إسلاميو الناتو(2/1)

إنّ حشد التوترات الدائبة راهناً على خضّ منطقة الشرق الأوسط ــ حشد التوترات والأزمات المتمثلة في الهجمة العسكرية الغربية، والمقاومة الإسلامية، والفوضى الاقتصادية، والطفرة السكانية ــ قد أخذ شكلاً مؤمركاً على نحو استثنائيّ في تركيا.(1) فجمهورية كمال أتاتورك العلمانية، تلك القلعة الصادمة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) منذ زمن طويل، باتت خاضعة الآن لحكم أناس مدمنين على الصلاة، لحكم حزب العدالة والتنمية (الايه كي بي AKP) بزعامة رجب طيب أردوغان، وهو التجسيد الأخير لحركة إسلامية طالما كانت محظورة. يتمتّع هذا الحزب بأكثرية 60 بالمائة في البرلمان المعروف باسم المجلس، ما مكّنه من تشكيل حكومة غير ائتلافية في أنقرة للمرّة الأولى منذ خمسة عشر عاماً. ولعلّ رئيس الوزراء أردوغان بالذات مرشّح محتمل لرئاسة الجمهورية لفترة سبع سنوات بفضل تشريعات المجلس في ظلّ ديمقراطية الجمهورية الفضائحية البعيدة عن الصفة التمثيلية. من المتوقّع ربما، أن تكون حكومة أردوغان، رغم أنها وصلت إلى الحكم بأصوات الفقراء ــ ولاسيما الشباب من البروليتاريا غير الرسمية المتزاحمة في المدن التركية الآن ــ عاطفة على تقليص الإنفاق الحكومي بهدف تحقيق فائض مالي يصل إلى 6 بالمائة من إجمالي الناتج القومي في العام القادم. ورغم أنّها تعلن التضامن مع العالم الإسلامي، فإنّ هذه الحكومة أرسلت قوّات تركية للالتحاق بالقوّة الدولية المتمركزة في جنوب لبنان، ولم تمتنع عن إرسال قوات مماثلة إلى العراق إلا نتيجة مناشدات رئيس جمهورية العراق الكردي، جلال الطالباني، الملحّة. ومع ذلك فإنّ كثيرين يتوقّعون أن يفوز حزب العدالة والتنمية في انتخابات خريف 2007، وقد نجح، إلى حدٍّ كبير، في الحفاظ على التأييد لدى رأسماليي الأطراف والمناطق، لدى الفئات البرجوازية الصغيرة المتدينة، لدى الفقراء ممن انتقلوا حديثاً إلى المدن، لدى قطاعات واسعة من الأجهزة الأمنية، ولدى جزء كبير من الفئات المثقفة (الانتلجنسيا) الليبرالية، ذات الميول اليسارية.

* * *

لالتقاط الطابع الشاذّ للتغييرات الحاصلة في تركيا، من الضروريّ أوّلاً أن تتمّ معاينة المعنى الاستثنائي الخاص الذي ظلت “العلمانية” (اللاييكية) تنطوي عليه في الدولة الكمالية أو الأتاتوركية. خلال الفترة الممتدة بين عامي 1919 و1923، حيث كانت الإمبراطورية العثمانية المهزومة مقسمة فعلاً بين قوى الوفاق، دأبت حروب تأسيس الجمهورية التركية التي خاضتها قوات أتاتورك على مناشدة لا “حلم” تحرير وطن الآباء والأجداد والحرية وحسب، بل والواجب الإسلامي المتمثل بضرورة مقاومة احتلال الكفار. وقد كان تحقيق التجانس الديني عنصراً مهماً من عناصر الوحدة الوطنية ــ القومية، مع ولادة الجمهورية جراء طرد الروم الأرثوذكس استكمالاً لمذابح الأرمن التي تمت في 1915. من الواضح أن المسألة بقيت محصورة بالعلاقة بين الدين والدولة. وبهذا المعنى فإنّ العلمنة، بوصفها عملية بسط لتحكّم الدولة على الدين، كانت أحد مشروعات إصلاحات التنظيمات العائدة إلى القرن التاسع عشر. ففي 1924 حرص دستور تأسيس الجمهورية على إبقاء الإسلام ديناً للدولة، رغم المبادرة إلى إلغاء الخلافة، والطربوش، والمحاكم والمعاهد الشرعية، وما إليها، إضافة إلى اعتماد الأحرف اللاتينية والشرائع الحقوقية الغربية؛ وتم حذف هذه المادة من الدستور في 1928، ليتمّ تدشين العلمنة رسمياً بوصفها أحد المبادئ الستة المدرجة عام 1931 في برنامج حزب الشعب الجمهوري الكمالي، وجرى إدخالها، أخيراً، في نص الدستور عام 1937.

* * *

حسب وجهة النظر الرسمية، وهي معروضة من قبل عدد كبير من الباحثين الغربيين، تشكّل مبادرات 1924 – 1925 التحديثية برهاناً قاطعاً على تجريد الدين في تركيا من صفته المؤسسية(2). فمع إبعاد الإسلام عن سائر المجالات العامة الرسمية لن تلبث القطاعات السكانية المتديّنة أن تسارع، كما يقول أصحاب وجهة النظر تلك، إلى التكيّف مع الواقع السائد وصولاً إلى أن تصبح معلمنة كلياً. غير أنّ آخرين يؤكّدون أنّ الدولة التركية نجحت في التحكّم بالإسلام وتحويله إلى مؤسّسة بدلاً من تجريده من الصفة المؤسّسية(3). وهكذا فإنّ المديرية العامّة للشؤون الدينية (غير المنتخبة) تحتكر سلطة تعيين الخطباء (الوعاظ) والأئمة في طول البلاد وعرضها وتتحكم بتوزيع الخطب والمواعظ. وتبعاً لهذا الرأي فإنّ هناك استمرارية واضحة بين الجمهورية التركية والنظام العثماني، حيث كانت الدولة والعقيدة الدينية عميقتي التداخل والتشابك.

بيد أنّه من الممكن القول إنّ العولمة التركية، تبقى في أحسن أحوالها، عملية صراع متواصل حول طبيعة وتطوير نوع من أنواع “الإسلام الرسمي” المتميز بميزة القدرة على التوظيف العام للدين في خدمة التماسك والتلاحم على الصعيد الوطني ــ القوي. بدلاً من العمل على إعادة إنتاج نوع من أنواع المنطق الكوني (أو العثماني) الشامل، تم التعويل على الاستمرار في إعادة صوغ مشروع العلمنة، مع بقاء حصائل العملية (غير المقصودة جزئياً) نتيجة سلسلة من تدخلات قوى اجتماعية مختلفة. وهذه السيرورة ظلت منطوية على جملة من النزاعات والصراعات داخل كتلة السلطة الحاكمة الخارجة من رحم إصلاحات الفترة الأخيرة من حياة السلطنة العثمانية وسنوات الجمهورية الأولى من ناحية، ومع الشرائح الاجتماعية المستبعدة من ناحية ثانية. منذ ثلاثينات القرن العشرين بقيت القطاعات المهيمنة في كتلة السلطة ــ وهي قطاعات القيادة العسكرية، الفئات الداعية إلى التحديث في الجهاز البيروقراطي المدني، برجوازية صناعية متمتعة بالرعاية والحماية الرسميتين، وانتلجنسيا ذات توجهات غربية ــ مؤيدة لاعتماد قدر معين من الإقصاء السلطوي للدين عن المجال العام. أما القطاعات التابعة للكتلة المهيمنة ــ وهي قطاعات العناصر المحافظة من الجهاز البيروقراطي والطبقة الوسطى المهنية ــ فقد ظلت أميل إلى تأييد فكرة ترك مجال أوسع للإسلام، وإن مع إبقائه تحت التحكم “العلماني”. وقد كانت هذه القطاعات التابعة قادرة أيضاً على تعبئة شرائح شعبية أوسع من العمال والفلاحين والحرفيين والعاطلين عن العمل، وصغار المبادرين في أقاليم الأطراف، والموظفين، ضد الكتلة المهيمنة وكثيراً ما نجحت في انتزاع التنازلات من هذه الكتلة(4). وفي الوقت نفسه نجحت التجمعات الدينية نفسها، جنباً إلى جنب مع عددٍ كبيرٍ من الجمعيات والروابط الإسلامية شبه السرية، رغم تعرضها للإقصاء عن معادلة السلطة، في تنظيم أشكال قوية تماماً من المقاومة السلبية أو الإيجابية حول قضايا معينة مثل قضية التعليم.

* * *

وفي الوقت نفسه، مرة أخرى، كانت هذه النضالات الرامية إلى تحديد مسار عملية العلمنة تتحدد، هي نفسها، ولو جزئياً بالسمات الخاصة المميزة للتنمية الاجتماعية ــ الاقتصادية في تركيا. فالبرجوازية التجارية اليونانية والأرمنية بأكثريتها الساحقة الموروثة عن الحقبة العثمانية كانت قد صُفيت تصفية شبه كاملة عن طريق الحرب، تبادل السكان، والمذابح(5). الأكثرية الساحقة من الأتراك ــ نسبة تزيد على 70 بالمائة ــ كانت من صغار الفلاحين المبعثرين على أعداد هائلة من القرى شبه المكتفية ذاتياً. وقد أدى هذا الوضع إلى إبقاء الجيش والجهاز البيروقراطي المدني القوتين المنظمتين الوحيدتين القادرتين على الاضطلاع بمهام الهندسة الاجتماعية للدولة والأمة الجديدتين. وعلى نحو حتمي حاولتا ضمان جعل صناعات إنتاج السلع المستوردة التي أوجدتاها في خدمة المصلحة القوية ــ الوطنية، بالدرجة الأولى. وتحقيقاً لهذه الغاية جرى منح كل من الصناعيين والعمال ضروباً مختلفة من الحماية الرسمية، اشتملت بالنسبة إلى الفريق الثاني، العمال، على الضمان الاجتماعي والصفقات الجماعية وتأسيس النقابات وحقّ الإضراب. والبرجوازية الصناعية، وهي المحميّة بدعم الدولة القويّ من المنافسة الداخلية والخارجية، تحمّلت هذه التنازلات بمقدار ما كانت عوامل تعزيز لسيرورة تطور سوق داخلية(6). غير أن طبقة عاملة منظمة ذاتياً ما لبثت مع أواخر ستينات القرن العشرين أن باتت تضاعف من تهديدها بالانعتاق عن وصاية الدولة. تمكّن حزب العمال التركي من الفوز بخمسة عشر مقعداً برلمانياً في انتخابات عام 1965. (7) إضرابات عمال المناجم واسعة النطاق أفضت إلى حدوث انشقاق في اتحاد تورك ــ ايش العمالي الخاضع لرعاية الدولة، وصولاً إلى تأسيس اتحاد النقابات العمالية الثورية المعروف باسم ديسك. مع تنامي قوة اليسار في سبعينات القرن العشرين، عمدت الدولة إلى دعم كل من غلاة القوميين اليمينيين المتشددين والجماعات الإسلامية من أجل الوقوف في وجه اليسار. أخيراً، أقدم انقلاب عسكري دُبّر في 1980 على وضع حدّ للحركة اليسارية الكفاحية خلال ثلاث سنوات من إرهاب الدولة، سنوات كانت شاهداً على سلسلة طويلة من الإعدامات وعمليات التعذيب والاعتقالات التي أحدثت تغييراً دائماً في المشهد السياسي الذي جرى قلبه رأساً على عقب.

* * *

{{ تجذير الإسلام}}

كان من شأن انقلاب 1980 العسكري أيضاً إحداث نوع من أنواع مناقلة أدوات التوجيه بين الدين، الطبقة، والسلطة. خلال أوائل سبعينات القرن العشرين كانت الحركات السياسية الإسلامية، في المقام الأول، ملاذ المبادرين الصغار في قصبات الأقاليم والأطراف، في حالة مقاومة دفاعية لخطط الدولة الصناعية، لكفاحية العمال المتعاظمة، ولعملية الغربنة أو التغرب المتسارعة(8). إنّ امتناع تنظيمات وأحزاب البيزنس الراسخة عن تلبية مطالب المشروعات الصغيرة المهددة بالانقراض في اقتصاد قائم على تصنيع السلع المستوردة، هو الذي دفع رئيس اتحاد الغرف الصناعية السابق نجم الدين أربكان إلى تأسيس حزب النظام القومي (الام ان بي) في 1970. (9) وجنباً إلى جنب مع الدفاع عن المصالح الاقتصادية لرجال الأعمال والتجار في الأقاليم، حاول الحزب أيضاً أن يخاطب مشاعر أولئك الدينية وأن يعزف على عدم تحبيذهم للثقافة الغربية الاستهلاكية. نجح هذا الموقف في كسب الدعم من جهور الفلاحين والمزارعين والحرفيين المحافظ، هذا الجمهور الذي انجذب أيضاً إلى برنامج التنمية الاقتصادية الأقرب إلى الإيجاز التخطيطي القائم على المشروع الخاص المملوك مشاعياً والخاضع لحماية الدولة وتنظيمها. بعد تعرض الحزب للحظر من قبل الجيش في 1971، تمت إعادة تأسيسه في 1972 تحت اسم حزب الخلاص القومي (الام اس بي)، دون أيّ تغيير ذي شأن في برنامجه.(10)

* * *

تمثل مكتسب حزب الخلاص القومي الأبرز خلال سنوات عقد السبعينات بهامش الحرية الواسع لعمل المعاهد الشرعية المتخصصة بتخريج خطباء الجوامع وأئمتها في البلاد، هذه المعاهد التي سيوفّر خريجوها ناشطي الحركة الإسلامية وقادتها الرئيسيين في العقود التالية. كانت المعاهد آنفة الذكر تتولى رسمياً مهمة إعداد الخطباء والأئمة لسائر جوامع البلاد، ونظراً لأن الطلاب لم يكونوا قادرين على ممارسة شعائر الإسلام في المدارس العامة النظامية، فقد كان يتم أيضاً اجتذاب المنتسبين من عائلات متدينة غير راغبة بالضرورة في أن يصبح أولادها خطباء وأئمة جوامع. مع مرور الزمن بات أبناء هذا الجيل من خريجي المعاهد الشرعية يشغلون مواقع عامة مهمة، مؤلفين طبقة وسطى دينية قادرة على التنافس مع الانتلجنسيا العلمانية في مختلف الميادين الاقتصادية، والثقافية، والسياسية. وفي بلد كان الناس قد درجوا فيه على وضع إشارة المساواة بين عبارتي “مثقفاً” و”يساري”، كان من شأن انبثاق هذه الانتلجنسيا الإسلامية الصريحة الجديدة أن يشكل عاملاً مهماً من عوامل بناء الحركة الإسلامية بوصفها أحد البدائل المهيمنة.

* * *

جاءت ثورة 1979 الإيرانية وشكلت نقطة انعطاف بالنسبة إلى الحركة الإسلامية. فهذه الانتفاضة الجماهيرية، التي أطاحت بواحد من أكثر الأنظمة القمعية تمتعاً بدعم الغرب في المنطقة، رآها مسلمون كثيرون دحضاً للقناعة المألوفة القائمة بوصم الإسلام بالخنوع، وإعادة تحديد للسياسة الإسلامية بوصفها سياسة نضال ثوريّ يخوضه المستضعفون ــ المظلومون. كانت تلك رسالة نفخت الروح في أوساط الشبيبة العاملة المفقّرة المتدفّقة أنهاراً على المدن بحثاً عن فرض العمل. وفي ظلّ ظروف الانعدام المتعاظم للتكافؤ والمساواة، كان اليسار مغيّباً سياسياً وإيديولوجيا بعد طغيان 1980 للنظام الدكتاتوري العسكري. أهالي أحزمة البؤس، وهم من إفرازات الفترة الليبرالية الجديدة، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة استهلاك المدينة المفرط دون أن يكونوا قادرين على المشاركة فيه، لم يكونوا قادرين على التطلع إلى خيار الثورة الاجتماعية الذي كان قد عبّأ أجيالاً سابقة، ولا إلى فرص الالتحاق بركب طبقة عمالية صناعية متوسعة. في مثل هذه الأجواء كانت حركة إسلامية كفاحية، جذرية اجتماعية قادرة على تقديم الكثير من الوعود. تكاثرت الحلول الدينية لملء الفراغ السياسي الحاصل، مع قيام العمل الخيري القائم على الإيمان بالتعويض عن نظام الضمان الاجتماعي المشلول. تعرّض حزب الخلاص القومي للحظر من قبل الجيش في 1980. وحين تمّ السماح للأحزاب بالتنظيم من جديد في 1983، جاء حزب أربكان الذي حمل اسم حزب الرفاه مجسداً لهذه النزعة الإسلامية المعدلة. هذا وقد كان حزب الرفاه صريحاً جداً في تأييده للقضية الكردية، واعداً بالاعتراف بكل من اللغة والثقافة الكرديتين؛ ما أدّى إلى إكساب الحزب دعماً ذا شأن لا في جنوب ـ شرق البلاد وحسب، بل وبين صفوف الأعداد الهائلة من المهاجرين الأكراد في المدن الوسطى والغربية.

* * *

{{
أولى التحركات على طريق الثورة السلبية}}

كان انقلاب 1980 نقطة انعطاف في خط علاقات الدولة بالإسلام. فالطغمة الحاكمة التي قامت بسحق اليسار وما كان يشكله من تحدّ، بادرت أيضاً إلى انفتاح محكم الضبط على الجماعات الإسلامية. تم إدخال الدراسات الإسلامية بوصفها مادة من مواد المنهاج القومي للتعليم، في حين تعرضت النظريات العلمية مثل نظرية التطور للاختزال. ثمة جمعيات وروابط دينية كانت شبه سرية باتت متزايدة العلنية في ظل حماية الدولة. في دستور 1982 الذي تم صوغه للطغمة جاء تعريف “الانتماء التركي” متضمناً إشارات غير مسبوقة إلى الإسلام(11). يمكن النظر إلى هذه التنازلات بوصفها محاولة لاحتواء تأثير الثورة الإيرانية والنزعة الإسلامية الجذرية اجتماعياً وتبديده عن طريق اعتماد “ثورة سلبية” في الداخل، بالمعنى الغرامشي الكلاسيكي ــ بمعنى امتصاص المطالب الشعبية (المحتملة أو الفعلية) من قبل أنظمة الثورة المضادة، أسلوباً أنموذجياً من أساليب الرد على الثورة في الخارج. أما الوجه الآخر لهذه العملية فتمثلت بالعمل على تفريق صفوف القوى الثورية المحتملة. فمثل هذه العملية التي أوردها غرامشي في سياق ردود ما بعد 1815 الأوروبية على الثورة الفرنسية نجحت في إبقاء أنظمة الطبقات الحاكمة حيث هي مع قيامها في الوقت نفسه بالإرضاء الجزئي للقطاعات الشعبية(12). فخلال سني الحكم الدكتاتوري العسكري من 1980 إلى 1983، أقدم النظام التركي بالمثل على اتخاذ بعض الخطوات على طريق تلبية المطالب الإسلامية مع العمل في الوقت نفسه على نزع فتيل الطاقات التمردية لدى الحركات الإسلامية. غير أن هذه التغييرات ما لبثت، رغم أنها كانت هادفة إلى تعزيز العلمانية لا إلى تقويضها، أن مهدت الطريق للمزيد من الصراع، إذ أدت إلى مضاعفة وزن القطاعات المتدينة في دولة تدعي أنها علمانية.

* * *

وفي الوقت نفسه، ساهمت جملة الإصلاحات الهيكلية التي اعتمدت في ظل الحكم الدكتاتوري في توسيع الهوة بين المداخيل وزيادة التحلل الاجتماعي، هاتان الآفتان التي بدا الإسلامي الراديكالي علاجاً لهما. في أعوام السبعينات كانت المحاولات الرامية إلى إعادة بناء الأنموذج التنموي الزاخر بالأزمات مثقلاً بالطابع الزبائني المتجذر للسياسية الانتخابية والمستويات العليا من الحركية العمالية(13). جاء انقلاب 1980 العسكري ليوفّر مخرجاً من هذا المأزق، عن طريق تهميش الأولى (السياسة الانتخابية) وقمع الثانية (الحركة العمالية) بالقوة، جاعلاً الإصلاح الليبرالي الجديد ممكناً. فبعد سحق المعارضة، حظر الإضرابات وحلّ الأحزاب السياسية واعتقال الحركيين النشطاء، بات خفض مستويات الأجور وفرض التقشف المالي من الأمور الممكنة. أدى تقليص الدعم الزراعي إلى زيادة حدة الأزمة في القرى فتسارعت وتيرة الهجرة الجماعية إلى مدن عاكفة على خلع أثوابها الصناعية. وفي الوقت نفسه جرى تطهير الأجهزة الأمنية من عناصرها اليسارية الوازنة، لإحلال عناصر قومية ــ شوفينية وإسلامية متشددة محلها.

* * *

بعد عام 1983، كان حزب الرفاه الأربكاني أوّل المستفيدين من هذه الإصلاحات؛ غير أنّ الإسلاميين أنفسهم ظلوا منقسمين ومعرّضين لضغوط طبقية متناقضة(14). فمبادرو الأقاليم والأطراف الذين كانوا القوة المحركة للحزب في سبعينات القرن العشرين لم يعودوا في مواقع دفاعية، إذ أن الأسواق الكوكبية المتسعة والعمالة الرخيصة والمرونة في الإنتاج كانت قد حوّلت الشركات الصغيرة والمتوسطة ذوات التوجهات التصديرية إلى “نمور أناضولية” ناشئة. إلا أن قاعدة الحزب كانت تضم عمال هذه الشركات نفسها. فبيان حزب الرفاه البرنامجي لعالم 1991، برنامج “النظام العادل”، جاء عاكساً لهذه التناقضات. ومع أن البرنامج تضمن تأكيداً لفضائل المشروع الخاص، فإن عبارات مؤيدة لحقوق العمال والعدالة الاجتماعية كانت طاغية. ففي أيّ نظام إسلامي “عادل” كان من شأن ممثلي العمال أن يضطلعوا بدور حاسم، من شأن العمالة الكاملة أن يكون مضمون، ومن شأن الأجور أن تتحدد عموماً من قبل الدولة(15).

* * *

غير أن البرنامج ما لبث، رغم نجاحه انتخابياً ــ إذ زادت نسبة أصوات الإسلاميين من 8 بالمائة في 1987 إلى 16 بالمائة في 1991 ــ، أن تعرّض إلى هجوم جناح رجال الأعمال في الحزب. فهؤلاء المبادرون كانوا بحاجة إلى التميز عن شديدي الفقر لكسب المشروعية بنظر كتلة السلطة الحاكمة: زادوا من ضغطهم على حزب الرفاه لدفعه إلى التخفف من وعوده المتعلقة بالعدالة الاجتماعية، وتعاملوا بوحشية مع المضربين، وأعلنوا الاتحادات العمالية منظمات منافية للإسلام. ثمة شريحة جديدة من مهنيي الطبقة الوسطى الإسلامية عبرت أيضاً عن عدم اقتناعها بتوجه الحركة العمالي، وكانت أكثر تعاطفاً مع الخطط والسياسات الملائمة للأعمال. وفي 1994، أصدر حزب الرفاه برنامجاً آخر أعلن فيه أن “النظام العادل هو النظام المؤيد فعلاً للقطاع الخاص”. باتت مهمات الدولة في البرنامج الجديد مقيدة ولن تكون ثمة أي إضرابات أو اعتصامات في ظل النظام الإسلامي، لأن الحاجة لن تعود تدعو إلى مثل هذه التدابير(16).

* * *

{{ يا له من مستنقع علماني!}}

ومع كل ذلك ظل الإسلاميون، رغم انجرافهم نحو اليمين، يبدون بديلاً نظيفاً لفساد أحزاب التيار الرئيسي وانعدام كفاءتها خلال سنوات التسعينات. لقد وصف تشاغلار كيدر تعرّض الاقتصاد التركي على امتداد العقد لسلسلة متعاقبة من الصفقات المالية ــ في 1994، 1999، و2001 ــ عبر تلقي شريط من الإفلاسات، القروض، ألاعيب الاحتيال، موجات التضخم، والأزمات المالية التي تطلبت جرعات الاعتمادات المتواصلة من جانب صندوق النقد الدولي(17). سياسياً، كان عقد التسعينات شاهداً على سلسلة من الحكومات الائتلافية قصيرة العمر، من الحكومات ذوات السياستين الخارجية والداخلية من إملاءات مجلس الأمن القومي المفروض بموجب دستور 1982. إن أحزاب التيار الرئيسي، الكمالية منها أو يمين الوسط على حدٍّ سواء، أثبتت عجزها عن الاحتجاج على المظالم الناتجة عن اللبرلة الجديدة من ناحية أو عن التخفيف من وطأة هذه المظالم من ناحية ثانية؛ كما أثبتت أنها غير قادرة على توفير أي هوية إيديولوجية متماسكة مؤهلة للحلول محل الأنموذج التنموي القومي ــ الوطني العلماني (الذي بات الآن موضوعاً لقدرٍ كبير من التشويه والمساومة).

* * *

زادت المظالم الاجتماعية سواءً جراء برامج الحكومات المتعاقبة القائمة على التقشف المالي، وجراء الأعمال الوحشية والحرمان التي تعرض لها الأكراد. فالحكم العسكري الذي أوقف في الأماكن الأخرى عام 1983، لم يزد في الأجزاء الجنوبية ــ الشرقية من البلاد، حيث الحرب ضد حزب العمال الكردستاني (البي كي كي) ستحصد أرواح ثلاثين ألفاً من الأشخاص، إلا حدة وضراوة. وقيام مجلس الأمن الدولي بفرض منطقة حظر جوي في شمال العراق بعد 1991 أفضى بالضرورة إلى إثارة مسألة معاملة الكتلة السكانية الكردية الأكبر بما لا يقاس في تركيا. بعيد ذلك سارع رئيس الجمهورية أوزال إلى الدخول في مفاوضات سرية مع حزب العمال الكردستاني (البي كي كي)، عارضاً رفع الحظر عن اللغة الكردية، وما لبث البي كي كي أن أقدم في 1993 على إعلان لوقف إطلاق النار. غير أن هذا التقارب تمخّض عن إفساد العلاقات بين حزب الوطن الأم (الايه ان ايه بي) والجيش. فقد أوزال سيطرته على الحزب الذي كان وزنه الانتخابي قد تقلص باطراد منذ عام 1991. وبعد موته في 1993 عاد حزب الايه ان ايه بي وانزلق إلى موقع الصمت التقليدي بشأن القضية الكردية، مع محافظته على سياساته المؤيدة على نحوٍ صارخ للأغنياء.

* * *

قامت الحكومة الائتلافية الجديدة لحزبي الاجتماعي الديمقراطي الشعبوي والطريق القويم من يمين الوسط بزيادة عمق عملية اللبرلة الجديدة عبر إصلاحاتها الاقتصادية التي اعتمدتها في نيسان/أبريل 1994. لم يفعل الاجتماعيون الديمقراطيون شيئاً لوضع حد للنظام القائم على الاستخبارات الأمنية، على التعذيب والسجون، هذا النظام الأخطبوطي الذي كان قد تعاظم بعد انقلاب 1980. كذلك أخفق هؤلاء الاجتماعيون الديمقراطيون في الدفاع عن النواب الأكراد الذين كانوا قد انتخبوا على قوائم الحزب الاجتماعي الديمقراطي للالتفاف على حاجز نسبة الـ 10 بالمائة (وهو حاجز أوجده دستور 1982 تحديد للحيلولة دون تمثيل الأحزاب الكردية وغير المنضوية تحت عباءة المؤسسة القائمة). ثم طرد النواب الأكراد من المجلس بعد تجرؤهم على إعلان هويتهم العرقية صراحة في 1994، وعدد منهم أمضى الأعوام الباقية من العقد في السجن. إن سلبية الحزب الاجتماعي الديمقراطي إزاء هذه المحنة الدرامية أدّت إلى إفقاده الأصوات الانتخابية الكردية، فيما ساهمت فضائح فساده على المستوى البلدي في تدمير صدقية اليسار الإصلاحي في تركيا. ثمة أيضاً سبب آخر كامن وراء التهميش النهائي للحزب الاجتماعي الديمقراطي ألا وهو تقهقره إلى المواقف العلمانوية الجامدة لحزب الشعب الجمهوري القديم، في وقت باتت فيه الهوية الإسلامية مؤكدة على نطاق أوسع. وكان هذا يعني أيضاً انتقال قاعدة يسار الوسط من ائتلاف يضم الطبقتين العاملة والوسطى إلى قاعدة قائمة على مهنيين علمانيين، نخبة بيروقراطية، وأرستقراطية عمالية. خلال عقد تسعينات القرن العشرين، راحت الكتل المتعاظمة من العمال غير الرسميين (كادحي اقتصاد الظل والاقتصادات الهامشية غير الرسمية) تنفض أيديها من يسار الوسط، مع فقدان يمين الوسط جزءاً من قاعدته المؤلفة شرائح الأعمال التقليدية الصغيرة والمتوسطة. هذه هي الطبقات التي كانت ستضاعف من وتيرة تحولها إلى قوى إسلامية.

* * *

{{ أسلمة المجالس البلدية:}}

رغم أزماتهم الداخلية نجح الإسلاميون في الفوز بقصب السبق في انتخابات 1994 البلدية، إذ تمكنوا من الاستيلاء على أكثرية المدن الرئيسية. نجحت البلديات الإسلامية في تقديم قدر أكبر من الخدمات للأحياء الأفقر وفي توزيع كميات من الفحم والغذاء والألبسة مجاناً على أهالي هذه الأحياء. وجنباً إلى جنب مع هذا النجاح جرى فرض قيود أكثر تشدداً على البارات كما على معدلات استهلاك الكحول، إضافة إلى تخصيص مكان أوسع للرموز الإسلامية والتقليدية في الفضاء العام(18). وعلى النقيض من أكثرية الساسة الأتراك، الموحدين عبر خطوطهم الحزبية على صعيد السعي إلى السطو على غنائم الخصخصة، فإن الزخم الإيديولوجي لحزب الرفاه كان قد مكنه من البقاء في منأى عن أجواء ما بعد 1980 الملوثة؛ فمن خلال مجرد وضع حد لظاهرة الفساد في البلديات، نجح الإسلاميون في تحقيق تحسن ملحوظ في نوعية الخدمات المدينية.

* * *

برز حزب الرفاه بوصفه القوة الأكبر في انتخابات 1995 العامة بالاستناد، في المقام الأول، إلى إنجازاته على صعيد الإدارة المحلية. وبعد أشهر من المقاومة من جانب المؤسسة العلمانية، تمكن أربكان من تشكيل حكومة ائتلافية مع حزب الطريق القويم. ومن أولى تحركاته أقدم الائتلاف ذو القيادة الإسلامية على اعتماد الزيادات الأعلى للأجور منذ عام 1980 وعلى السعي لتحديد الأرباح على الفوائد. في البلديات راح حزب الرفاه ينظم مناسبات جيدة الترويج بقصد إبراز تعاطفه مع النضال الفلسطيني كما مع القضايا الإسلامية. بداية أطلق أربكان إشارات دالة على اعتزام السير نحو “ديمقراطية كوكبية” قائمة على تعاون الدول (الأمم) الإسلامية تحت القيادة التركية(19). غير أنه سرعان ما أذعن لضغوط الجيش التركي مبادراً حتى إلى توقيع اتفاقية تعاون عسكري تاريخية مع إسرائيل.

* * *

وبالفعل فإن حزب الرفاه بدا ضائعاً، فاقداً للاتجاه، بعد أن وصل إلى السلطة. فبدلاً من توظيف السلطة الحكومية لمكافحة الفساد، وفّر غطاء لشريكه في الائتلاف حزب الطريق القويم، هذا الحزب الغارق حتى الأذنين في مستنقعات الابتزاز على الصعيدين السياسي والاقتصادي، وسرعان ما بدأ يُبْدي أعراض المرض نفسه في صفوفه هو بالذات. كذلك راحت الجمعيات والمنظمات الدينية تخفف من زخم الحملات مع مبادرة سائر الأطراف إلى التوجه نحو جني ثمار السلطة والمنصب. بدا الإسلاميون عازمين على الانخراط في النظام الليبرالي الجديد. غير أنه حتى هذه الراديكالية التي باتت الآن مكتومة لدى حزب الرفاه، كانت، مع ذلك، تثير حفيظة الكتلة الحاكمة التقليدية. راح أربكان يكثر من الكلام عن الحاجة إلى افتتاح المزيد من معاهد تخريج الخطباء والأئمة، ذلك البعبع الاستثنائي بنظر قادة المؤسسة العسكرية العلمانية، وأقام حفل عشاء في رئاسة الوزارة استضاف فيه شيوخاً بارزين. ومثل هذا اللقاء كان الأوّل في تاريخ الجمهورية، وقد فسره المتشددون اعترافاً رسمياً بالطرق الدينية التي كانت قد حُظرت منذ الإصلاحات الكمالية (الأتاتوركية) الأولى.

* * *

تلك كانت هي الأسس التي انطلق منها الجيش ليقدم، مرة أخرى، في شباط/فبراير 1997، على التدخل في الحياة السياسية التركية، مطالباً حكومة أربكان بتقييد معاهد تخريج الخطباء والأئمة، برفع سنوات التعليم العلماني الإلزامي من خمس إلى ثمان سنوات، وبفرض الرقابة على الطرق الدينية. أثبت حزب الرفاه أنه أشد انقساماً من أن يتمكن من التصدي الفعال، فاستقالت الحكومة. تقدم الجنرالات خطوة وحلوا الحزب، فرضوا الحظر على نشاط أربكان السياسي، وأطلقوا موجة جديدة من حملات التعذيب والقمع، وإن لم تصل إلى مستوى نظيرتها في الثمانينات. عند هذا المنعطف، أيضاً، قام الجيش بحملة تطهير شاملة لصفوفه من الإسلاميين. غير أن اللافت، مع ذلك، أن القوات الأمنية ــ وهي الفضائحية جداً في مجالات القمع والوحشية ــ لم تتعرض لأي قدر موازٍ من عملية إعادة التنظيم.

* * *

{{
تيارات كوكبية:}}

بعد أزمة 1997 – 1998، أعادة الإسلاميون تجميع صفوفهم بداية في حزب الفضيلة، الذي ظل أيضاً خاضعاً للرقابة المتشددة من جانب السلطات. غير أنهم كانوا الآن يستطيعون أن يتطلعوا إلى كسب بعض الدعم الخارجي من الاتحاد الأوروبي، الذي كان عاكفاً، في هذه المرحلة، على تحويل شبكات واسعة من منظمات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني غير الحكومية في تركيا؛ وكان البدل سيحصل على وضعية الترشيح للعضوية في كانون الأول/ديسمبر، 1999. (20) عمد الإسلاميون إلى التخفيف من نقدهم للمؤسسة، غير أنهم تجرؤوا في الوقت نفسه على المغامرة بترشيح امرأة ملتزمة بغطاء الرأس الإسلامي للنيابة في البرلمان. حظر غطاء الرأس هذا في المباني الرسمية كان ركناً من أركان العلمنة التركية، ورغم أنّ حزب الرفاه كان قد كرر التلميح إلى ضرورة إلغاء هذا الحظر، فإنه لم يكن قد تجرأ قط على اتخاذ مثل هذه الخطوة وهو في السلطة. أما الآن فإن أساتذة التنظير عنده راحوا يضعون الحجاب في خانة حقوق الإنسان، بدلاً من عده واجباً دينياً، متوقعين مبادرة الاتحاد الأوروبي إلى التدخل لمصلحتهم. على المدى القصير، ارتدت تكتيكاتهم عليهم، إذ تمخضت عن نتائج معكوسة. تعين على مروة قاواقجي، تلك النائبة المحجبة، أن تغادر المجلس قبل أن تؤدي قسم العضوية، نظراً لأن أحزاب المؤسسة العلمانية نسيت صراعاتها القديمة لتتوحد في شجب “المتطفلة” شجباً عنيفاً.(21)

* * *

بيد أن الشروط والظروف المناسبة لتحقق مرحلة ثانية من ثورة تركيا السلبية، من تلك الثورة السلبية القائمة على تضخيم دور الإسلام في إطار الإيديولوجيا القومية، كانت تتراكم وتتعزز، على الرغم من أن الفترة الممتدة بين عامي 1997 و2000 بدت فترة انتكاسة بالنسبة إلى الإسلاميين. داخلياً، حافظ الإسلاميون، رغم تعرضهم للإخضاع، على تأييد واسع النطاق، فيما الاقتصاد ظل يغوص أعمق فأعمق في مستنقع الديون مع قيام سلسلة الحكومات العلمانية الائتلافية المتعاقبة بتسريع وتيرة الإصلاحات الليبرالية الجديدة التي كانت قد قوطعت جزئياً في ظل حكومة الرفاه قصيرة العمر. والانهيار الذي حصل في 2001 شهد تعويماً للنقد بنسبة خميس بالمائة، وفوضى مكشوفة في صفوف قادة البلد السياسيين.

* * *

دولياً، ثمة عمليات إعادة تشكيل أكثر مدى بما لا يقاس كانت جارية على قدم وساق. فالحركة الإسلامية في تركيا كانت قد برزت في السياق الكوكبي لعقد الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن الماضي، حين كانت صيغ دولية معينة من التضامن الإسلامي قد تمخضت، برعاية جزئية من جانب أنظمة حكم إسلامية، عن رفع سقوف الآمال المعقودة على اجتراح قطب إسلامي مستقل على المسرح العالمي. غير انه بدأ يتضح، مع حلول النصف الثاني من تسعينات القرن العشرين أن النظامين الإسلاميين في إيران وأفغانستان كانا فاسدين، عديمي الكفاءة، أو قمعيين، فيما البنوك ومؤسسات التسليف والاعتماد الإسلامية كانت غارقة في بحر من الفضائح. أما حركات المقاومة الإسلامية في الجزائر، مصر، وأمكنة أخرى فقد نفّرت مؤيديها واستعدتهم إذ لاذت باستعمال العنف دون تمييز. وهذا الاستياء من الكفاحية الدينية في العالم الإسلامي ما لبثت أن اكتسب زخماً قوياً لدى إقدام واشنطن على تغيير خط سيرها. فالولايات المتحدة التي كانت مستعدة لتسليح أشرس الجماعات الإسلامية وأشهدها سُعاراً وضراوة ضد النظام الشيوعي خلال حقبة الحرب الباردة، ولدعم دول مذهبية إجرامية مثل باكستان ضياء الحق، كانت قد بدأت بين إسلام أصولي من جهة وإسلام “معتدل” من جهة أخرى. وكان الأخير، الإسلام المعتدل أو الاعتدالي، يشير إلى حركات دينية متعاونة مع الهيمنة الغربية، فيما تعرضت الصيغ الاعتراضية لنوع من أنواع إعادة التصنيف لتوضع في خانة الإرهاب.

* * *

تجلى الاستياء الكوكبي من الحركة الإسلامية الراديكالية في تركيا عبر الانعطاف نحو الاتحاد الأوروبي. راح نشطاء الحركات الدينية، الذين لم يجدوا أي دعم مطرد من العالم الإسلامي، يرون أن الاتحاد الأوروبي، بخطابه القائم على مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية، هو القادر، وحده، على إنقاذهم من نخبوية الجمهورية العلمانية وقمعها. غير أن النخب الأوروبية الغربية كانت، حاذية حذو الولايات المتحدة، مع التنبه إلى ضرورة ضبط كتلها السكانية الإسلامية الخاصة، مستعدة لتغض النظر عن نزعة الدولة التسلطية الدكتاتورية طوال بقائها مستهدفة لـ “الأصوليين”. وهكذا فإن انفتاح حزب الرفاه الأوّلي على أوروبا لم يكن مثمراً. كان سيتعين على الإسلاميين أن يبينوا للغرب وصولاً إلى إقناعه بأنهم كانوا قد نبذوا جميع شعاراتهم الراديكالية وأصبحوا مسلمين “معتدلين” أوادم.

* * *

{{
انشقاق حزب العدالة والتنمية (الايه كي بي):}}

شكل هذا التغير في ميزان القوى عاملاً حاسماً من عوامل انعطاف الإسلاميين نحو الأمركة الشاملة والكلية. وعبارة الأمركة مستخدمة هنا للدلالة ليس فقط على الدعم السياسي لواشنطن والنظام الرأسمالي الكوكبي، بل على قدر أوسع بكثير من الولاء والتبعية لجملة النماذج الأمريكية على الأصعدة الاقتصادية، الاجتماعية، والدينية. وإذا ظل الأولان من هذه الأصعدة عزيزين باستمرار على قلب نخبة المؤسسة الرسمية في تركيا، فإن من شأن الاختراق الإسلامي أن يكون كامناً في إضفاء الصفة الطبيعية على طبعة جديدة من الأصعدة الثلاثة مجتمعة بين مستويات وشرائح أوسع بما لا يقاس.

* * *

بعد أزمة 1997، حين أصبح واضحاً أن تنازلات أكبر كانت مطلوبة للفوز برضى النخبة الحاكمة، بادر جديد من الإسلاميين إلى الشروع في تحدي قيادة أربكان. في أواخر وأوائل الثمانينات والتسعينات على التوالي، ثم التعبير عن صراع الأجيال هذا كما لو كان صداماً بين راديكاليين شباب متشددين وتيار رئيسي أكثر محافظة. بعد 1997، سارع الراديكاليون إلى تبني موقف “إسلامي معتدل” قائم على مبدأ حرية السوق. وقد برز منهم كل من رجب طيب أردوغان، عبد الله غول، وبولنت آرنتش، وجميعهم متميزون عن الحرس القديم بحرفيتهم، بنجوميتهم الإعلامية، وبشدة حرصهم على الالتزام بالبرامج الموالية للأعمال. ولد الأول، أردوغان، وهو ابن أسرة هاجرت من مدينة زيره الواقعة على البحر الأسود (منطقة قريبة من جورجيا)، في استانبول عام 1957 وترعرع في حي قاسم باشا الفقير المهمل، حيث انتسب إلى إحدى المدارس الشرعية المتخصصة بتخريج الخطباء والأئمة. أكمل دراسته الجامعة وهو لاعب كرة قدم وقد استكمل رحلته الكاريزمية خلال سنوات العمل القاعدي بوصفه ناشطاً ومنظما.ً أما عبد الله غول فهو من مدينة قيصري الواقعة في وسط الأناضول وذات العلاقة الوثيقة بالأسواق الكوكبية. وُلد غول هذا في 1950، وحصل على شهادة الدكتوراه من إحدى جامعات استانبول عام 1983، وقد درس في إنجلترا. عمل خبيراً اقتصادياً في بنك التنمية الإسلامي حتى عام 1991، حين تفرّغ للسياسة. وقد وُلد بولنت آرينتش، وهو محام، عام 1948 بمدينة بورصة المحافظة في منطقة مرمرة الصناعية، وقد ظل ناشطاً في الميدان السياسي منذ أيام شبابه. مازال آرينتش على علاقة مع حزبه الإسلامي القديم، في حين يتولى غول مهمة صلة الوصل بين الإسلاميين، الأوساط الدولية للبيزنس، النخبة التركية الحاكمة، والانتلجنسيا الليبرالية. إن الجيل الجديد من المبادرين السياسيين كانوا أكثر انفتاحاً على التعاون مع الغرب بدرجات.

* * *

وهكذا فإن تحالفاً جديداً خرج من رحم معضلة 1997 التي بدت مستعصية. كان قد بات واضحاً أن التباينات الإيديولوجية والطبقية بين الإسلاميين كانت أكثر حدة من أن يتم استيعابها في إطار حزبي واحد. ثمة كانت جملة من الأزمات غير القابلة للحل بين جناح الأعمال الداعي إلى اللبرلة من ناحية والقطاعات العمالية والأكثر محافظة من ناحية ثانية. أقدم المتمردون في 2001 على تأسيس منظمتهم الخاصة، تأسيس حزب العدالة والتنمية (الايه كي بي)، بعد إخفاقهم في الاستيلاء على البنى القائمة في أحد المؤتمرات الحزبية الرئيسية. سارع أردوغان وقادة العدالة والتنمية الآخرون إلى طمأنة الجيش والمؤسسات الإعلامية مؤكدين أن الدين لن يجري توظيفه لتحقيق أغراض سياسية وأن حزب العدالة والتنمية لن يبادر إلى تحدي الحظر المفروض على غطاء الرأس. وكان هؤلاء أيضاً شديدي الصراحة في ولائهم لأوروبا. قاموا بسلسلة من الرحلات المتكررة إلى الولايات المتحدة، عاقدين جملة اجتماعات بقيت جداول أعمالها مكتومة. ومن منطلق الأمل أوضح غول في أحد لقاءاته مع الجمهور الأمريكي أن أعضاء حزب العدالة والتنمية هم النظراء الأتراك لـ “لواصب WASP”* في أمريكا. من الواضح أن القيادة الجديدة كانت تحاول استعادة مواقع يمين الوسط في السياسة التركية ــ تحاول، عملياً، إعادة تأسيس نسخة ولى زمانها من ذلك التحالف بين رجال أعمال الأقاليم، المثقفين المتدينين، ونخبة الدولة الرسمية الذي ظلت الشريحة التابعة من كتلة السلطة الحاكمة دائبة تقليدياً على استهدافه، ولكنه ما لبث أن أصبح متعذراً مع الصعود الإسلام الراديكالي. كان من شأن هذا التحالف الآن أن يوفر فرصة شدّ أزر القطاعات الليبرالية الجديدة وذات التوجهات التصدير في الرأسمال التركي. ثمّة أعداد كبيرة من سياسيي يمين الوسط، مثقفيه، ومؤيديه سرعان ما بادروا إلى توريم صفوف هذا التحالف.

* * *

لعل من المدهش أن مثقفي يسار الوسط العلمانيين اضطلعوا بدور قوي في تأسيس هذا التحالف الجديد. يومية المؤسسة التركية الرئيسية: “حريت” كانت مؤيدة لتأسيس حزب العدالة والتنمية علاجاً مضاداً لعلتي الإسلاميين والوسط السياسي المتضائل. فسائر التعليقات والافتتاحيات ميالة إلى تأكيد حقيقة أن الحزب الجديد دائب على عد نفسه “ديمقراطياً محافظاً” بدلاً من “ديمقراطي مسلم”؛ فالخيار الثاني كان قد سبق له أن نوقش نحو 1999 – 2000 وأُسقط بعد مشاورات على مستويات رفيعة. إن حريث، جنباً إلى جنب مع وسائل إعلام ذات توجهات مماثلة، دأبت منهجياً على العمل لشرعنة لا أردوغان وحزب العدالة والتنمية وحسب، بل ما أصبح شعاراً رائجاً لهما: “الديمقراطية المحافظة”.

* * *

وما هو مثير لقدر حتى أكبر من الاهتمام هو الدعم الذي حظي به حزب العدالة والتنمية من جانب المثقفين، الليبراليون منهم والاشتراكيون الديمقراطيون. راح الليبراليون يزعمون أن حزب العدالة والتنمية يتميز، على النقيض من انتماء أحزاب المؤسسة الرسمية إلى جهاز الدولة البيروقراطي، بجذوره الممتدة إلى أعماق حركة المجتمع المدني. يضاف إلى ذلك أن الحزب نجح، كما يزعمون، في خلع الجوانب التسلطية من تلك الحركة، وأن فهمه للإسلام لم يعد يشكل أي تهديد للحريات الفردية. كان حزب العدالة والتنمية، إذن، الأداة السياسية الوحيدة القادرة على إذابة تركيا في بوتقة عالم سائر في طريق إشاعة الليبرالية والديمقراطية، وعلى إيصالها إلى الاتحاد الأوروبي قبل كل شيء. أصداء وجهة النظر هذه ترددت لا على صفحات جرائد ليبرالية مثل راديكال، بل وفي كلام وكتابات أساتذة علوم اجتماعية في جامعات تركيا النخبوية، حيث باتت رؤية الإسلاميين السابقين معبرين عن المجتمع المدني في مواجهة الدولة التسلطية من البديهيات الحصيفة. ومع أن الاشتراكيين الديمقراطيين لم يكونوا بأي من الأشكال مساهمين في هذه الهمروجة، فإن مجلاتهم تورطت، رغم ذلك، في تقديم حزب العدالة والتنمية بوصفه الحزب الأقدر على السير قدماً في طرق إشاعة الديمقراطية والاندماج بالاتحاد الأوروبي، والحزب الأفضل، على أي حال، من النزعة القومية المتشددة التي قد تثبت أنها البديل الوحيد.

* * *

وفي الوقت نفسه فإن خلفية أردوغان العمالية، جذوره الكفاحية، وملكته الشعبوية المتجلية بكلامه الواضح والبسيط، ساهمت في الحفاظ على تأييد الملايين ممن رأوا شخصاً يتكلم لغتهم ويتفهم مشكلاتهم. كذلك استفاد حزب العدالة والتنمية من التأييد القوي الذي حصل عليه في المناطق الكردية. باختصار، استطاعت سائر الطبقات الرئيسية أن تهتدي إلى شيء يخصها في حزب العدالة والتنمية؛ لقد كان هذا، بالمعنى الكلاسيكي، مشروع هيمنة رأسمالية محتملاً. وفي انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2000 العامة فاز حزب العدالة والتنمية بنسبة 34 بالمائة من الأصوات؛ وكان حزب الشعب الجمهوري القوة الانتخابية الأخرى الوحيدة التي تجاوزت حاجز الـ 10 بالمائة، ما مكن حزب العدالة والتنمية من احتلال 60 بالمائة من مقاعد المجلس.

* * *

{{ اختبارات أولى:}}

كان امتحان حكومة العدالة والتنمية الجديدة الأول بعد ما لا يزيد على ثلاثة أشهر متمثلاً بموضوع العراق. استطلاعات رأي متعاقبة كانت قد أشارت إلى أن 90 – 95 بالمائة من المواطنين الأتراك كانوا ضد الغزو الأمريكي لبلد مجاور، ومعارضين أكثر لاضطلاع تركيا بأي دور في مثل هذا الصراع. أكثرية أعضاء حزب العدالة والتنمية اتخذت المواقف ذاتها. إلا أن قادة الحزب ومؤيديهم البرلمانيين أصروا على أن تركيا ملزمة بالتجاوب مع الطلبات الأمريكية إذا لم تكن تريد المخاطرة بفقدان “حليفتها الأكثر استراتيجية”. صوَّتَ المجلس على موضوع انخراط تركيا في الحرب على العراق على ثلاث مراحل. أولاً، قامت أكثرية من نواب حزب العدالة والتنمية في شباط/فبراير 2003 بتفويض الحكومة حق السماع للولايات المتحدة بـ “تحديث” قواعدها العسكرية في البلاد. كان من شأن تصويت ثان حول السماح لقوات أمريكية باستخدام قواعد تركية لغزو العراق أن يتبع في آذار/مارس، نجح غول، الرجل الثاني في الحزب، في إقناع مجلس الوزراء بالإجماع على الموافقة. غير أن ما يقرب من نصف نواب حزب العدالة والتنمية فضلوا، في غياب أردوغان الذي لم يكن ليحتل مقعداً برلمانياً حتى العاشر من شهر آذار/مارس، الالتحاق بركب حزب الشعب الجمهوري (الآر بي بي) المعارض لإسقاط الاقتراح(22). أما التصويت الثالث فقد تم بحضور أردوغان الدكتاتوري التسلطي: أكثرية ساحقة من نواب حزب العدالة والتنمية بالموافقة على إرسال قوات إلى العراق. إلا أن البيت الأبيض حال دون صيرورة تركيا أحد أطراف قوة الاحتلال، بسبب اعتراضات صادرة عن أعضاء أكراد في الحكومة العراقية المؤقتة، واستياء إدارة بوش، بنظر البعض، من تصويت شهر آذار/مارس.

* * *

ولعل الأبقى من كل ذلك هو أن جولات التصويت سلطت الضوء على حقيقة أن حزب العدالة والتنمية استطاع أن يفوز رغم أنف 90 بالمائة من المواطنين الأتراك حول قضية ذات علاقة بحرب دولية. إن تراث عقود طويلة من الحركية الإسلامية كان قد جرى توظيفه لدعم غزو عسكري أنجلو ــ أمريكي في العالم الإسلامي. والأكثر إثارة للدهشة من كل شيء آخر جاء متمثلاً بالاستقبال الذي حظيت به سياسة حزب العدالة والتنمية الموالية للإمبريالية لدى قاعدة الحزب العمالية. يجري هنا، عبر جرائد إسلامية شعبوية معينة مثل واقيت (الوقت)، تكرار خرافة أن أردوغان يلعب لعبة بالغة العمق، بعيدة المدى، استثنائية الدهاء حتى على مستوى أحاديث المقاهي الشعبية؛ خرافة أن هذه التنازلات أمام الأمريكيين قد تكون ضرورية الآن لتقوية مواقعـ”نا”، إلا أن القائد يعرف مغزى ما يفعله. إن الحفاظ على هذا المستوى من القناعة لدى مثل هذه الأعداد، في مواجهة مثل هذه الأدلة والشواهد، ليس، في الحقيقة والواقع، إلا نوعاً من أنواع الهيمنة. يتمثل أحد أشكال اختبار مدى ترسخ أي ثورة سلبية بقدرة الأخيرة على نسف الاستنفار أو إلغاء التعبئة. نظراً لأن أكثرية الكتلة السكانية المسلمة باتت مؤمنة بأن حزبها هي في السلطة، فإن صلوات أيام الجمع ــ وهي عادة مناسبات احتجاج خلال الحروب المعادية للمسلمين ــ صارت صامتة بأكثريتها(23). ومع أن البلاد شهدت مظاهرات احتجاج على الحرب بعد 2003، فإن هذه كانت مدعومة في المقام الأول من بقايا اليسار. أما من بين الجماعات الإسلامية فإن حزب السعادة الأربكاني، الركام الباقي بعد انشقاق حزب العدالة والتنمية، وبعض منظمات حقوق الإنسان (مظلوم ــ دير وأوزغور ــ دير)، وبضعة تجمعات صغيرة فقط قامت باحتجاجات هزيلة نسبياً. كانت حكومة حزب العدالة والتنمية قد نجحت في تهدئة الجماهير المتدينة، تلك الجماهير المعبأة والمستنفرة من قبل الحركات الإسلامية قبل عام 2002.

* * *

داخلياً، كان تعاون “الديمقراطيين المحافظين” مع تقليصات صندوق النقد الدولي للإنفاق العام وثيقاً ــ بهدف تحقيق فائض 6 بالمائة كما قيل من قبل ــ وخصخصة مشروعات القطاع العام والموارد الطبيعية. فحزب العدالة والتنمية منخرط في عملية خصخصة واسعة للغابات ــ عملية يجري تبريرها عبر الزعم بأن البيع لن يطال إلا ساحات “فقدت صفتها” كغابات. ومضاربو العقارات عرفوا كيف يفسرون الرسالة: كانت ثمة 829 حريقاً خلال الأشهر السبعة من عام 2003 التهمت 1755 هكتاراً من الغابات، جاعلة إياها مناسبة للخصخصة. كغيرها من الحكومات الخاضعة لقيادة صندوق النقد الدولي، ترمي حكومة حزب العدالة والتنمية، هي الأخرى، إلى التحكم بالأجور، لجم النقابات، ووضع حد للإضرابات(24). غير أن معامل جيني للتفاوت شهد، رغم تواصل تضاؤل الأجور، تصاعد البطالة، وتعاظم أعداد أولئك الذين هم دون خط الفقر، تناقصاً طفيفاً، ربما بسبب شيء من التحسين في وضع قطاع العمالة غير الرسمية وتحقيق بعض الفوائد المجرّبة للشرائح الأكثر فقراً، إنه سبب آخر لشعبية حزب العدالة والتنمية المستمر بين صفوف هذه الطبقات.

* * *

{{

تحولات:}}

وعلى نحو أكثر تعميماً، فإن ما يميز حزب العدالة والتنمية عن أحزاب تركيا الليبرالية الجديدة الأخرى هي قابليته لتغيير المواقف من إشاعة اقتصاد السوق على المستوى الجزيئي. ومع أن برامج إسلامية سابقة كانت سلفاً قد ابتعدت عن التسووية الاجتماعية، فإن الأمر بقي ذا أهمية بنظر مؤيدي الحركة. تمت الآن إزاحة مقاومة الليبرالية الجديدة، وثمة قبول أوسع لـ “وقائع السوق” لدى القطاعات الشعبية. وأحد أسباب التغيير الحاصل يكمن في اضطلاع المتدينين المسلمين، للمرة الأولى في التاريخ التركي، بتولي دور رأس الحربة على صعيد إشاعة الليبرالية في الاقتصاد؛ إن نمط حياتهم الديني هو الذي يمكنهم من كسب الموافقة الجماهيرية. إلا أن حزب العدالة والتنمية حزب علماني مئة بالمائة، إذا كانت العلمانية تعني فصل المجال السياسي عن نظيره الاقتصادي، لا تطهير الدين من الحياة العامة(25). ومع أن قادة حزب العدالة والتنمية يكثرون التردد على الجوامع، فإنهم لا يكفون أيضاً عن تأكيد أن لكل من السياسة والاقتصاد منطقه الخاص المنضبط ذاتياً، منطقه الذي لا بد من تحصينه ضدّ تأثيرات الدين. هذا الموقف أيضاً لا يحظى بقبول مؤيدي الحزب العماليين، الذين باتوا يفترضون أن على العلمانية والسياسة الخارجية الموالية لواشنطن أن تكونا متجذرتين، بهذه الطريقة أو تلك، في منطق الدولة الحديثة، إذا كان حتى هؤلاء المسلمون الأتقياء مضطرين لاتخاذ مثل هذه الخطوات عند الوصول إلى السلطة، إلا على مضض.

* * *

ثمة سبب آخر مكّن حزب العدالة والتنمية من مد الجذور في الطبقات الشعبية ألا وهو موقفه من مسألة الجغرافيا. علّق غرامشي ذات مرة قائلاً إن اليسار الإيطالي كان، مثله مثل البرجوازية، مؤمناً بأن الجنوب هو سبب تخلف إيطاليا: فالجنوبيون كسالى وذوو نزعات إجرامية بطبعهم(26). لعل تلك هي النظرة التي دأبت كل من الكتلة المهيمنة والانتلجنسيا اليسارية في تركيا على اعتمادها إزاء الأناضول الأوسط، منطقة سواحل البحر الأسود، والشرق (خصوصاً). فأهالي هذه الأجزاء من البلاد يحملون لهجاتهم مع إشارات أخرى دالة على مكانتهم الإقليمية كما لو كانت وصمة عار، وصمة تشكل عائقاً أمام الارتقاء في الأوساط الكوزموبوليتية (الأممية). فالنخبة المتغربنة تستمر في رؤية هذه المناطق والجماعات النازحة منها مناطق وجماعات غير متمدنة ومتخلفة، الأسباب الحقيقية لبطء عملية التحديث وتعثرها في تركيا. كثيرون في أوروبا يتبنون وجهة النظر هذه، ويشيرون إلى أن هؤلاء (المتخلفين) هم سبب عدم جواز قبول تركيا عضواً في الاتحاد الأوروبي. قطاع واسع من اليسار التركي ظل دائباً، تاريخياً، على إعادة إنتاج هذه الصور النمطية، مفسراً إخفاقاته بجهل هذه الأقاليم ورجعيتها.

* * *

في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي نجح الإسلاميون في كسب هذه المناطق لا عن طريق تمجيد القيم المحافظة ــ وفق الأسلوب الذي ظل يمين الوسط مستمراً دائماً في توظيفه ــ وحسب، بل من خلال إذابة الجماهير المناطقية السابقة، الجماهير الآتية من الأرياف النائية، في بوتقة المراكز الحضرية المتسعة، ماسخين المدن نفسها خلال العملية. أبدى حزب العدالة والتنمية حرصاً على تبني استراتيجيات أسلافه الإسلاميين على صعيد الموقف من المهاجرين الريفيين والأقاليم. غير أن الحزب تحلى أيضاً بقدرٍ أكبر من الاطراد في مسألة تمكين رأسماليي الأناضول الأوسط من التكامل مع الأسواق العالمية، وهي عملية جارية على قدم وساق منذ ثمانينيات القرن العشرين. لذا فإن الفريقين، فريقي النازحين من الأرياف ورأسماليي الأناضول، كليهما، ينظران إلى حزب العدالة والتنمية بوصف قائدهما الطبيعي في مواجهة نخبوية الغرب التركي، ويكونان، إذن، أكثر استعداداً للتساهل مع أي خطة أو سياسة حكومية خاصة.

* * *

{{

تقدم وتراجع على الجبهة الشرقية:}}

كيف استطاع التحالف متعدد الطبقات المعبأ تحت هيمنة حزب العدالة والتنمية أن يجتاز اختبار الزمن؟ إن التأييد الكردي كان عنصراً مهماً من عناصر أكثرية الـ 2002. كان حزب العدالة والتنمية في البداية قد اتخذ موقفاً أكثر من موقف أسلافه في حزب الرفاه ضبابية وغموضاً إزاء الأكراد. ألمح أردوغان، على نحوٍ مبهم، إلى القيمة المتساوية لمخلوقات الله في حملة الـ 2002 الانتخابية، غير أن أي التزام برنامجي بتحقيق مثل هذه المساواة لم يكن موجوداً. بيد أن حزب العدالة والتنمية ما لبث، بعد أن أصبح في السلطة، وتحت تأثير ضغوط معايير إشاعة الديمقراطية المطلوبة لدخول الاتحاد الأوروبي، أن اتخذ عدداً ن التدابير التاريخية، وإن متواضعة: تدابير السماح ببث برامج تلفزيونية باللغة الكردية (بحدود زمنية معينة)، وتوفير فرص تعليم اللغة الكردية في المدارس الخاصة، مع أن مثل هذه الفرص مازالت غير متوفرة في المدارس الحكومية. ففي آب/أغسطس 2005، أعلن أردوغان، للمرة الأولى، أن هناك “قضية كردية”، ناطقاً عبارة محرمة في قاموس المؤسسة القومية ــ الوطنية ــ العلمانية، لإيحائها بمشكلة أكبر من مشكلتي الإرهاب والفقر. جميع هذه الخطوات لقيت ترحيباً حاراً في أوساط الانتلجنسيا الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية، هذه الأوساط التي طالما بقيت بعيدة تماماً عن الاطمئنان إلى موقف حزب الرفاه الإيجابي من الأكراد. فقد كان الأمر يُعد منطوياً على حظر استثارة الجماهير الساخطة بالدين، على النقيض من ليبرالية حزب العدالة والتنمية الموالية للاتحاد الأوروبي.

* * *

وكما سوف نرى فإن هذه القضايا كانت، مع حلول عام 2006، قد تعرضت لعملية إعادة صوغ جوهرية جراء البروز المتعاظم للدويلة الكردية في شمال العراق وبسبب المفاوضات المتباطئة مع الاتحاد الأوروبي. غير أن من الضروري أيضاً أن يقال إن من غير الممكن اختزال المسألة الكردية إلى مجرد مسألة ديمقراطية. ومع أن معايير الاندماج بالاتحاد الأوروبي تحمل وعوداً كثيرة بالنسبة إلى الأكراد على الصعيد السياسي، فإن الشيء نفسه لا يمكن أن يقال فيما يخص وضعهم الاجتماعي ــ الاقتصادي. إن الإصلاحات التي تمليها بروكسل لا تستهدف معالجة ضروب الخلل الناجمة عن اعتماد آلية السوق، بل إنتاج بيئة تمكنها من التقدم على نحو أكثر أمناً. الأرياف الكردية هي الأشد تأثيراً سلبياً بالإصلاحات الاقتصادية، والسنوات الخمس عشرة من الحملات العسكرية وحرب العاصبات كانت ذات وطأة ثقيلة وفعلت الشيء الكثير على صعيد تدمير وسيلة الحياة التقليدية، تربية المواشي، عند أبناء الريف الأكراد إذ أجبرتهم على النزوح إلى المدن الشرقية منها والغربية. إن مدن دياربكر، استانبول، أضنه، ومرسين باتت الآن مزدحمة بالعائلات الكردية التي يساهم أطفالها في توفير دخل الكفاف عن طريق التسول، مسح الأحذية، أو الجرائم الصغيرة (النشل مثلاً). وجملة هذه النشاطات تزيد من حدة التوتر بين الأكراد والأتراك.

* * *

هناك أيضاً مشكلة أكثر بنيوية: مع أن الدولة لم تنفق كثيراً من المناطق الكردية خلال حقبتها التنموية القومية ــ الوطنية، فإن الاستثمارات منذ اعتماد سياسة اللبرلة في الثمانينيات كانت حتى أقل. جاء الانتقال إلى اقتصاد السوق وبالاً على المناطق المهملة سلفاً: لم يجد الرأسماليون ما يحفزهم على الاستثمار، إضافة إلى أن عامل المخاطرة في المنطقة الكردية ظل يضاعف من تحفظهم. ومع أن جيوباً أخرى من الأناضول عانت أيضاً، فإن البقاع الرئيسية الخاسرة جغرافياً جراء اللبرلة الاقتصادية تمثلت بالمناطق الشرقية والجنوبية الشرقية المأهولة بالأكراد. إن تدفقاً لنوع من أنواع التمويل الثقافي المدعوم من الاتحاد الأوروبي كان تجميلياً إلى حد كبير. ومع تفاقم سوء أحوالهم الاقتصادية، بدأ الأكراد يفقدون تفاؤلهم الحذر في نظرتهم إلى حزب العدالة والتنمية.

{{المقال مترجم عن الأنجليزية-وصادر بمجلة “نيو ليفت ريفيو” العدد 51.}}

{{الهوامش:}}

1 – يطيب لي أن أتوجه بالشكر إلى كل من مايكل بوراوي، ديلان رايلي، وآينور سادات الذين ساعدوني على تطوير الأفكار الواردة في هذه المقالة.

2 – الطبعات الغربية تشتمل على دانييل ليرنر، غروب شمس المجتمع التقليدي: تحديث الشرق الأوسط، نيويورك، 1967؛ وبيرنارد لويس، انبثاق تركيا الحديثة، نيويورك، 1961.

3 – انظر خصوصاً سايمون بروملي، إعادة التفكير بسياسة الشرق الأوسط: تشكل الدولة وتطورها، كامبرج 1994؛ متين هَبَر، تقليد الدولة في تركيا، بيفرلي، يوركشاير 1985؛ نيكي آر كدي، “العلمنة والدولة: نحو الوضوح والمقارنة الكوكبية”، ان ال آر (نيولفت ريفيو)، 1/226، تشرين الثاني/نوفمبر ــ كانون الأول/ديسمبر 1997، ص: 300
– 332؛ وشريف ماردين، “الدين والسياسة في تركيا الحديثة”، في جيمس بيسكاتوري، محرراً، الإسلام في السيرورة السياسية، كامبرج 1983.

4 – طالما كان حزب الشعب الجمهوري الكمالي (الأتاتوركي) العربة السياسية للقطاع الدولتي المهيمن في هذه الكتلة، في حين أن الشرائح الأكثر تقليدية وتديناً كانت ممثلة بعدد من الأحزاب المختلفة منذ انتهاء حكم الحزب الواحد سنة 1950: الحزب الديمقراطي لعدنان منديلس في الخمسينيات، حزب العدالة لسليمان ديمرايل في الستينيات، حزب الوطن الأم لتورغوت أوزال في الثمانينيات والتسعينيات.

5 – انظر تانر آقتشام، من إمبراطورية إلى جمهورية: الحركة القومية التركية والإبادة الأرمنية، نيويورك، 2004.

6 – تشاغلار كيدر، الدولة والطبقة في تركيا: دراسة في التنمية الرأسمالية، لندن، 1987.

7 – دانكوارت روستو، “الديمقراطية التركية من منظور تاريخي ومقارن”، في متين هبر وأحمد ايفين، محررين، السياسة في الجمهورية التركية الثالثة، باولدر، كولورادو، 1994، ص: 3 – 12.

8 – تعني النزعة الإسلامية كما أفهمها، إيديولوجية تسعى إلى صوغ الدولة، الاقتصاد، والمجتمع وفق مبادئ قرآنية. لابد، إذن، من معارضة النزعة الإسلامية بصيغ أكثر محافظة للدين، صيغ تضفي عليه دوراً سياسياً محدوداً وتابعاً، مع تأكيد التزام التقوى.

9 – في تركيا الحديثة نجد أن كلمة مللي تعني هوية قومية ــ وطنية ودينية في الوقت نفسه، يقوم الإسلاميون باستغلال غموض العبارة لمناشدة الهوية الإسلامية لدى قواعدهم في بلد يرى الانتماء التركي هو الانتماء الجماعي المشروع الوحيد على الصعيد الرسمي.

10 – علي ياشار صاريباي، التحديث في تركيا، الدين، والسياسة الحزبية: أنموذج حزب الخلاص القومي (باللغة التركية)، استانبول، 1985.

11 – طه بارلا، نظام تركيا الاجتماعي (باللغة التركية)، استانبول، 1995.

12 – انطونيو غرامشي، مختارات من دفاتر السجن، نيويورك، 1997، ص: 114 – 120.

13 – جويل بينين، العمال والفلاحون في الشرق الأوسط الحديث، كامبرج، 2001.

14 – للاطلاع على المزيد من التفاصيل، انظر خلدون غولآلب، “العولمة والإسلام السياسي: الأسس الاجتماعية لحزب الرفاه التركي”، المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط، 33/3، آب/أغسطس 2001، ص: 433 – 448.

15 – نجم الدين أربكان، النظام الاقتصادي العادل (باللغة التركية)، أنقرة 1991، ص: 29، 65 – 66. للاطلاع على تحليل نقدي يساري، انظر عائشة بوغرا، “الإسلام السياسية في تركيا في سياق تاريخي: نقاط قوة ومواطن ضعف”، في نيشه جان بلقان وسنغور ساوران، محررين، سياسة الأزمة الدائمة، نيويورك، 2002.

16 – حزب الرفاه، النظام العادل: 21 سؤالاً/21 جواباً، 1994، ص: 1، 23.

17 – تشاغلار كيدر، “القارورة الناقوسية التركية”، ان ال آر 28، تموز/يوليو ــ آب/أغسطس 2004.

18 – آليف إينانتشانار، “حزب الرفاه وإدارة مدينة استانبول: الإسلام الليبرالي، النزعة المحلية، والهجنة”، وجهات نظر جديدة حول تركيا، 16، ربيع، 1997، ص: 23 – 40.

19 – انظر اليزابيت أوزدالغا، “نجم إربكان: الديمقراطية طريقاً إلى السلطة”، في متين هبر وصبر صاياري، محررين، القادة السياسيون والديمقراطية في تركيا، نيويورك، 2002.

20 – للاطلاع على المزيد من التفاصيل عن انخراط الاتحاد الأوروبي في تركيا انظر تشاغلار كيدر، “القارورة الناقوسية…”، ص: 78.

21 – انظر موغه غوتشك، “تتحجبين أو لا تتحجبين: الموقع الملتبس للجنس في تركيا المعاصرة”، مداخلات، 1/4 (1999)، ص: 521 – 535.

22 – منع أردوغان من الترشح في انتخابات 2002 بموجب حكم صادر خلال حملة القمع التي تمت في 1998، لقيامه بتلاوة قصيدة إسلامية في اجتماع عام. على الرغم من كل تلك المعارضة الأوروبية الصاخبة جداً للغزو الأنجلو ــ أمريكي للعراق، فإن لفته المقاومة الشكلية الهزيلة في البرلمان التركي جعلت من تركيا الدولة الوحيدة التي رفضت طلباً مادياً. قامت فرنسا بفتح مجالها الجوي للقاذفات الأمريكية والبريطانية، وبادرت ألمانيا إلى وضع مشافيها الميدانية تحت تصرف بوش.

23 – “المظاهرات الكاريكاتورية” في شباط/فبراير مستثناة. غير أن من الجدير بالذكر أن هذه الاحتجاجات لم تكن ذات أهداف قومية ــ وطنية، أو حتى أغراض ملموسة، خلافاً لتظاهرات التسعينيات الإسلامية.

24 – قامت حكومة حزب العدالة والتنمية بحظر الإضراب مرتين بذريعة الحفاظ على الأمن القومي ــ الوطني.

25 – بالنسبة إلى هذا التعريف بالذات، انظر خوسيه كازانوفا، الأديان العامة في العالم الحديث، شيكاغو، 1994.

26 – قام الحزب الاشتراكي حتى بتوزيع النصوص “العلمية” التي أثبتت هذه الدونية، غرامشي، مختارات من دفاتر السجن، 1921 – 1926، نيويورك، 1987، ص: 441 – 462.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق