إسلام الواقع تحدده المصالح

في نصه المعنون ب (الأصالة والمعاصرة : ازدواجية مفروضة أم اختيار؟) يرى المفكر المغربي محمد عابد الجابري أن إشكالية الأصالة والمعاصرة في الفكر العربي الحديث كثيرا ما تطرح على أنها مشكلة اختيار ين النموذج الغربي في الحياة ( سياسة واقتصادا وثقافة.. إلخ)، ونموذج التراث بوصفه يقدم أو يمكنه ان يقدم نموذجا بديلا يشمل جميع ميادين الحياة المعاصرة .. ويستنتج من ذلك أن المواقف إزاء هذا الاختيار ثلاثة أصناف هي:

ـ عصرانية، تتبنى النموذج الغربي باعتباره نموذجا يفرض نفسه على العالم كله بحكم هيمنته ..

ـ سلفية، تدعو إلى استعادة النموذج العربي الإسلامي قبل انحرافه أو على الأقل الارتكاز عليه لتشييد نموذج عربي إسلامي ( أصيل) ..

ـ توفيقية ،ترى في الأخذ بما هو إيجابي في تراثنا وفي نموذج الغرب طريقة تحقيق أصالة مجتمعنا ومعاصرته معا..

وإذا كان الجابري ـ وبكيفية غير مباشرة ـ يرفض هذه الأصناف الثلاثة بحكم أن كل صنف منها يضم اتجاهات متعددة تلونها ( وتحدد مضامينها ) الإيديولوجيات المتصارعة أحيانا والمتهادنة أحيانا أخرى في راهننا العربي الإسلامي ، (وهو ما يجعل اتفاق اتجاهات كل صنف أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا).. فإننا نضيف متسائلين:

ـ هل يصلح نموذج التراث ،أو نموذج السلف الصالح كما يسميه دعاته أن يكون نموذجا صالحا لحل مشاكل حاضرنا العربي ومواجهة مختلف التحديات الداخلية والخارجية التي تقف حاجزا بينه وبين إمكانية انخراطه فاعلا في بناء حضارة العصر؟..

ـ هل يصلح نموذج الغرب لتحقيق ذلك ؟..

ـ ما الإيجابي في تراثنا/ نموذج السلف الصالح؟ .. وما الإيجابي في نموذج الغرب أيضا؟..

وقبل ذلك أو بعده : من الذي يحدد ما هو إيجابي وما هو سلبي في النموذجين حتى يحقق التوفيق بينهما في راهننا ( العربي الإسلامي)؟..

دون شك أن الإجابات عن هذه الأسئلة ستكون سلبية حتما..لا لسبب سوى كون مشاكلنا في هذا الحاضر ليست هي نفس مشاكل الأسلاف ، و التحديات التي واجهتهم ليست هي نفس التحديات التي تواجهنا، وبمعنى آخر: لا يمكن أن تكون تجربتهم الحياتية في كل مكوناتها عبر تاريخها الطويل والمتغير هي نفسها تجربتنا اليوم، تماما كما لايمكن تصور أن تكون بنيتهم الاجتماعية البدائية البسيطة أو شبه البدائية هي نفس بنيتنا الاجتماعية المعقدة .. وهو ما يعني منطقيا أن الحلول التي أوجدوها لمشاكلهم والكيفيات التي واجهوا بها تحديات مراحلهم التاريخية لا يمكن أن تصلح بالمرة لتكون حلولا لمشاكلنا وكيفيات لمواجهة تحديات حاضرنا ..

وإذا كنا نعتقد أن نموذج الغرب هو النموذج الأقرب إلينا بحكم عقلانيته النسبية ومعاصرته وكونه نتاج تراكم مختلف المعارف والتجارب البشرية عبر التاريخ ، بما فيها معارف العرب المسلمين وتجاربهم ، من جهة، وكونه النموذج المهيمن سياسة واقتصادا وثقافة في عالم اليوم، من جهة ثانية ، وكوننا نشترك معه ومع كل مجتمعات هذا العالم في الكثير من المشاكل والتحديات التي يمكن القول بأن أبرزها على الإطلاق تلوث البيئة ونقص المياه النقية و الازدياد المفرط للسكان الذي يعني زيادة الحاجة إلى الغذاء والماء وهو ما يمكن أن يؤدي إلى صراعات خطيرة النتائج على الوجود البشري كله…إلخ..فإننا نرى أنه من الصعوبة بمكان تبنيه هكذا ببساطة ، لا لسبب أيضا سوى كون بنيتنا السوسيو ثقافية تقف عائقا أساسيا يمنع من إمكانية تبنيه أو على الأقل يجعل ذلك التبني محرفا بكيفية لا يمكن أن تؤدي إلا إلى نقيض المرتجى منه ، من جهة، وكون هذا النموذج نتاج مناخ اجتماعي وثقافي مر بالكثير من التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي مازلنا نحن العرب المسلمين بعيدين عنها بأشواط كبيرة ..

وغني عن البيان أن التحالف غير المباشر للأنطمة المستبدة في عالمنا العربي مع الأصولية الإسلامية التي تتحكم في شارعه الاجتماعي هو المكون الأساس لتلك البنية السوسيو ثقافية ، و هو من ثمة المعيق الأكثر بروزا وتأثرا من بين مجمل المعيقات الأخرى المتعددة .. وهو الواقع الذي يحتم بالضرورة مواجهته وإبراز مخاطره على حاضر العرب المسلمين ومستقبلهم ..لكن هذه الضرورة تحتم بدورها السؤال الأساسي الذي هو: ترى من يقوم بتلك المواجهة؟ وكيف؟..وهما ـ بالتأكيد ـ سؤالان جوهريان يحتم طرحهما واقع الأمية الفكرية المتفشية في مجتمعاتنا العربية نتيجة فقدانها القراءة ، وقراءة المختلف خاصة ، من جهة ، وفقدانها الإبداع الحر في الفكر والفن بشكل كبير ، من جهة ثانية، وهيمنة ثقافة الاستهلاك أو ثقافة المتعة الحسية المبلدة للعقل والمشاعر ، من جهة ثالثة ،وافتقاد الناس الأمل في مستقبل أفضل ، من جهة رابعة ، وهي كلها عوامل لا يمكن أن تكون إلا إنسانا يائسا ،محبطا ،أنانيا، ولا شعور له بأية مسؤولية اجتماعية ، وقابلا بشكل يكاد يكون مطلقا بأن تسير حياته كما يشاء ذلك التحالف الاستبدادي الأصولي الذي يبدو طرفاه متناقضين، بل ومتصارعين ظاهريا ، فيما هما في الجوهر متشابها التأثير والنتيجة، حيث يعمقان معا تخلف مجتمعاتنا ويخرجانها من دائرة التاريخ ، ويجعلانها موجودة كمفعول بها ليس إلا..

وأعتقد أن حال صنف التوفيققيين لا يمكن بالمرة أن يكون أفضل.. ذلك أن سؤالا آخر يفرض نفسه حتما وهو : من الذي يحدد يا ترى ما هو إيجابي وما هو سلبي في تراثنا / نموذج السلف الصالح ؟ ومن الذي يحدد أيضا ماهو الإيجابي وما هو السلبي في نموذج الغرب ؟ .. ودون شك أن مبرر طرحنا هذا السؤال هو كون مجتمعاتنا ليست متجانسة ، ولا يمكن تصور تجانسها بالمرة ، لأنها ـ في الأساس ـ مجتمعات طبقية تتباين ـ إن لم نقل تتناقض ـ في المواقع والمصالح والطموحات ، ومن ثمة المواقف والتصورات ، رغم الأمية الفكرية المتفشية ، وعجز الأطراف الاجتماعية المسحوقة عن القدرة على التعبير المنظم عن مصالحها وطموحاتها ، وهو ما يعني ضمنيا الاختلاف فيما هو إيجابي وما هو سلبي في النموذجين المذكورين ..

وحتى لو افترضنا جدلا الاتفاق على الإيجابي في النموذجين ، فإن الاختلاف سيبرز حتما في كيفية تطبيقه ، حيث تتدخل المواقع والمصالح ومن ثمة قوى النفوذ في تحديد كيفية التطبيق.. وهو الحاصل واقعيا..ولعل المثال الحي عن ذلك هو مسألة الشورى باعتبارها النموذج السياسي لدى دعاة نموذج التراث/السلف الصالح ، والديمقراطية باعتبارها النموذج السياسي لدى دعاة نموذج الغرب ـ مع تيقننا بأن الديمقراطية ليست نموذجا سياسيا فحسب، بل هي نموذج اجتماعي وثقافي وأخلاقي أيضا ـ .. فكيف تعاملت معهما الأنظمة المستبدة في عالمنا العربي الإسلامي؟..

مؤكد أن المتابع المتأمل يدرك تماما أن تلك الأنظمة قد مزجت بين ما رأته إيجابيا في النموذجين بالكيفية التي تخدم مصالحها في الحاضر والمستقبل، فلجأت إلى ممارسة الشورى تماما كما مارسها الأسلاف في تاريخهم ـ رغم اختلاف واقع الحاضر ومتطلباته عن واقع أولئك الأسلاف ـ حيث كان أهل الحل والعقد ـ كما يعبر عنهم فقهيا ـ هم أهل الشورى، وهم أشخاص يختارهم الخليفة/الحاكم عادة بكيفية مباشرة أو باقتراح من المقربين منه ـ ويكون أولئك المقربون هم أنفسهم من أهل الشورى عادة ـ ويغدق عليهم الكثير من الامتيازات التي تجعلهم ـ بالضرورة المصلحية أو بحكم العادة ـ يشيرون بما لا يتناقض ومصالحه ( الخليفة/ الحاكم )، دون أن يكون ذلك الخ / الح ملزما بتنفيذ ما يشيرون به.. وهو ما يلاحظ في واقع الحاضر بامتياز، باستثناء مزاوجة تلك الممارسة بعنصر الانتخاب الذي هو أحد عناصر الديمقراطية الغربية ، حيث يتم الترشح لعضوية مجالس الشورى أو البرلمانات في عالمنا العربي من مختلف الاتجاهات والأحزاب ، ولا ينجح منهم عادة إلا المنتمون إلى أحزاب السلطة باعتبارها الأحزاب التي تمتلك النفوذ الإداري والمالي والإعلامي والقدرة على التزوير ، وقد يتم تعيين نصف بعض تلك المجالس من قبل الحاكم نفسه كما هو حال مجلس الأمة في الجزائر مثلا، وفي العادة والغالب يكون الناجحون والمعينون من رجال المال والأعمال والإطارات السامية التي تمتلك التجربة الواسعة في خدمة تلك الأنظمة.. ومثلما فعل الأسلاف تفعل أنظمة الحاضر أيضا، حيث تعطي أولئك الأعضاء الكثير من الامتيازات المغرية التي لا منطق لها بالمرة ، وتجعل مصالحهم من ثمة مرتبطة ارتباطا وثيقا باستمرارية تلك الأنظمة، وهو ما يجعلهم يخضعون لإرادتها وخدمة مصالحها ، ويلعبون الدور الأساس في إنجاح من يختاره أي نظام منها ليكون قائده في الواجهة ..

و.. حتما سيرفض دعاة نموذج السلف الصالح هذا الطرح وبقولون بأن هذه الممارسة لا علاقة لها إطلاقا بالشورى، لأنها ممارسة لا أخلاق فيها بقدر ما هي سلوك احتيالي.. وحتما سنقول معهم بأنها فعلا سلوك احتيالي..لكننا نضيف أن الأخلاق ذاتها نتاج الواقع وصراع القوى المتواجدة فيه وتناقض مصالحها..إلخ، وليست وجودا قائما بذاته، ومنفصلا عن الواقع وما يجري فيه.. ولماذا نذهب بعيدا وحال الإخوان المسلمين في الجزائر شاهد قطعي على ذلك؟

فهل رفض هؤلاء الإخوان وغيرهم من الاتجاهات الإسلاموية في المجلس الوطني ومجلس الأمة الأجور التي تتجاوز الثلاثين مليون سنتيم في الوقت الذي لا يتجاوز فيه الأجر القاعدي المليون سنتيم إلا قليلا، مع الملاحظ انه لا دور ـ ـ لهؤلاء النواب سوى رفع أصابعهم أو بالأحرى أياديهم للموافقة على مشاريع قوانين السلطة..؟ .. هل رفضوا القانون الذي يجعلهم يأخذون تقاعدا بنسبة مئة في المئة بعد خمس سنوات نيابية ، أي عهدة واحدة ، في الوقت الذي يأخذ فيه أستاذ التعليم الثانوي ثمانين في المئة من أجره الزهيد أصلا عندما يأخذ تقاعدا نسبيا بعد اثنين وثلاثين سنة في مهنة التعليم التي صارت من أتعب المهن في حاضر الجزائر نتيجة انعكاس الأوضاع الاجتماعية المتردية عليها؟

وقبل ذلك وبعده: ألم يتفق معظم فقهاء الإسلام على أن القبول بالخليفة، أو بالتعبير الفقهي مبايعته تنعقد بإحدى الطرق الثلاثة التي هي:

ـ المبايعة المباشرة من أهل الحل والقد ( المتنفذون) مثلما حدث مع الخليفة الأول أبي بكر الصديق.

ـ اختيار الخليفة الموجود من يخلفه بعد موته كما فعل أبو بكر الصديق الذي عهد بالخلافة بعده لعمر بن الخطاب، أو اختيار مجموعة يعهد إليها باختيار واحد منها ليكون الخليفة بعده، وهو ما فعله الخليفة عمر حيث عهد لستة من الصحابة لاختيار الخليفة الذي لم يكن سوى عثمان بن عفان..

ـ القهر والاستيلاء ، حيث يتم تولي الخلافة بالقوة بعد قهر المعارضين، وهو ما مارسه معاوية بن أبي سفيان ، كما مارسه الأمويون فيما بعد، ويمارسه حكامنا اليوم ، مع بعض التطعيم شبه الديمقراطي..

ولا أعتقد أن أحدا ما يشك في أن النموذج الأخير هو النموذج الذي كان وما يزال الأكثر وجودا في عالمنا العربي الإسلامي..

ولا أعتقد أيضا أن أحدا ما سيشك في أن رأي عموم الناس كان وما يزال مغيبا في كل هذه الطرق الثلاث..

ثم.. هل وجدنا حاكما ما في حاضرنا العربي تنازل بإرادته عن السلطة ، أو مجلس شورى ما أقاله ..؟

وقبل ذلك.. هل وجدنا خليفة ما تنازل عن الخلافة بإرادته، أو أنزل من على كرسي الخلافة بمجلس شورى في كل تاريخنا العربي ، أو معظمه على الأقل..؟ ألم يرفض عثمان بن عفان التخلي عن كرسي الخلافة حتى مات مقتولا، لتشتعل بعده الفتنة الكبرى..؟

فهل نعتبر كل هؤلاء الذين تمسكوا بالكرسي أو حولوا الخلافة/ الحكم إلى وراثة أسرية أوقبلية أو جهوية أو طبقية خارجين عن إطار الإسلام؟ .. ألا يتعارض هذا الحكم التكفيري مع ما اتفق عليه الكثير من فقهاء الإسلام؟ ألم ينقل عن الحسن البصري قوله: “لا تعصوا أولي الأمر منكم ، فإن عدلوا فلهم الأجر وعليكم الشكر، وإن بغوا فعليهم الوزر وعليكم الصبر، فهو امتحان من الله يبتلي به من يشاء من عباده، فعليكم أن تتقبلوا امتحان الله بالصبر والأناة لا بالثورة والغيظ”.. و.. ألم ينقل أيضا عن أحمد بن حنبل قوله:”من غلب على المسلمين بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، باراً كان أم فاجراً”.

ثم أيضا.. هل بين القرآن أو الرسول المقصود بالأمر في الآية (( وأمرهم شورى بينهم)) ؟ .. هل حددا كيفية ممارسة تلك الشورى؟.. ألم يقل الرسول: ((أنتم أدرى بشؤون دنياكم)) ؟ .. أوليس الحكم ـ شئنا أم أبينا ـ من شؤون الدنيا؟..

قد يعترض دعاة نموذج السلف الصالح ، مرة أخرى ، فيقولون : إن ما يحدد إسلامية الممارسة أو عدم إسلاميتها هو خدمتها مصالح المسلمين أو عدم خدمتها قبل كل شيء، مستندين في ذلك على القاعدة الفقهية التي تقول: ((حيث تكون المصلحة فثم شرع الله )).. لكننا نسأل: ما هي ـ تحديدا ـ مصلحة المسلمين؟ وهل هي متغيرة أم ثابتة..؟ ..ونسأل أيضا: من الذي يحدد ما هو في صالح المسلمين وما هو في غير صالحهم في هذا القطر أو ذاك.. في هذا المكان أو ذاك أيضا؟ هل هم الفقهاء أم مجالس الشورى ؟ ألا يؤدي اختلاف المواقع الإيديولوجية وتناقض المصالح والإيديولوجيات في الحالتين إلى الاختلاف في تحديد ما هو في صالح المسلمين وما هو نقيض ذلك..؟

ألا يمكن القول ـ مثلا ـ بأن جعلَ معاوية الخلافة وراثية قد حقق مصلحة المسلمين آنذاك ، حيث أعاد الاستقرار للمجتمع بعد ذلك الصراع الدموي الذي وقع بين الأمويين والعلويين ، من جهة، وجعل عملية الفتوحات الإسلامية تتواصل بعد ذلك، وهما الأمران اللذان ما كان لهما أن يتحققا لو لم يتخذ معاوية ذلك القرار؟، ألا يمكن توقع ازدياد انقسام المسلمين إلى شيع، وكل شيعة ترى نفسها الأولى بقيادة المسلمين؟ ولماذا نذهب بعيدا كذلك، ألا نرى هذه الاختلافات العميقة بين الجماعات الإسلامية في الحاضر، تماما كما كانت في الماضي؟ ألم ينقل عن الرسول ما معناه: ستنقسم أمتي إلى سبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة؟..

وفي نفس الوقت.. ألا يمكن لمعارضي معاوية أن يقولوا بأن معاوية لم يحقق أي مصلحة للمسلمين ، قدرما قتل الكثير منهم بدعوى عدم مبايعته أو مبايعة وريثه أو الاعتراض على فعله أصلا.. وسيضيفون حتما: لقد جعل معاوية اعتلاء كرسي الخلافة مباحا حتى لمن هو ليس في مستواها من أبنائه وأحفاده، وصار بذلك المثال الذي سارعلى خطاه الحكام الذين جاءوا من بعد عصره الأموي بدءا من العباسيين حتى القرن الواحد والعشرين ، وهو ما عمق تراكم ممارسة الديكتاتورية ، والتخلف الذي عاشه العرب المسلمون طوال عصر الانحطاط وما زالوا يعيشونه حتى وهم في القرن الواحد والعشرين ، والذي يبدو أنهم سيعيشونه ، إن لم نقل سوف يعيشونه لقرون طويلة أخرى..؟

و.. ألا يمكن أن يقول حكام الحاضر ومجالس شوراهم بأن مثال معاوية لم يكن أبدا سبب تخلف العرب المسلمين ، مبررين قولهم ذاك بأن العصر العباسي كان عصر خلافة وراثية ، ورغم ذلك كان العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية ..وربما يرجعون سبب التخلف إلى القوى الخارجية قائلين بأنها عملت متحالفة وبكل ما أوتيت من قوة ، ومن الداخل والخارج ،على تقويض أركان تلك الحضارة ..؟.. وقد يستشهدون بالآية (( وتلك الأيام نداولها بين الناس)) ، مرجعين ما لحق بتلك الحضارة لإرادة الله أساسا..

إن مقولة عمر بن عبد العزيز : ((إن الناس لم يختلفوا في ربهم ولا في دينهم ولا في نبيهم ولكنهم اختلفوا في الدينار والدرهم )) والتي يمكن التعبير عن آخرها بالمعنى المعاصر: اختلفوا في المصالح .. لهي الدليل القاطع على كل ما قلناه..

وإذا أضفنا إليها مقولة علي بن أبي طالب: (( القرآن حمال أوجه )) أي متعدد الفهوم ، ندرك تماما بأن اختلاف المصالح الناتج عن اختلاف المواقع الاجتماعية والسياسية وحتى الوعيية ( من الوعي) يؤدي حتما إلى اختلاف فهوم الدين ويجعل من ثمة مقولة ( الإسلام الحقيقي ) التي يرفعها دعاة نموذج السلف الصالح باطلة من أساسها ، ويجعل من ثمة المطالبة بتطبيقها أمرا غير منطقي بإطلاق .. وهو ما يعني في النهاية أنه لا إسلام في الواقع إلا تلك الفهوم التي يمكن أن تكون إيجابية ، إذا كان المجتمع أكثر وعيا بمصالحه الأساسية المشتركة ، وأكثر قدرة على تنظيم نفسه ، وأفراده أكثر شعورا بمسؤولياتهم الاجتماعية ، وحتما ستكون سلبية إذا كان ( المجتمع) قطيعا لا إرادة لأفراده في الفعل ولا حرية لهم في الاختيار.. وهذا ما أدركه المفكر المصري سمير أمين الذي قال: ( الشعب المتخلف يفهم دينه فهما متخلفا ).. فكيف يا ترى يصير شعبنا العربي المسلم متقدما حتى يفهم دينه فهما تقدميا، أي إيجابيا؟ ..

الكثير من مفكري العرب في الحاضر يرون أن ذلك لا يتحقق إلا بفتح مجال التعددية السياسة والفكرية على مصراعيه، من جانب، وابتعاد كل اتجاه في هذه التعددية عن ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة ، من جانب ثان ، وإحداث تغيير جذري في المنظومة التربوية بما يجعلها كفيلة ببناء الفرد العقلاني المتسامح الذي يحبذ العيش في مجتمع التعددية والاختلاف ويساهم بكل إمكانياته في بنائه ، من جانب ثالث، والعمل على خلق الشروط الذاتية والموضوعية التي تجعل من قراءة المتعدد المختلف رغبة جامحة لدى أبناء الحاضر والمستقبل من جانب رابع، حتى يمكن لدار العرب أن تبنى فعلا..

ليكن الأمر كذلك.. ما أمتعه ..لكنني أطرح السؤال ما قبل الأخير: هل يقبل تحالف الأصولية والاستبداد ذاك؟ أعني: هل تقبل بذلك الأصولية بما هي هيمنة على الذهن الجمعي مرسخة فيه ادعاءها امتلاك الحقيقة المطلقة .. والاستبداد بما هو ممارسة سياسية تعمل على نفي وجود المعارضة ذات المشاريع الاجتماعية المقوضة لمشروع الاستبداد ؟..

وأنهي أخيرا بسؤال لينين الشهير الذي وضعه عنوانا لأحد كتبه: ما العمل؟؟؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق