي. من شأن أي خضة في سوق السندات العالمي أن تنطوي على تأثير بالغ الجدية.

في شهري أيار/مايو وحزيران/يونيو من عام 2006، عاشت تركيا هزة مالية جدية في ظل حكم حزب العدالة والتنمية. كان ثمة نزيف مفاجئ لرأس المال متوسط الأجل بعد قيام الاحتياط الاتحادي الأمريكي برفع معدلات الفائدة. تراجع سعر الليرة وارتفع معدل التضخم بحدة مع مستوردات أغلى. تعرضت قطاعات الاقتصاد الضعيفة ــ قطاعات النسيج، الملابس، الزراعة ــ لضربة موجعة مع تواصل ارتفاع معدلات الفائدة، أجور العقارات، وأسعار المواد الغذائية بعد تلاشي الأزمة المالية، واستمر رجفان الليرة مع كل اهتزاز على المسرح الكوكبي. وفي تموز/يوليو 2006 واجه حزب العدالة والتنمية الاحتجاج الجماهيري الأول على سياساته الاقتصادية: ثمانون ألفاً من منتجي محصول البندق في منطقة البحر الأسود سدوا طريق صامصون الرئيسية احتجاجاً على التخفيضات التي اعتمدتها الحكومة بالنسبة إلى دعم المحاصيل الزراعية، تلك التخفيضات التي كانت قد أبقت تعاونية المزارعين عاجزة عن شراء المحصول. استهدفوا مستشار أردوغان المقرب جنيد زابسو، رئيس رابطة المصدرين التي هي الجهة الأوفر ربحاً من الأسعار المنخفضة. حسب الاحتمالات كلها، جميع هؤلاء العمال كانوا من ناخبي حزب العدالة والتنمية. أواخر آب/أغسطس، بادر اتحادات موظفي القطاع العام إلى التهديد بإضرابات كبرى اعتراضاً على الأجور الفعلية المتضائلة. ومع تنامي الأزمات الاقتصادية توحي استطلاعات الرأي بأن حزب العمل القومي اليميني بدأ يستعيد نفوذه. وفي العام الماضي أقدمت عصابات قومية على أكثر من عشرة حوادث قتل استهدفت مهاجرين أكراد مقيمين في مدن تركية غربية، وعلى رجم أعضاء حزب العدالة والتنمية بعد إحدى المسيرات القومية. إن النتيجة هي أن الترويج لتركيا على أنها قصة ‘سوق ناشئة’ ناجحة لدى المستثمرين الأجانب يصبح أكثر صعوبة.

ثمة مشكلة ثانية يواجهها حزب العدالة والتنمية ألا وهي مشكلة المفاوضات المتعثرة مع الاتحاد الأوروبي. فرفض جمهورية قبرص القاطع لخطة أنان (أمين عام الأمم المتحدة) في نيسان/أبريل 2004 أحبط ‘الحل’ الغربي لمشكلة الجزيرة، وأبقى تركيا في مواجهة ضرورة الاعتراف بهذه الجمهورية، بداية عن طريق توسيع دائرة اتفاقية الوحدة الجمركية المعقودة في 1995 مع الاتحاد الأوروبي لتشمل آخر الأعضاء، ومنهم قبرص. أقدم أردوغان في 2005 على توقيع البروتوكولات، مع إعلانه صراحة بأن الأمر لم يَرْقَ إلى مستوى الاعتراف بالحكومة القبرصية، ومع حلول موعد الاتحاد الأوروبي الأخير المحدد بشهر كانون الأول/ديسمبر 2006، لم تكن تركيا قد فتحت موانئها ومرافئها أمام قبرص. مفاوضات القبول عُلقت جزئياً، وقامت بروكسل بتمديد فترة عمليات تفتيشها لمدى ‘تقدم’ تركيا فترة زمنية أطول. شكت بروكسل أيضاً من تباطؤ أنقرة ومراوحتها فيما يخص التعديلات المطلوبة على المادة 301 من قانون العقوبات التركي، تلك المادة التي تجرّم منتقدي الدولة. لم يعد تقديم الالتحاق بركب الاتحاد الأوروبي بوصفه طريقاً عريضة مفضية إلى مستقبل أفضل ميسراً كما كان من قبل.

{{
حشد من الخصوم:}}

رغم زحمة هذا الفيض من الشكوك والتساؤلات، يبقى حزب العدالة والتنمية متمتعاً بأفضلية كون جميع البدائل السياسية لحكمه مفضوحة ومفلسة كلياً. غير أن له أيضاً عدداً من الخصوم المؤهلين لأن يتعزز نفوذهم إذا ما فقدت حكومة حزب العدالة والتنمية بريقها تحت وطأة الأزمات الاقتصادية المتزايدة سوءاً. ومن أكثر هؤلاء الخصوم لفتاً للنظر العناصر المتشددة داخل أجهزة الدولة، حَمَلَةُ راية القومية الرجعية المتنامية، والإسلاميون المتطرفون. ففي الأوساط الرسمية، بما فيها الأجنحة القومية في مؤسستي القضاء والجيش، ثمة لا يزال كثيرون ينظرون إلى حزب العدالة والتنمية بعين الريبة ويحلمون بإطاحته. وقد ألمح دنيز بايكال زعيم حزب الشعب الجمهوري والممثل السياسي لهذه الأوساط، مرة بعد أخرى، إلى تأكيد ضرورة تنظيم تحرك عسكري وشارعي ضد حزب العدالة والتنمية. ثمة عناصر ينتمون إلى الدولة العميقة أضفوا على الأمر شكلاً أكثر ملموسية.

في 2005، قُتل عدد غير قليل من الأشخاص في سلسلة من التفجيرات في بلدة شمدينلي بمحافظة هاكّاري، أحد أكثر الأماكن فقراً في تركيا. سارعت المراجع الرسمية إلى عطف التفجيرات على حزب العمال الكردستاني (البي كي كي) وعلى التوتر المتعاظم في جنوب شرق البلاد منذ إنهاء وقف إطلاق النار عام 2004. غير أن أحد المفجرين أُلقي القبض عليه متلبساً في تشرين الثاني/نوفمبر 2009. كان المارة قد رأوه وهو يضع كيساً أمام أحد المخازن. ثم انزوى وراح ينتظر ليراقب ما يحصل من انفجار أدى إلى مقتل أحد الأشخاص. سارع المتفرجون الغاضبون إلى محاصرة المفجر الذي أصيب بالذعر وراح يصرخ ‘توقفوا! أنا ضابط شرطة!’. لولا القوات الأمنية لأجهز الجمهور عليه. الشكوك حول وجود عناصر خفية تابعة للدولة خلف تفجيرات شمدينلي الأخرى، وهي شكوك ترددت أصداؤها حتى في صحافة المؤسسة، باتت شبه مؤكدة حين بادر الرجل الثاني في قيادة الجيش، الجنرال ياشار بويوك آنت إلى التعليق ببرود قائلاً عن المفجر: ‘أنا أعرفه؛ إنه شاب طيب’.

رداً على هذا، وانسجاماً مع وعد أردوغان بأن جميع الأطراف المسؤولة ستنال جزاءها، باشر مدعٍ عام محلي في مدينة وان تحقيقاً اتهم الجنرال بويوك آنت بالتورط في تنظيم نشاطات شبه عسكرية في جنوب ــ شرق البلاد. تعرض المدعي العام لهجوم وسائل إعلام المؤسسة التي زعمت ــ دون أي دليل ــ أنه كان على علاقة مع جمعية دينية سرية، وأن التهم الموجهة إلى بويوك آنت لم تكن إلا جزءاً من مؤامرة هادفة إلى تشويه سمعة الجيش الدائب على محاربة ‘الحركات الأصولية’. جرى التلميح إلى أن حزب العدالة والتنمية كان وراء المؤامرة. ما لبث المدعي العام أن عُزل جراء قيامة بإعداد ‘مذكرة اتهام باطلة’، وسرعان ما بات كل من يحاول التحقيق في قضية شمدينلي مشبوهاً. في النهاية، تم الحكم على اثنين من صغار الضباط، واعتُبر القيام بالمزيد من الإجراءات الحقوقية عديم الجدوى. أما حزب العدالة والتنمية الذي كان قد وفر الدعم للمدعي العام في البداية فقد التزم الصمت ــ محبطاً مؤيديه الليبراليين مرة أخرى. وفي آب/أغسطس 2006، بعد أشهر من التخمينات حول هوية خَلَف أوزكوك في منصب رئاسة الأركان، أقدم حزب العدالة والتنمية على تعيين بويوك آنت في هذا المنصب.

برز المزيد من الدلائل على وجود حملة تشنها الدولة العميقة (تعبير يطلق في تركيا على الحلقة الداخلية الضيقة التي تمسك بزمام الدولة التركية منذ الاستقلال) ضد مؤيدي حزب العدالة الإسلاميين في أعقاب اغتيال رئيس مجلس شورى الدولة في أيار/مايو 2006. قبل بضعة أشهر كان رئيس المجلس هذا قد عطل اقتراح ترقية أستاذة أحد معاهد التمريض بحجة أنها تغطي رأسها في طريق عودتها إلى البيت رغم أنها تكشفه خلال ساعات العمل. كان هذا قد عُد تدبيراً مفرطاً في رجعيته حتى من جانب إعلام المؤسسة، واستثار رداً ساخطاً من الصحافة الشعبية الإسلامية، حيث قامت جريدة الوقت بنشر صور صانعي قرارات مجلس الشورى على الصفحة الأولى. أثار اغتيال رئيس المجلس، بيد محامٍ إسلامي شاب على ما يبدو، إعصاراً من الغضب العلماني، وكانت ثمة تظاهرات عارمة، بقيادة كبار رجال القضاء، احتجاجاً على الإسلاميين وشجباً لحزب العدالة والتنمية. غير أن جريدة الزمان المحافظة والمؤيدة لحزب العدالة والتنمية ما لبثت، بعد بضعة أيام، أن كشفت عن وجود علاقات بين القاتل ومجموعة من ضباط الجيش المتقاعدين، الذين كانوا أعضاء في شبكة ناشئة من التنظيمات القومية المتشددة شبه العسكرية. ويبدو أن هؤلاء الضباط كانوا على علاقة مع الدولة: عثرت الشرطة على ملفات رسمية سرية في منازلهم. تمثلت خطتهم بتشويه سمعة حكومة حزب العدالة والتنمية، وصولاً، ربما، إلى إطاحتها.

* * *

بداية، حاولت صحافة المؤسسة، تحت وطأة الإحراج والارتباك، أن ترد عبر شجب القضية على أنها طبخة أو مؤامرة إسلامية: فـ ‘الملفات السرية’ إن هي إلا من اصطناع عناصر متدينة محافظة في الشرطة، تم تسريبها إلى جريدة الزمان. جنباً إلى جنب مع محاولات المدعي العام ‘المتدين’ الذي حاول توريط بويوك آنت بتفجيرات شمدينلي، قامت هذه المؤامرة الجديدة بتسليط الضوء على امتدادات وأصابع الحركة الإسلامية المتوغلة في أعمق زوايا الدولة. أخفق العلمانيون والإسلاميون في توفير أدلة قاطعة تثبت ادعاءاتهم. إلا أن الملحمة الدرامية أماطت اللثام عن مدى عمق الصراع الخفي إلى الآن بين الجيش والشرطة (جهاز الأمن). إن تمركز القوميين العلمانيين المتشددين في الجيش، والمحافظين المتدينين في صفوف الشرطة، يحمل في طياته خطر حروب دسائسية متدنية المستويات داخل القوى الأمنية كما ضد الكتلة السكانية المدنية. صحيح أن منظمة العفو الدولية (امنستي أنترناشيونال) تحدثت في تقريرها عن تضاؤل التعذيب في ظل سلطة حزب العدالة والتنمية؛ ولكن قضيتي شمدينلي ومجلس الشورى لا تساعدان على معرفة ما إذا لم تكن قوى القهر والإكراه قد لاذت بمناهج وأساليب للتحكم وغرس الرعب أكثر تعقيداً وإتقاناً من أساليب التعذيب والقمع ‘البسيطة’.

***

ومع اغتيال هرانت دنك جرى طرح هذه القضايا بحدة مرة أخرى. إن رئيس تحرير جريدة آغوس التركية ــ الأرمنية ثنائية اللغة، دنك، كان شخصاً داعياً إلى المصالحة دائباً على تأكيد ضرورة إشاعة الديمقراطية وتنشيط الحوار التركي ــ الأرمني بدلاً من التركيز على مناقشة موضوع الإبادة. وعلى الرغم من هذا الحذر، فإنه قد اتُّهم أكثر من مرة بـ ‘الإساءة إلى سمعة الأتراك’؛ وكان واحداً من نحو خمسين مثقفاً ممن كان سيرد ذكرهم في قائمة المتهمين بموجب المادة 301 في تركيا أردوغان. خلافاً لمعظم الآخرين، كان دنك قد حُكم في 2005 مع وقف التنفيذ. كان أيضاً قد تعرض تكراراً لتهديد عدد من المنظمات القومية شبه العسكرية. في التاسع عشر من شهر كانون الثاني/يناير 2007، قُتل دنك برصاصة في الرأس خارج مكتب جريدته بيد شاب عاطل عن العمل من طرابزون. اعتُقل القاتل، غير أن المحققين ما لبثوا، بعد بضعة أيام، أن كشفوا لا عن انخراط أحد المخبرين الأمنيين في تنظيم الجريمة وحسب، بل وعن أفراد من جهاز الأمن كانوا قد علموا سلفاً بعملية الاغتيال المخططة. وما أن تم البوح بهذه التفاصيل حتى توقف التحقيق فجأة. وبتشجيع من الغضب الشعبي إزاء مقتل دنك ــ إذ كان نحو مئة ألف شخص قد شاركوا في موكب جنازته ــ أطلقت سلسلة من التنظيمات المدنية والسياسية حملة للمطالبة بإزاحة القناع كلياً عن أوجه القوى الكامنة خلف الجريمة. إلا أن الأمور كانت، حتى أوائل آذار/مارس 2007، لا تزال تراوح في مكانها. وفي الأجواء المشحونة أصلاً قبل الانتخابات الرئاسية في نيسان/أبريل، جاء اغتيال دنك ليصب الزيت على نار الأزمات وليبين مدى عجز حزب العدالة والتنمية عن التحرك الفعال ضد حملة الإكراه والإرهاب المتمادية هذه.

***

{{ همود إسلامي؟}}

تشكل الحركة الإسلامية المتطرفة بؤرة أخرى من بؤر المعارضة المحتملة لحكومة أردوغان ــ وهي الحركة التي يعبر عنها أولئك الذين تمخضت أمركة حزب العدالة والتنمية عن تخلفهم عن الركب. نشطاء الحزب المحليون ظلوا يحاولون طمأنة أشقائهم الإسلاميين الأكثر تشدداً عن طريق توزيع ‘منشورات’ تؤكد أنهم مازالوا مؤمنين بالمبادئ نفسها، غير أن أساليب أطول مدى باتت مطلوبة الآن. وثمة قادة في حزب العدالة والتنمية ــ مثل بولت آرينتش، الذي تولى قيادة عملية تصويت المجلس ضد الحرب العراقية في آذار/مارس 2003 ــ باقون على صلة مع حزب السعادة الإسلامي التقليدي. هناك آخرون يحرصون على استعراض التزامهم بأداء فريضة الصلاة في الأماكن العامة. على العموم، ظل الإسلاميون الراديكاليون عازفين، كما لوحظ من قبل، عن انتقاد الحكومة. صحيح أن مظاهرات احتجاج كبرى سُيرت احتجاجاً على الصور الكاريكاتورية الدانماركية للنبي ــ ولاسيما في الشرق وجنوب الشرق، بما شكل دليلاً على عملية إعادة تنظيم للإسلاميين الراديكاليين في المنطقة ــ غير أن هذه المظاهرات بقيت ذات طابع لاسياسي على نحوٍ آمن ومضمون.

كان إرسال قوة تركية للالتحاق بالقوات الدولية في لبنان في تشرين الأول/أكتوبر 2006، اختباراً رئيسياً للإسلاميين. وكما مع العراق، فإن أكثرية من الكتلة السكانية كانت شديدة المعارضة للغزو الإسرائيلي ولقيام جيش الدفاع الإسرائيلي بتدمير ضاحية بيروت الجنوبية. إن شروط نشر القوة الدولية بموجب القرار 1701 ــ للمساعدة على نزع سلاح المنطقة الواقعة ‘جنوب نهر الليطاني’ ــ بدت هادفة بوضوح إلى وضع حد لوظيفة حزب الله المهدود الذي كانت إسرائيل قد أخفقت في الإجهاز عليه. أنموذجياً، حاول حزب العدالة والتنمية أن يتحرك مع شريكتيه العسكريتين الرئيسيتين، الولايات المتحدة وإسرائيل، من جهة، وأن يعمل، من جهة ثانية، على إقناع قاعدته الشعبية بأنه واقف في صف ‘المظلومين’. وقيام أردوغان بشجب ‘التجاوزات’ الإسرائيلية أمام مؤتمر المنظمة الإسلامية في كوالالامبور، في تموز/يوليو 2006، لقي ترحيباً حاراً في العالم الإسلامي، على الرغم من أن شجبه لم يكن مختلفاً كثيراً عن صيغة قمة الجي 8 (G 8) التي تمثلت بعبارة ‘الرد غير المناسب’.

بعد صدور القرار 1701 سارع كل من أردوغان وغول إلى التعبير عن الحاجة الملحة لإرسال قوات تركية ‘تمد يد المساعدة’ إلى الشعب اللبناني المعاني. لم ينس قادة حزب العدالة والتنمية استحضار تقاليد الإمبراطورية العثمانية لـ ‘أجداد الأمة’: يتعين على تركيا ألا تنأى بنفسها عن مشكلات جاراتها وألا تتغافل عن الشرق الأوسط كما سبق لها أن كانت قد فعلت على امتداد السنوات الثمانين الماضية. أو، كما قيل تكراراً بلغة الأمركة: كان لابد لتركيا من أن تتدخل في المنطقة كي تصبح أحد الأطراف الكوكبية اللاعبة. كان ثمة أيضاً نوع من أنواع التضليل أو التجهيل الإعلامي: وسائل الإعلام الإسلامية المؤيدة لإرسال القوات تحدثت عن أن حزب الله كان بالفعل قد رحب بقدوم الأتراك إلى لبنان. وهذا يبدو بعيداً عن أن يكون صحيحاً، نظراً للاتفاقية العسكرية الرسمية بين إسرائيل وتركيا التي وقعها أربكان في 1996. وعلى الرغم من أن مستوى هذه الشراكة العسكرية سر يلفه الكتمان، فإن من المعروف أنها منطوية على مناورات تدريبية مشتركة، معلومات استخباراتية متبادلة، تعاون في عمليات مضادة للأعمال التخريبية، وتحديث المعدات والتجهيزات العسكرية ــ بمعنى قيام تركيا بشراء الأسلحة من المصنعين الإسرائيليين. لم يبادر حزب العدالة والتنمية، بالطبع، إلى اتخاذ أي خطوات على طريق إلغاء الاتفاقية.

غير أن الاحتجاجات الإسلامية على إرسال قوات تركية إلى لبنان بقيت، مع ذلك، طي الكتمان، وإن كانت أعلى صوتاً بعض الشيء في القطاعات الشرقية من البلاد. من المفارقات الباعثة على السخرية أن المعارضة الأكثر تنسيقاً لإرسال القوات كانت من جانب حزب الشعب الجمهوري واليمين القومي اللذين ساهما في حشد تأييد نواب حزب العدالة والتنمية. آخر شهر آب/أغسطس 2006، أقدم رئيس الجمهورية العلماني حتى العظم ــ وهو شديد العداء للمحافظين المتدينين ــ على إعلان أن على تركيا أن تبادر إلى معالجة مشكلاتها الداخلية، مشيراً إلى حزب العمال الكردستاني المتمرد في جنوب شرق البلاد، بدلاً من أن ترسل قواتها إلى لبنان. وقد كان هذا كافياً لإقناع برلمانيي حزب العدالة والتنمية بأن أعداء ‘الديمقراطية المحافظة’ باتوا موحدين في السعي إلى منع الحكومة من إرسال القوات. سارع مجلس الوزراء إلى عقد جلسة فوراً بعد تصريح رئيس الجمهورية ووافق على النشر (إرسال القوات التركية إلى جنوب لبنان)؛ صادق 340 مقابل 192 في جلسة طارئة للبرلمان يوم 5 أيلول/سبتمبر على قرار الإرسال، رغم إظهار استطلاعات الرأي أن نحو 80 بالمئة من الجمهور كانوا ضد هذا التدبير. حظي القرار أيضاً، بطبيعة الحال، بترحيب الاتحاد الأوروبي، وسائل الإعلام الغربية، والفئات الليبرالية الموالية للغرب في تركيا؛ حتى أن بعض المعلقين الأوروبيين عدّوا القرار سبباً وجيهاً لتزخيم جلسات التفاوض لدخول الاتحاد الأوروبي.

{{ مواقف تزداد تشدداً:}}

ثمة قاعدة معارضة محتملة ثالثة لحزب العدالة والتنمية تكمن في المشاعر القومية المتصاعدة في تركيا، تلك المشاعر التي ظلت تشكل أساس المطالبة بمواقف أكثر تشدداً وصلابة ضد المتمردين الأكراد، بالمزيد من الضوابط المقيدة للأسواق، وبرفع مستوى الحذر في العلاقات مع الغرب. شهد تأييد الغرب تناقصاً ملحوظاً في العام الماضي. إن بروز دويلة كردية محتملة في شمال العراق أثار الرعب في قلوب القوميين الأتراك الذين يرون أن من شأن الأمر أن يشكل خطوة على الطريق المفضية إلى قيام كردستان الكبرى، التي لابد لها، بالضرورة، من أن تؤدي إلى تمزيق الوطن التركي. تمخض هذا الوضع عن تأسيس سلسلة طويلة من المجموعات العنصرية والعرقية الانعزالية خلال السنوات الأخيرة. وهذه المجموعات، وبعضها مسلح وتحت قيادة ضباط مسلحين، تضاعف من شعبيتها ولاسيما في المناطق الغربية ذات الكتل السكانية الكبيرة من النازحين أو المهاجرين الأكراد. وعلى الضفة المقابلة شكلت الدويلة الكردية المحتملة عامل تشجيع للقوميين الأكراد. في 2004 أقدم حزب العمال الكردستاني (البي كي كي) على إنهاء وقف إطلاق النهار الذي كان قد بقي حريصاً على استمراره منذ اعتقال زعيمه عبد الله أوج آلان في 1999، مستنداً إلى رفض حكومة حزب العدالة والتنمية إصدار عفو عام. غير أن الفدائيين (العصابات، المتمردين) قاموا حتماً، حين شهروا السلاح، باستثارة حملة قمع أمنية من جهة وفورة قومية رجعية متعصبة من جهة ثانية. وفيما بعد، بادر حزب العمال الكردستاني، نهاية شهر أيلول/سبتمبر 2006 إلى إعلان وقف لإطلاق النار، لم يلق هو الآخر، آذاناً صاغية.

مع أن حكومة أردوغان أكدت ــ تحت إلحاح الاتحاد الأوروبي المعترف به ــ قبل سنتين ضرورة الاعتراف بهوية كردية، فإنها مهووسة الآن باعتقال قادة حزب العمال الكردستاني. ففي ظل شروط معروفة جيداً منذ تسعينيات القرن العشرين، أصر على شجب إحدى التظاهرات الجماهيرية في الشرق على أنها حركة ‘إرهابية’، كما على شطب الانتقادات الموجَّهة إلى القوات الأمنية على اقتراف الأخيرة جريمة قتل عشرة من المدنيين. ففي حزيران/يونيو 2006، تقدم حزب العدالة والتنمية باقتراح إدخال تعديلات على التشريعات الخاصة بمكافحة الإرهاب، شكل بالفعل ضربة جدية للحقوق المدنية المعتمدة. المشبوهون الذين هم رهن الاعتقال لن يعودوا قادرين على الاستعانة بالمحامين خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى من توقيفهم، بما يؤدي إلى مضاعفة احتمالات ممارسة التعذيب. وبات الآن نشر أي بيانات صادرة عن منظمات غير مشروعة، أو حتى التعاطف مع مثل هذه المنظمات عملاً جرمياً. من شأن ذلك أن يلحق الأذى بالإسلاميين وبقطاعات من اليسار، ولكن الاحتمال الأقوى هو انه سيوظَّف في محاربة مؤيدي التنظيمات الكردية. يبدو أن حزب العدالة والتنمية سيعمد إلى ركوب الموجة القومية عن طريق الانزلاق في مسار أكثر دكتاتورية وتشدداً، ولاسيما في الأمور ذات العلاقة بالأكراد.

في الوقت نفسه، راح عدد كبير من شخصيات المؤسسة ــ وتلك هي تناقضات الحركات القومية في الدول العميلة ــ يجادلون قائلين إن على تركيا أن تجعل نفسها حاجة يتعذر الاستغناء عنها أكثر فأكثر بالنسبة إلى الأمريكيين إذا أرادت أن تقنع واشنطن بضرورة وضع قيود على انبثاق أي شكل من أشكال كردستان. كان هذا أحد الخطابات التي استخدمها عدد من الصحفيين القوميين العلمانيين، من المستشارين السياسيين، ومن المثقفين تسويغاً للالتحاق بركب قوات الاحتلال الدولية في لبنان ــ إذ ظل هؤلاء يرددون أن هذا هو السبيل الوحيد لدفع الولايات المتحدة إلى الانقضاض على قواعد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق. غير أن الأمريكيين الغارقين راهناً في بحر من المصاعب ليسوا في وضع يمكِّنهم من استعداء الأكراد، إلا أنهم أقدموا، مع ذلك، على تعيين جنرال أمريكي متقاعد وسيطاً يتولى تهدئة المخاوف التركية وتيسير التفاوض بين أنقرة والأكراد. ومن المفارقات الباعثة على السخرية أن منطق نزعة قومية تركية متنامية لا يلبث أن يفضي، إذن، إلى تكثيف عملية الأمركة، حتى وهو يميط اللثام عن مدى عجز حزب العدالة والتنمية عن تنفيذ انعطافته الخاصة الأخيرة هذه.

داخلياً، نجحت الكتلة الحاكمة التركية، إذن، في إعادة تأكيد هيمنتها من خلال الثورة السلبية التي كانت خلال العقد الماضي: إذ نجحت في استيعاب وإبطال حركية برجوازية الأقاليم والأرياف والجماعات المتدينة، مع الحفاظ على تحكمها. وقد كان حزب العدالة والتنمية المؤسَّس حديثاً، إذ كان عمره أقل من عامين حين فاز بأكثريته المطلقة، الأداة الرئيسية لعملية ‘استعادة الثورة’ هذه. كان قادة الحزب قد استوعبوا جوانب من الانتفاضة الإسلامية الراديكالية في ثمانينيات القرن الماضي، أضافوا إليها زخم قطاع كبار رجال الأعمال، البنتاغون، وفهماً عميقاً لموجة التدين العالمية الجديدة. ما مدى قابلية هذا الأنموذج للتصدير؟ في 2006 أعلنت منظمة حماس أنها ستحذو حذو حزب العدالة والتنمية حين تصل إلى الإمساك بزمام السلطة الفلسطينية(3). غير أن هيمنة حزب العدالة والتنمية الراهنة، مستندة، كما رأينا، إلى تمفصل خاص جداً بين قوى طبقية نشيطة من جهة، بُنى رسمية فاعلة من جهة ثانية، وتقاليد ثقافية راسخة من جهة ثالثة. وبصرف النظر عن مدى الرغبة الشديدة لدى قادة إسلاميين آخرين من الشرق الأوسط في تقليد الأنموذج الأردوغاني، فإن ما يبقى مجهولاً هو مدى قابلية تكرار الطبعة التركية من الأمركة المؤسلمة بسهولة في الأمكنة الأخرى.

الهوامش:

1 – ميمت متينير، ‘طيب أردوغان من الأمس إلى اليوم’ (باللغة التركية)، راديكال (جريدة تركية يومية)، 6/7/2003.

2 – تحميل الفقراء مسؤولية فقرهم بُعْد آخر من أبعاد أمركة حزب العدالة والتنمية، ومن انفصاله عن الإسلام التقليدي الذي يرى الفقر قَدَراً، كما عن الحركة الإسلامية الكفاحية التي تحيل المسؤولية عن الوضع البائس للفقراء على النظام الرأسمالي العلماني.

3 – ‘أنقرة تحذر حماس: انبذوا العنف وفاوضوا!’ (باللغة التركية)، الزمان (جريدة يومية تركية)، 17/2/2006؛ ‘حَذَوْنا حذو حزب العدالة والتنمية عند تأليف الحكومة’، تمبو، 23/3/2006.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق