إسماعيل كاداريه: فضل الأدب في أن يَهَبَنا عالما آخر

إسماعيل كاداريه أحد أكبر الروائيّين المعاصرين، مثّلت تجربته تحت الديكتاتوريّة والقمع في ألبانيا مادّة لمدوّنة غزيرة. ” لقد أنقذني الأدب ” هذا ما يقوله، باستمرار، فهل يعني ذلك أنّ النصوص الأدبيّة الكبرى يمكن أن تغيّر العالم؟

{{>المجلّة: في هذا العدد الخاصّ بالنصوص التي غيّرت العالم لم نُدرجْ نصوصا أدبيّةً. فهل أخطأنا؟}}

>إسماعيل كاداريه: ليس من هَمّ الأدب تغيير العالم ! الأدب يمتح، بلا شكّ، من الحياة أو إنّه يمتح من نسغٍ فيها، ولذلك، تفلت منه، أحيانا، أحداثٌ على غاية من الأهمّية. في القرن الخامس عشر اكتشف كريستوف كولومبس القارّة الأمريكيّة، وعندما كتب سرفانتس، بعد وقت قليل، روايته الأشهر لم يحتفظ بسطر واحد حول هذا الاكتشاف الكبير، وخيّر أن يحكيَ رحلة دون كيشوت الخياليّة ! في إطار التاريخ العامّ، فإنّ رحلة كريستوف كولومبس، بلا ريب، هي الأهمّ. أمّا في الأدب، فإنّ رحلة دون كيشوت، بغضّ النظر عن نفعها العمليّ، هي الأساسيّة. إليك إعلان حقوق الإنسان. إنّه حدثٌ جوهريّ بالنسبة إلى الإنسانيّة. ولكنّه يبقى خارج اهتمامات الأدب، إذا استثنينا أسطرا معدودات أو مادّة أوليّة لمحاورة روائيّة. الأدب يهتمّ بما سمّيته ” التاريخ السرّيّ للإنسانيّة”. بالنسبة إلى الأدب، فإنّ مولد الندم الذي يستحيل التأريخ له أكثر أهمّية من اختراع المحركات البخاريّة ! الأدب والتاريخ ينتميان إلى زمنيّتيْن مختلفتيْن. إنّ الآثار الأدبيّة لا تغيّر العالم لأنّها، إذا اصطدمت بالواقع، لا تستطيع تحمّل ذلك. الأدب قوّة روحيّة ليست لها وسائل مواجهة عنيفة شاملة. حينما يواجه الأدب الواقعَ يحتكم الأدب إلى خطّة تقوم على استدراج الواقع إلى أرض الروح، الساحة الوحيدة التي يمكن للأدب أنْ يقاتل فيها بندّية.

{{>لا تؤمنون، إذن، بأنّ الأدب قادر على التأثير في حركة التاريخ؟}}

>إنّ أثر الأدب، إنْ وُجد، فعّال على المدى البعيد، ولكنّه مستتر. يختلف هذا الأثر باختلاف العصور. في الماضي، كان المسرح وعيَ المدينة، وانبنى هذا الوعي في الملعب والساحة العموميّة وفي الفرجة. لا يمكن أن نتصوّر الحضارة الإغريقيّة بلا مسرح. أمّا اليوم، فإنّ ساحة الأدب والرواية بخاصّة أكثر هامشيّة، بل إنّ أفلاطون ذهب إلى أنّ الأدب ليس حاجة ماسّة. طبعا، لا يمكن أن نوافقه، فمن الصعب أن نتصوّر العالم بلا أدب. إنّ الأدب ثراء كبير لا نعرف ما نصنع به…كلّ الكتّاب الكبار والفلاسفة والموسيقييّن لهم قدرة على إيهامنا بأنّهم ضروريّون لأنّ لديهم شيئا مّا من الفتنة لا يمكن الإمساك به…

{{>سنة 1958 حاز الكاتب بورس باسترناك Boris Pasternak صاحب ” الدكتور جيفاكو ” Docteur Jivago جائزة نوبل، ولكنْ، بسبب مواقفه السياسيّة، لم تأذن له السلطات السوفييتيّة بالمغادرة لكيْ يتسلّم هذه الجائزة. بعد عشرين عاما، استعدتَ هذا الحدثَ في ” غروب آلهة الفلاة ” le crépuscule des dieux de la steppe. هل تعتقدون أنّ الكتّاب مثل باسترناك أسهموا في سقوط الإمبراطوريّة السوفييتيّة؟}}

>بالفعل. ولكنّ ذلك محضُ مصادفة بين الفترة التي كتبوا فيها وبين هشاشة النظام. لقد مثّلت قضيّة باسترناك، لأسابيع، زلزالا في عموم العالم الشيوعيّ، غير أنّ ” الأرواح الميّتة ” رائعة غوغول Gogol تعدّ أثرا أدبيّا أرقى من ” الدكتور جيفاقو “. إنّها فنّ أكثر نقاء وقصّة أبهى وأغنى. ورغم أنّ فعلها كان طويل المدى فلم يبلغ إلاّ الدوائر الأرستقراطيّة. ويمكن أن نقول إنّ قسما من ثراء الأدب يبقى في الدوائر الضيّقة. يحتاج الأدب أنْ يغتذيَ من ذاته ويُهدر جزءا من ثرائه الذي يحتاجه العالم. لذلك، فإنّ الأدب لا يستهدف إلاّ قلّة من الناس، فيما الكثرة عنه لاهية. الأدب، لكي لا يتناقض مع ذاته، ينبغي أنْ يكون نخبويّا سلاليّا ملكيّا وليس ديمقراطيّا بأيّة حال !

{{>ولكنْ هل يصمد الكاتب طويلا في وجه الديكتاتوريّة؟}}

الأرجح أنْ تسحقه الديكتاتوريّة ! بيد أنّه يستطيع، ولكن نادرا أيضا، أنْ يسهم هو في سحق الديكتاتوريّة. بين الحالتيْن درجات. لكيْ تُسحق السلطة ينبغي أن لا تُحمل على محمل الجدّ. هذا هيّن في مستوى الأقوال ! أنْ لا تُحمل السلطةُ على محمل الجدّ يعني أنْ لا يُحملَ شطرٌ من شعبك، وأحيانا الشطر الأكبر منه على محمل الجدّ. أنْ تحيى في بلد ديكتاتوريّ هو أنْ تقع بين البدائيّين والمتوحّشين ! عندما تنجو بنفسك من بينهم يسألونك: لم فعلت هذا وليس ذاك؟ وينسون أنّك قادمٌ من مكان ينعدم فيه المنطق. بين المتوحّشين لك أن تضع ريشة حمراء على يمين الوجه وريشة زرقاء على الشمال. هذا قد يدفعك إلى الضحك. ولكنّك إنْ أنت قلبتَ نظام وضع الريش صرْتَ مُدانا.
ذلك هو المنطق الذي يمكن أن يواجهه الكاتب تحت نير الديكتاتوريّة. لقد كانت الشيوعيّة أشدَّ على الكُتّاب من النازيّة. لم يكن للنازيّين متّسع من الوقت أمامهم، فدمّروا ما أمكن لهم في وتيرة متسارعة. غير أنّ الديكتاتوريّات الشيوعيّة كانت أكثر منهجيّة في التدمير لأنّها تمتّعت بسبعين عاما…أي بخمسة أضعاف النازيّة ! كان الشيوعيّون على وعي بأنّ الأدب غير قابل للتدمير. يمكن أنْ يُحَدَّ منه بالقمع أو السجن، ولكنّ القضاء عليه قضاء مبرما غير ممكن. فتفطّنوا إلى أنّ الطريقة المثلى لتدمير الأدب تتمثّل في خلق الكاتب المدمّر، ذلك الذي يغتال صفحاته الخاصّة أفضل ممّا يمكن أن يصنعه جلاّد أو قاض. في موسكو، كان معهد غوركي حيث درستُ ووصفت في “غروب آلهة الفلاة ” مصنعا حقيقيّا يخرّج كتّابا على نمط ” الواقعيّة الاشتراكيّة”.

{{>وكانت الثورة الثقافيّة عنوان تلك الطريقة..}}

>أجلْ. ولقد شهدتُ المرحلة الأخيرة من ذلك التدمير. نجحت الصين، لأوّل مرّة في التاريخ، في تغييب الأدب تغييبا كاملا. بعدها كان الجدب. لم يحدثْ شيءٌ مدّة أربعين عامًا ! إلى اليوم، لم تُسَوّ تلك الوضعيّة. لم تقع إدانة الصين، قطّ، من أجل الثورة الثقافيّة ومن أجل آلاف الكتّاب المفقودين والمقتولين والمعذّبين أو الذين تحوّلوا إلى مجانين. جرائم تُترك بلا عقاب، وهي تتكرّر، إلى اليوم، في لبوس آخر كما يحصل في التيبت التي تمثّل تراثا للإنسانيّة.

{{>يبدو أنّك تؤمن بأنّ الأدب عاجز رغم أنّك كتبتَ فيه ورغم أنّه هو الذي وهبك وسائل حرّيتك؟}}

>حقّا. إنّ الأدب هو الذي قادني إلى الحرّية. حدث كلّ ذلك بطريقة عفويّة وطبيعيّة جدّا مثل حليب أمّي. كيف نفهم ما تعني الحرّية في سنّ السابعة عشرة أو الثامنة عشرة في إمبراطوريّة شيوعيّة؟ لم نكن نعرف أيّ شيء آخر في إمبراطوريّة كانت شديدة الاتّساع وتستعمل ذلك الفضاء الشاسع الذي يصل إلى القطب الشماليّ لسحق الشعوب. عندما كنت صغيرا، لم أكنْ أتصوّر عالما آخر غير العالم الشيوعيّ. لحسن الحظّ، اكتشفت مبكّرا شكسبير وهوميروس. كانت أحداث ألسونير Elseneur ( المدينة الدانمركية التي تقع فيها أحداث هملت لشكسبير) أو أحداث طروادة تثيرني أكثر من حياتي اليوميّة…بعد ذلك، اكتشفتُ المآسي الإغريقيّة وخصوصا أخيل Eschyle، تلك المآسي التي ساعدتني على فهم ماذا يعني أن أعيش في ألبانيا. في الأوقات القاسية، يكتسب العصر الإغريقيّ راهنيّة لأنّ تلك المآسي، ورغم أنّها أُلّفت في ظلّ ديمقراطيّة مّا، كانت استشرافا لأعتى الديكتاتوريّات في قرننا هذا.

{{>تقول إنّ الأدب لا يغيّر العالم، ولكنْ ألست ترى، أيضا، أنّه ترياقٌ ضدّ رعب الواقع؟}}

>فضلُ الأدب في أنّه يهبنا عالما آخر. نحن بحاجة إلى نظرة أخرى وسط الضباب. يزعُم بعضهم، أحيانا، أنّ الأدب القديم جنح إلى الأسطورة لأنّ معارف الإنسان كانت حينها محدودة، وهو ما يفسّر لمَ كان الاحتماء بالآلهة. ولكنْ مهما يكن العصر، فإنّ ذلك الجنوح يبقى حاجة جينيّة للإنسانيّة لا ترتبط بتطوّر المعرفة والتقنية…إنّ الإنسانيّة بحاجة إلى أساطير. هي بحاجة، أحيانا، إلى حجب الواقع لكيْ تحتميَ مثلما يضع المرء، في الشاطئ، طلاء للوجه توقّيا من أشعّة الشمس. لقد بدأ الفنّ، منذ القديم مع القناع، لأنّ الجمهور، في المسرح، لا يحتمل رؤية الوجه الإنسانيّ مكشوفا ولا الصوت الإنساني غير المموّه.
إنّها مفارقة. نحن، في الآن نفسه، ظمأى إلى الحقيقة وظمأى، باسم حقيقة أكبر، إلى ” لاحقيقة ” الفنّ !

Propos recueillis par Sophie Pujas

Le Point {Hors-série} Les textes qui ont changé le monde

{{Juin, Juillet 2008}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق