إسلام بلا فقهاء أو دعاة
عادل بشير الصاري

بتّ مقتنعا مع مرور الأيام وتقدم العمر وطول التأمل والتدبر في شأن الإسلام وأحوال المسلمين أن الإسلام سيكون بألف خير لو كان بغير فقهاء أو دعاة، وبخاصة منهم الذين باتوا في هذه الأيام يتصدرون الفضائيات ، يخوضون فيها في كل موضوع يخطر على بالهم ، ويفتون في كل ما خلق الله وما لم يخلق ، والرأي عندي أن المؤمن العاقل الذي وُهِبَ عقلا راجحا وشخصية ناضجة ليس بحاجة إلى مواعظ وفتاوى هذا الصنف من الفقهاء والدعاة ، إذ يكفيه من أمور الدين ما يأخذه من دروس يسيرة في المدرسة تؤهله لتأدية فروضه الدينية.

إن هؤلاء الفقهاء والدعاة الذين امتطوا صهوة الدين لأجل الشهرة وجمع المال قد باتوا أوصياء ووكلاء لله على خلقه في الأرض ، يتكلمون باسمه ويصدرون الأحكام والفتاوى نيابة عنه في أي موضوع يُسألون فيه ، فجنوا بهذا على الإسلام والمسلمين ، حين قدموا الإسلام للجمهور دينا غير الذي ارتضاه الله ، بحيث بدا إما أفكارا طوباوية وتصورات رومانسية جميلة غير قابلة للتطبيق بسبب مخالفتها لواقع الحياة المعاصرة ، وإما أوامر ونواهيَ كثيرة لا حصر لها تحيل حياة المسلم شظفا ونكدا وشقاء.

ولما كان أكثر جمهور هؤلاء الفقهاء والدعاة هم من عوام المسلمين من أنصاف المتعلمين والبُله والسذج والقواعد من الرجال والنساء والولدان ، فإن هذا يؤكد مدى محنة المسلمين وترديهم في مهاوي التخلف والجهل.

إن الخطاب الفكري السائد في كتابات وأدبيات الثقافة العربية المعاصرة يرجع سبب تأخر العرب والمسلمين إلى حكامهم ، وهو قول صائب لا مراء فيه ، لكنه يخفي الوجه الآخر من الحقيقة ، ذلك أن المتأمل في طبيعة وحياة العرب والمسلمين منذ قرون لا بد له أن يقتنع بأن سبب تأخرهم يعود إلى الطغاة من الحكام والفقهاء معا ، ويعلم الله وحده كم من بلاد عربية مسلمة نكبت بفقهاء سيطروا بفتواهم على الراعي والرعية معا ، ولعل دولة السعودية هي أبرز مثال على ما نقول ، فحكام هذا البلد منحوا حرية الكلام والدعوة والفتوى لكل من أطال لحيته وكوَّر عمامته أو شماغه ، لذلك أخذ جيش من الفقهاء والدعاة يكتسحون مساجد السعودية وساحاتها وإذاعاتها وفضائياتها الداخلية والخارجية وصحفها وباتوا يثرثرون صباح مساء في كل قضايا الوجود العيني والغيبي، يحدثون الناس باسم الله ، ويتولون توجيههم وترغيبهم في الجنة الموعودة وتحذيرهم من الوقوع في ضحضاح من نار ، إلى أن وقعت الطامة الكبرى يوم 11 سبتمبر وما تلاها من أحداث إرهابية مروعة زلزلت أمن واستقرار السعودية، إذ تبين أن المشاركين في تلك الأحداث هم تلاميذ ومريدو الفقهاء والدعاة ، حينها فقط انتبه حكام السعودية إلى خطورة ما هم فيه ، فشرعوا في التضييق على الكثير من فقهائهم ودعاتهم وحبسهم ومنعهم من التدريس والفتيا ، لأنهم اكتشفوا أنهم لم يغرسوا في عقول مريديهم سوى الدروشة والتطرف والتفكير الإرهابي وكراهية الآخر.

وبالطبع ليست السعودية وحدها هي من نُكبت بالفقهاء والدعاة ، فكثير من الدول العربية والإسلامية لم يسلم من سوء دروسهم وفتاواهم وسيطرتهم على عقول العامة ، فما حدث في مصر والجزائر والمغرب والأردن واليمن وباكستان وأفغانستان وأندونسيا من جرائم إرهابية ليس ببعيد .
قلما يخلو الآن أي منبر إعلامي على اتساع رقعة الوطن العربي من شيخ معمم أو( مشمغ ) أو شيخة تبدو في هيئة خيمة سوداء،
ولقد صُعقتُ منذ فترة وأنا أتابع في إحدى القنوات الإعلامية الليبية برنامجا دينيا استضاف شابا لمَّا يتجاوز العقد الثالث من عمره ، ويبدو من مظهره أن عليه سمت الشيوخ ( لحية ـ جبة ـ طاقية رأس ـ صوت منخفض ) ، وما أثارني بل استفزني أن هذا الشيخ الصغير قد جادل وأفتى في كل قضية طرحها عليه مقدم البرنامج والمشاهدون ومنها : إزالة شعر الإبطين والعانة ـ كثرة التثاؤب أثناء الصلاة ـ رؤية الله يوم القيامة ـ عذاب القبر ـ اختلاط المرأة بالرجل في العمل ، الحفاظ على البنية التحتية للدولة ـ شغب الملاعب الرياضية ـ الوقاية من مرض انفلونزا الخنازيرـ إشكاليات التغيرات المناخية ، وغيرها من القضايا التي يتواضع أهل الاختصاص من الجدل والبث فيها برأي قاطع.

وفي محطة تبث من الخليج العربي شاهدت إحدى الداعيات المكفَّنات بسواد الحجاب والنقاب تتوعد طفلات محجبات لم تتجاوز أعمارهن بحسب تقديري الثامنة أو التاسعة بالغسلين والنار إنْ تكاسلن يوما عن أداء الصلاة في وقتها ، وما فعلته هذه الداعية الحمقاء بالطفلات يندرج لعمري تحت مسمى العدوان على الطفولة والإرهاب الفكري ، وهي بحسب شرعة الأمم المتحضرة جرائم يعاقب عليها القانون الدولي .
والأمثلة على ما يفعله وكلاء الله في عقول خلق الله لا تعد ولا تحصى ، إذ اعتاد كثير من فقهاء ودعاة العصر أن يجيبوا إذا سئلوا أمام الملأ عن أية قضية أو موضوع بغض النظر عن صلته بالدين أو عدم صلته ، فقد وقر في عقولهم المستنسخة أن كل شيء في الوجود دون استثناء يمكن الإفتاء فيه والحكم فيه بما أنزل الله .

وليت شعري ما عسى هذا الفقيه أو ذاك أن يفعل إذا سُئل مثلا عن حكم مشاهدة الأفلام ، أو سماع الأغاني ، أو التصوير وصناعة التماثيل أو غيرها من هذه القضايا التي باتت تشغل عقول البسطاء والسذج في هذه الأيام سوى أن يكرع ويجتر من مدونة السلف الصالح أقوالا وآراء بعضها يضرب بعناق بعض ، ويختار من بينها أعسر الآراء وأبعدها عن روح الشريعة ومقاصدها ، فيقول بعد الاستعاذة والحوقلة والبسملة : مشاهدة الأفلام وسماع الأغاني والتصوير وصناعة التماثيل حرام حرام حرام ، ثم يختم فتواه بقوله : ( والله أعلم) ليكشف عن إفلاسه وليزيد من يستمع إليه أو يقرأ له اضطرابا وتشويش،

ولو أن الناطقين باسم الله أوتوا الحكمة لصرفوا الناس عن الخوض في مثل هذه القضايا التي لا تعد من جوهر الدين ولا أصلا من أصوله ، ولو امتلكوا قدرا من فضيلة التواضع وأجابوا كلما سئلوا بقولهم : (الله أعلم ) ، لكان خيرا لهم ولعامة المسلمين ، ولكن حب الوجاهة واشتهاء الصيت والمكانة الاجتماعية والولع بادعاء العلم هو الذي يدفعهم إلى الخوض والإفتاء في كل قضية .

لم يتورع أكثر فقهاء الإسلام في هذا العصر عن التدخل في كل كبيرة وصغيرة في حياة المسلم ، في أكله وشربه ومنامه وحركاته وسكناته وكلامه وصمته وآرائه وأفكاره ومشاعره ، حتى أحالوا حياة كل من انخدع بهم إلى جحيم وهلوسة ودروشة وإسفاف ، يمكن رصد مظاهره من خلال الأسئلة التي يوجهها العوام والخواص معا إلى هؤلاء الفقهاء ، ومن بين هذه الأسئلة:

– هل تجوز الصلاة فوق خزان للمجاري ؟ .

– هل يعيد المسلم صلاته إذا حك عضوا من أعضائه أكثر من ثلاث مرات ؟

– هل يعيد وضوءه من أكل لحم الإبل ؟ .

– هل يقبل الله الأضحية إذا تبين بعد ذبحها أن أمعاءها متورمة ؟ .

– هل رجوع جزء من القيء يبطل الصيام ؟

– هل يُعد استنشاق مسحوق الفاكهة دون قصد مفسدا للصوم؟ .

– هل يعد التبول وقوفا مكروها وتشبها بأفعال الكفار ؟ .

– هل يجوز للمسلم أن يقبل هدية من المسيحي واليهودي ؟ .

– هل يدخل الجنة من لا لحية له ؟ .

– هل يُعد أكل الطعام على الطاولة بأكثر من ثلاثة أصابع بدعة ؟

– هل تأثم المرأة إذا خلعت ثيابها أمام كلب ذكر ؟ .

– هل يَكفر من لا يُكفِّر المشرك ؟

أنا أتفهم أن يسأل المسلم مثلا عن نصاب الزكاة في المزروعات أو الحيوانات، أو يسأل عن كيفية أداء شعيرة الحج ، لكن ما لا أفهمه ولا أستسيغه ولا أرتضيه لأي إنسان عاقل سويِّ المدارك أن يسأل مثل هذه الأسئلة السخيفة التي لو تدبر عاقل في شرعيتها ومنطقيتها لاكتشف أنها ليست دليلا على حرص سائليها على مرضاة الله ، بل دليل على فساد عقولهم وفساد تصورهم لحقيقة الله خالقهم جل شأنه ، ولا شك إن المتحدثين باسم الله من فقهاء ودعاة هم المسؤولون الأُوَل عن تشويه صورة الخالق في أذهان خلقه ، وعن شيوع بلاهة وسفاهة التفكير الديني بين جمهور المسلمين، وإلا كيف يتأتى لذي عقل أن يفكر هذا التفكير الساذج ويسأل هذه الأسئلة السمجة لولا أن هناك من استخف بعقله وشلَّ تفكيره، حتى جعله يتصور ويصدق بسذاجة أن الله بعظمته وجلاله ينزل ـ سبحانه ـ منازل الهبل ويفعل أفعال رجال المخابرات ، يتعقب عباده ويرصد لهم كل مرصد حتى يقعوا في قبضته ، فيعاقب منهم الذي يتبول واقفا ، أو الذي يكثر من الحك أثناء الصلاة ، أو الذي يقبل هدية ممن يخالفه في الدين ، أو التي تخلع ثيابها أمام كلب ذكر؟.
من هنا ندرك حقيقة مؤلمة لا مجال إلى إخفائها وهي أن إفساد عقول عوام المسلمين إنما هو حصاد دروس وفتاوى فقهائهم الذين شغلوهم عن واقعهم المزري وما هم فيه من تخلف وجهل فاضح ، بحيث بات المسلم أضحوكة بين شعوب الأرض ، بانشغاله بسفاسف الأمور ومضحكاتها ، وانصرافه عن علوم العصر، وقديما انتبه الشاعر المتنبي إلى ما آل إليه جهل المسلمين بدينهم وواقعهم ، فقال بيته الشهير الذي يتهكم فيه عمن يسأل عن حكم إحفاء الشارب :

– أغاية الدين أن تحفوا شواربكم — يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

لم يترك أكثر الفقهاء في هذا العصر كبيرة ولا صغيرة من شؤون الإنسان إلا حشروا فيها أنفسهم ، وأفتوا فيها بفتاوى ، فهم تدخلوا في علوم الطب والصيدلة والتجارة والهندسة والفلك والحيوان والأدب والتاريخ والعادات والتقاليد ، وملؤوا الفضائيات والكتب المصنفة بثرثرة قل نظيرها ، حتى خيل للعوام والبسطاء من المسلمين أن على المسلم أن يتعلم كيف يأكل على الطريقة الإسلامية ؟ وكيف ينام ؟ وكيف يتبول ؟ وكيف يدخل دورة المياه ؟ وكيف يضاجع زوجته ؟ وكيف يتثاءب ؟ وكيف يركب البغل أو الطائرة ؟ وكيف يقرأ ؟ وماذا يقرأ ؟ وبماذا يدعو ربه حين يقف ، وحين يجلس ، وحين يمشي، وحين ينام ، وحين يستيقظ من النوم ، وحين يدخل الحمام ، وحين يخرج منه ، وحين يتهيأ للسفر ، وحين العودة منه ، وحين تعرض له الرياح والزلازل والبراكين والأمطار والعواصف ….الخ .

إن هذا الصنف من الفقهاء يريد من مليار ومئتي مسلم أن يكونوا على هيئة رجل واحد في كل شيء ، وهم في نظرهم أن المسلم الحقيقي الساعي إلى رضى الله سبحانه وتعالى هو من يتبع ما فعله السلف الصالح ، وهذا يعني أنهم يتصورون إن استنساخ حياة السلف الصالح الذي عاش في القرن السابع الميلادي هو أفضل طريقة لتربية نشء ملتزم بشريعة الإسلام .

أكرر القول إن المسلم في غنى عن مثل هؤلاء الفقهاء ومن لفَّ لفهم من الدعاة والوعاظ ، وأنه سيكون بألف خير إذا ما أعرض عما يقولون وامتلك زمام نفسه ووثق في ذاته وفي عدالة ورحمة خالقه ، وإذا أراد المسلمون النهضة والقوة والمشاركة في الانجازات الحضارية المعاصرة ، فليصموا آذانهم عن ثرثرة فقهائهم ودعاتهم ، إذ ليس من المعقول أن يلغي الإنسان عقله ويسلِّم نفسه طواعية إلى فقيه مغيب العقل والتفكير ليفتي له في أشياء المسؤول عنها ليس بأعلم من السائل ، وليعلِّمه بدائه الأشياء المتعارف عليها بين البشر كافة .

إنني أتألم كثيرا حين أرى عددا من شباب المسلمين يضيعون أوقاتهم مع هؤلاء الفقهاء بالسؤال عن كذا وكذا من أمور الحياة ، لكأنهم أطفال في دور الحضانة يتدربون على نطق الحروف .
إن الإدمان على مجالسة ومتابعة دروس الفقهاء والدعاة لن تنتج إلا وجع الدماغ وكسل العقل وبلادة الحس ، واعتقد أن لا أحد يصدقهم ويثق بهم سوى جاهل أحمق ، أو إنسان لا يستلذ الحياة إلا إذا كان عبدا مأمورا .

– د/عادل بشير الصاري ـ جامعة المرقب ( ليبيا )

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق