إسلام المعجزات – سلوى الشرفي

لماذا يصرّ المبشّرون الجدد على البرهنة على إسلامهم بالمعجزات والشعوذة ؟

كلّما حلّت مصيبة في منطقة ما يسمّى بالعالم الإسلامي تتوالد فيديوهات ورسائل الشعوذة كالفطر وتعشّش في صناديق رسائلنا الإلكترونية وفي أدمغة الذين يفضّلون الاستسلام للقضاء والقدر، وبالتالي للهزيمة عوض التفكير في أسباب ومسبّبات ما حلّ بهم. ولعلّ بعض الناس يرتاحون إلى نصر كاذب يسمح لهم بغلق نوافذ التفكير المرهق. وهو ما أوصلنا إلى “النصر” رقم سبعة منذ 1948 إلى يوم غزّة.
وهذه بعض رسائل الشعوذة التي وصلتني عبر البريد الإلكترونيّ في أوج الحرب على غزّة. أنشرها حرفيا وبأخطائها كما جاءت:
” الرجل الذي رسم الكاريكاتير على الرسول مات محروق والدنمارك متكتمة الخبر ارجوك تنشر الخبر ده لان في اخت من فلسطين شافت رؤية ان اللي هينشر الخبر ده ربنا هيفرحة بعد اربع ساعات والله شخص اسمه محمد اقسم بالله انه راى الرسول في منامه وقال له بلغ الا والمسلمين عني ال فمن ينشرها خلال اربعة ايام فسوف يفرح فرحا شديدا ومن يتجاهلها فسوف يحزن حزنا شديدا ارسلها الي 55 شخص “

وفي رواية أخرى، تمّ فيها تخفيف ثقل الرسائل:
” شخص آسمه محمد آل شآوَي آقسم بآلله آلعظيم آنه رأى آلرسوَل آلمنآم وَقآل له آلرسوَل: بلغ آلآسلآم وَآلمسلمين عنه فمن ينشرهآ يفرح فرحآ شديدآ وَمن يتجآهلهآ آ فسوَف يحزن حزنآ شديدآ لآ آله آلآ آنت سبحآنگ آنت ربي فآغفر لي آنه گنت من آلظآلمين. آرسلهآ آلى 25 شخص وَسوَف تسمع خبر مفرح آلليل ارسلها لگل الموجودين في ايميلگ ستحصل على انباء سارة غدااااااا واذا اهملتها يسئ حظگ”

يتمثل النموذج الثالث في فيديو يدّعي صاحبه أنّه طالب في معهد بوليتكنيك ميونيخ يعلمنا فيه أنّ:
“جسمك مشحون بالأشعة الكهرومغناطيسية (هكذا أشعّة و ليس موجات أو حقولا ) التي تهديها إليك الأجهزة الكهربائية التي تستخدمها، باحث غربي غير مسلم (هذا التشديد مهمّ للمصداقية) توصّل إلى أن أفضل طريقة للتخلص من هذه الأشعة هو أن تضع جبهتك على الأرض أكثر من مرّة أي أن تسجد لأن الأرض سالبة (هكذ الأرض سالبة و ليست محايدة كما يتعلمها كل تلميذ في أول درس فيزياء) فهي تسحب الشحنات الموجبة و ينصحك بأن توضع الجبهة على التراب مباشرة وأنت في اتجاه مركز الأرض لأنه ثبت علميا أن الكعبة هي محور الأرض ( ولكي يثبت ذلك يقول في أول جملة، أي كمقدمة للتدليل علميا على صحة ادعائه، أن
The golden ratio is Phi=0,61، وهو خطأ طبعا.)
ويواصل الباش مهندس ” إذن، فإنّ السجود في صلواتك أيها المسلم هو الحالة الأمثل لتفريغ تلك الشحنات الضارة “!

وننهيها بهذا النموذج الثالث من علوم الشعوذة. فقد ورد في رسالة يقول صاحبها أنّه قضى الليالي يعدّ كلمات القرآن وأنّه اكتشف أنّ كلمة شهر وردت في القرآن 12 مرّة ( والحقيقة أنّها وردت 13 مرّة ) وأنّ كلمة يوم وردت في القرآن 356 مرّة (أي بالحساب الشمسي. و لم نفهم طبعا لماذا هذه الدعاية المجانية لروزنامة ” قريقوري” وللشمس على حساب القمر، خلافا لآية ” ومن رأى الشهر، أي الهلال، فليصمه ” )[ فمن شهد منكم الشهر فليصمه – التحرير ]

لماذا يصرّ المبشّرون الجدد على البرهنة على إسلامهم بالمعجزات والشعوذة ؟ في حين أنّ القرآن ذاته اكتفى بحجج نراها بالعين المجرّدة أو يعلمها الأمي كما المتعلّم بالتجربة البسيطة ؟
هم يعلمون، طبعا، بأنّها خدع تليق بساحر الموالد وساحات أراجيح الأطفال. فهم الذين عجنوها وطبخوها مثلهم مثل الذين جسّموا من قبلهم آلهة من تمر فعبدوها ثم حين جاعوا التهموها. وإذا كان كلّ متكلّم يضع نصب عينيه نوعية المتلقي الذي يرغب في التواصل معه ويصوغ خطابه على هذا الأساس، يمكننا أن نستشفّ ملمح “جمهور” المعجزات من خلال كثرة الأخطاء اللغوية والعلمية التي قدّمنا البعض منها. إنه جمهور أمّي وأبله، تماما مثل الجمهور المتخيل للتلفزيونات العربية الرسميّة.
فهل هذا مؤشّر على نوعيّة الزبائن الذين يرغبون في إخراجهم من ظلمات الإيمان العادي إلى أنوار إسلام المشعوذين، أم أنّه دليل على مستوى”العلماء” من مواليهم الذين يتبجّحون بعددهم الكبير؟
أمّا بالنسبة للزبائن، فقد قال مرّة أحد موزّعي أناجيل الشعوذة هذه، حين جوبه بالبراهين على خطئها، قال: “الفائدة في النيّة” ما معناه أن الغاية تبرّر الوسيلة. هكذا، إذن، يتبنّون المكيافيلية بدعوى ” دفع الناس للتفكير في عظمة الله” و هكذا تزدهر تجارة “جميلة” و”صالحة” و “مبروكة” وغيرها من “ناس الله الصالحين” الذين يدّعون القدرة على شفاء كل الأمراض “بالصلاة على النبيّ”.

الحقيقة أن المسألة ليست فيها براغماتية ولا إستراتيجية ولا تكتيك. يكفي أن نلقي نظرة على خطابهم الخاص بتربية الأطفال لنفهم أن الدّاء هيكلي وليس سياسيّا. فالمؤمن يذكر اسم الله عدة مرّات في اليوم مرفقا “بالرحمن الرحيم” و هم يدعون إلى ترهيب الطفل من بطش الله و جهنّمه. ربّهم هو ربّ “جبار” “ماكر” يتقمّص يد إسرائيل لقتل 1300 إنسان لمجرّد دفع الناس للتفكير في حكمته. هذا هو الرّب الذين يدّعون أنه ربّ الإسلام.
كيف سيكون عقل الطفل الذي آمن بأنّ ربه يرسل إليه الرسائل ملفوفة في جثث الأبرياء ؟ ليست صدفة إذن أن يذبح، في هذه الثقافة، الشقيق شقيقته لمجرد تبليغ الناس نظريّته في الحبّ، ثم يتجوّل في ساحة القرية مرفوع الرأس كبطل. وجميل أنّ من يسمّون بمجرمي الشرف لم يلتهموا بعد بشراهة لحم الموؤودة، وهم الذين تعّودوا منذ الصّغر على ملاعبة خروف العيد والتعلق به ثم ذبحه وأكله.
هذا في ما يتعلّق بزبائن أناجيل الشعوذة و ثقافة الموت.

أما في ما يخص “علماء” هذه الأناجيل فهم يرفضون دراسة نظرية تتعارض مع ما جاء في القرآن، حسب قراءتهم للنص، تلك القراءة الدقيقة التي جعلتهم يستنتجون أن الله ذكر 12 مرّة كلمة شهر في القرآن و أنّه يعتمد الحساب الشمسي. وهم يتثبتون من نتائج كلّ بحث علمي جديد بوضعها تحت مجهر فهمهم للقرآن “لكي تطمئنّ قلوبهم”، فهم أيضا ضحيّة برامج تعليمية ترى في طالب العلوم مجرّد آلة تتحدّث بلغة الرّموز الرياضية. فهل يمكن أن نتناقش مع حاسوب، محشو بالرموز فقط، في مواضيع تتطلب الاستدلال والاستنباط ؟
هؤلاء الطلبة الذين تتوقف ثقافتهم الفلسفية والتاريخية واللغوية في مستوى التعليم الثانوي، من الطبيعيّ أن يخلطوا بين العلمانية والإلحاد مثلا، و أن يعتبروا فلاسفة الأنوار “ماسونيين” أي حسب تأكيدهم يهودا تآمروا على العالم، دون معرفة بهذه الحركة سوى ما حبّره بعض الشيوخ ممن لا يحسنون لغة ثانية تمكّنهم من الاطلاع على النظريات والأفكار من مصدرها الأمّ ؟
والغريب أنّ المنافحين على الإسلام، ليل نهار، على المنابر الالكترونية التي تنتج هذه “العلوم” لم ينددوا بهذه الظاهرة بل فعلوا العكس. فهم يتدخلون للومنا على عدم الاهتمام بما هو أهمّ دون الانتباه إلى أنّ من يدعوك للإيمان بمعلومات كاذبة قادر على أن يفرض عليك أحكاما ما أنزل الله بها من سلطان. ألم يكن المتديّنون أوّل ضحايا حكومة حماس؟ فقد هاجمت شرطة الإمارة المصلّين على قارعة الطريق بالهراوات مثل مؤدبي الكتاتيب بدعوى وجود فتوى تحرّم الصلاة خارج المسجد.

بعد أحداث 11 سبتمبر، نشر بعض الظرفاء إشاعة تقول أنّ القرآن تنبّأ بنسف البرجيْن بنيويورك ودليلهم أنّ الكارثة حدثت بشارع ( قرف هار) وأنّ الله يقول : ( على شفا جــرف هار فانهار به في نار جهنّم)!
كما اكتشف بعض عشاق الشعر أنّ أبا نواس هو واضع نظرية النسبية واستدلوا على ذلك بأبيات مقنعة جدا.
ليس أسهل من توليد الكلام من الكلام غير أنّه يصعب بعد ذلك تبديد الأوهام!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق