إشكاليات التحديث العربي

واجهت الجهود العربية التحديثية الكثير من الإشكاليات والتحديات جعلت محصلتها محدودة، رغم أن بعض هذه الجهود يرجع إلى العقود الأولى من القرن العشرين، بل إن بعضها يرجع إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تجربة محمد على في مصر خير شاهد على ذلك. هذه التحديات كانت داخلية بقدر ما كانت خارجية.

لقد كانت التحديات الداخلية هائلة لهذه التجارب ولا يفوقها إلا التحديات الخارجية بعد أن أصبح العالم العربي بؤرة مركزية للصراع والاستقطاب الدولي في سنوات الحرب الباردة، وبعد أن أصبح مركز انطلاق مشروع الشرق الأوسط الكبير الأميركي في مرحلة الاندفاع الإمبراطوري الأميركي، لكن رغم كل مخاطر تلك التحديات، كان يمكن لبعض تلك التجارب أن تحقق نجاحات تفوق بكثير ذلك القدر المحدود الذي نشهده الآن لسبب رئيسي هو غياب نظرية عربية للتحديث تتجسد في مشروع تحديثي عربي له أبعاده الحضارية والنهضوية، ويعبر عن آمال وطموحات شعوب المنطقة في حياة كريمة ومكانة تتوافق مع ما يعتقدونه حقاً مشروعاً لهم بين الأمم والشعوب.

فبينما يتفق معظم الخبراء والباحثين العرب على أن المجتمعات العربية، هي كغيرها من مجتمعات العالم الثالث، التي تواجه مشاكل وقضايا التخلف وتطمح إلى التحديث، تعيش في مرحلة انتقال Transistion، فإن هدف مرحلة الانتقال هذه، أو الانتقال إلى ماذا؟ ظل غائباً بسبب غلبة المنظور الأيديولوجي على تلك التجارب التحديثية العربية وانقسامها بين مقولات ومفاهيم مدرستين متناقضتين في فهمهما لطبيعة وأسباب عملية التخلف، وفي فهمهما للشروط الضرورية للتحديث والأساليب المختلفة لتحقيقه، وهما المدرسة التطورية المحافظة، والمدرسة التاريخية البنائية باتجاهاتهما ومفاهيمهما المتعددة. لكن الأخطر أن معظم تجارب التحديث العربية كانت تعتمد على نظرة انتقائية مشوهة في تعاملها مع مفاهيم أي من هاتين المدرستين، الأمر الذي عرض أغلبها لعمليات انتكاسية لمحاولاتها التحديثية، وهذا كله لم يحل فقط دون التوصل إلى نظرية عربية تحديثية تكون أساساً لمشروع تحديثي عربي مستقبلي، بل حال أيضاً دون تحقيق تراكم تحديثي معتبر يمكن البناء عليه بثقة في أي مشروع تحديثي مستقبلي.

وإذا كنا نعتقد بأن أولى خطوات مشروع تحديثي عربي له أبعاده الحضارية والنهضوية هي التوافق حول نظرية عربية للتحديث، فإن التوصل إلى مثل هذه النظرية يستلزم إجراء تحليل نقدي ومقارن لأهم مقولات تلك المدرستين الرئيسيتين في التحديث: المدرسة التطورية المحافظة والمدرسة التاريخية البنائية، يمكن من خلاله البناء لأسس وقواعد متينة لنظرية تحديثية عربية.

بالنسبة للمدرسة التطورية المحافظة نجد أن الاتجاهات التي تعبر عن هذه المدرسة تمتد إلى فلسفة التنوير، ويهتم أصحابها أساساً بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي مرت بها المجتمعات الأوروبية خلال القرن التاسع عشر نتيجة لانهيار الإقطاع ونمو التجارة وانتشار البروتستانتينية، وأخيراً ظهور الصناعة. ولقد اهتم كثير من أصحاب هذه الاتجاهات بإقامة نماذج مثالية تعكس خصائص المجتمع العصري (الأوروبي) ونماذج مقابلة تعبر عن سمات المجتمع التقليدي (غير الأوروبي).

وتستند وجهات نظر أصحاب هذه المدرسة في كيفية تحديث المجتمعات المتخلفة على أساس اعتبار أن التخلف يعني ببساطة مرحلة في الطريق، الطويل نسبياً، إلى التنمية، وأنه في نهاية هذه الطريق يقع مجتمع الوفرة الذي تشبع في أكثر الحاجات إلحاحاً. ويكون العمل المطلوب لذلك هو تدبير وتنمية التأييد السياسي لسلسلة من الخطوات التي سوف تنتج عنها حركة نشطة للمجتمع في الاتجاه المرغوب، معنى ذلك أن عملية التحديث المطلوبة في المجتمعات المتخلفة يمكن أن تحدث إذا ما أجريت الإصلاحات الضرورية داخلياً.

هذا الفهم يعني أن التخلف يكمن أساساً في الواقع المحلي لتلك المجتمعات، وأنه نتاج لذلك الواقع، وأنه بمجرد إجراء مجموعة معينة من الإصلاحات والتغييرات يمكن أن تتخلص هذه المجتمعات من التخلف وتنطلق في اتجاه التحديث، هذا الفهم يرتب نتيجتين في غاية الخطورة والأهمية: الأولى، إن التخلف مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي، وإن المجتمعات المتخلفة عليها أن تسعى للوصول إلى مرحلة أكثر رقياً مما هي عليه الآن. والثانية، إن المجتمعات المتخلفة هي المسئولة أولاً وأخيراً عن هذا التخلف لأنه تعبير عن واقعها المحلي، ومن ثم عليها أن تبدأ في تغيير ذلك الواقع وتحديثه.

وفي هذا الفهم تتعدد أسباب التخلف كما يراها أصحاب هذه الاتجاهات التي تنتمي إلى المدرسة التطورية المحافظة. فهناك اتجاه يرجع التخلف إلى ثلاثة أسباب: أولها، إن المجتمعات المتخلفة تنمو بتكنولوجيا محدودة، وتركز أنشطتها الاقتصادية في جانب واحد هو الزراعة، حيث تمثل ملكية الأرض وإدارتها عاملاً مهماً في اكتساب المكانة الاجتماعية والنفوذ السياسي.

وثانيها، أن تخلف نمط العلاقات الاجتماعية، حيث يقوم على أساس الروابط العائلية والعشائرية، وحيث تسود روح القدرية والتواكلية والسلبية.

وثالثها، أن الطبيعة المتخلفة لتكوين تلك المجتمعات، التي تتكون عادة من قبائل بدائية في مناطق محدودة، قائمة على أساس الاكتفاء الذاتي.

ويتطلب التحديث بناءً على ذلك عدة أمور ضرورية أهمها: التكوين الرأسمالي، والتقدم العلمي والتكنولوجي، والتعليم الكافي، وكفاية الإنتاج، ووفرة المواد الخام اللازمة للصناعة، ويؤكد “سبنجلر” على أن التحديث سيستمر طالما كانت هذه العوامل في حالة نمو دائم ومستمر يفوق في معدله سرعة النمو السكاني، كما يتطلب أيضاً التخلص من المعوقات التقليدية، وبخاصة الحكومات الضعيفة، والافتقار إلى وسائل الاتصال والمواصلات ونظام التفكير والبيروقراطية المعادية للتغيير.

أما بالنسبة لكيفية تحديث تلك المجتمعات، فيشير مارون وينر Myron Weiner إلى وجود أسلوبين أساسيين لتحقيق ذلك: الأول، يركز على تحديث قيم واتجاهات الأفراد كضرورة للتحديث عن طريق التخلص من القيم التقليدية السائدة مثل الخصوصية العائلية، والقدرية، والتكاسل، وإرجاء العمل.. وغيرها.. أي تحديث سلوك واتجاهات الأفراد. والثاني، يركز على تحديث المجتمعات حيث يرى أن تحديث القيم والاتجاهات، كشرط لخلق مجتمع عصري اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، ليس كافياً. وأبرز أصحاب هذا الأسلوب من الاقتصاديين الذين يرجعون حالة التخلف إلى وجود المؤسسات المعوقة للأنشطة الإنتاجية في العديد من الدول النامية، ويرى العديد من الاقتصاديين أن الإطار المؤسسي هو الذي يمد المجتمع بالفرص والبواعث التي تجعل عملية التحديث ممكنة.

هذا الاتجاه يجد تأييداً لدى بعض علماء السياسة لتفسير التغيرات في السلوك السياسى. ويتحدى بعض هؤلاء العلماء ما يروجه السيكولوجيون بأن خلق وإنشاء نظام ديمقراطي فعال يفترض مقدماً وجود نظام من القيم الديمقراطية. علماء السياسة هؤلاء يرون عكس ذلك ويقولون إنه من الممكن إقامة نظام ديمقراطي دون وجود مسبق للقيم الديمقراطية. إذ إن هذا الإطار المؤسسي سوف يخلق القيم الديمقراطية ويشيعها في المجتمع بما يتيحه من فرص واسعة للمناقشات الرشيدة، وبما يتيحه من فرص لتأسيس الأحزاب والنقابات والصحافة الحرة وكافة أشكال التأثير في صنع القرار السياسي وفي تغيير صانعي هذا القرار.

ويمكن فهم عملية التحديث طبقاً لاتجاهات هذه المدرسة التطورية المحافظة بأنه “التحرك نحو مجتمع عصري يتصف بقدرة فائقة على التحكم والتأثير في الظروف الصعبة”، فالتحديث إذن عملية Process تقوم على الاستخدام الرشيد للموارد وتهدف إلى بناء مجتمع عصري Modern، والمجتمع العصري يتصف باستخدام التكنولوجيا (كما تتمثل في التحكم بالبيئة واستغلال الطاقات المعطلة)، وبالتواصل الاجتماعي والتحضر ومحو الأمية والحراك الاجتماعي والعديد من الأمور الأخرى وخاصة ضرورة إحساس الشعب بهوية قومية تعطيه انتماءه بتاريخه وأرضه وتراثه، وبالتكامل الاجتماعي بأن تصبح الوحدات الاجتماعية القديمة (القبيلة والطبقة والقرية) تابعة للمجتمع القومى. فليس من الضروري أن يؤدي قيام المجتمع القومي إلى تدمير هذه الوحدات الاجتماعية التقليدية، ولكنها يجب أن تفقد الكثير من وظائفها. بعبارة أخرى فإن عملية التحديث تعني تحطيم المجتمع التقليدي باعتبار ذلك خطوة من خطوات التغيير المطلوب إحداثه.

وتختلف المدرسة التاريخية البنائية في مفاهيمها التحديثية مع الفرضيات والمقولات الأساسية الواردة في مجمل الاتجاهات المعبرة عن المدرسة التطورية المحافظة، فهي ترى أن قضية التخلف لا ترجع أساساً لأسباب داخلية ذاتية فقط، ولكنها ترتبط أيضاً بالظروف الدولية التي عاشتها هذه المجتمعات في ظل الحقبة الاستعمارية، حيث تعرضت إلى عمليات نهب مستمرة لتراثها، وحيث خضعت لعلاقات هيمنة وسيطرة شاملة أدت إلى تشويه البنية الداخلية على كافة المستويات. ويشكك أصحاب هذه المدرسة في أهم فرضيات المدرسة التطورية المحافظة وبالذات فرضية النظر إلى التحديث كعملية تطورية، وإلى الطابع الانتشاري للعملية التحديثية المتمثل في تصوير عملية التحديث على أنها تكمن في انتشار ونقل المفاهيم والقيم المادية والتنظيمية والثقافية المعبرة عن التقدم الأوروبي الغربي إلى المجتمعات المتخلفة.

فأصحاب المدرسة التاريخية البنائية الشاملة يعتبرون أن الأخذ بفرضية التطور التحديثي يعني التسليم بتأكيد الطابع التقليدي للمجتمعات المتخلفة، والتسليم بفرضية تحميل هذه المجتمعات– وحدها– مسؤولية تخلفها، وتجاهل الدور التاريخي الذي قامت به الدول الغربية الاستعمارية من تخريب ونهب لهذه المجتمعات، فضلاً عن أنه يتضمن استبعاد، بل وإنكار، دور وأهمية الثورة. ولقد ترتب على هذه الرؤية الخاصة في تفسير أسباب التخلف رفض للمقولة الأساسية الثانية للمدرسة التطورية البنائية الخاصة بالتعويل على أهمية انتشار المفاهيم والنظم الرأسمالية في المجتمعات المتخلفة لإنجاح عملية التحديث المطلوبة، كما ترتب عليها أيضاً رفض النظرية التطورية للتحديث، فالاتجاه السائد لدى كتاب المدرسة التاريخية البنائية وبالذات كتاب التبعية هو رفض الاتجاه التدريجي في تحديث المجتمعات المتخلفة، والميل إلى تأييد الاتجاهات الثورية. فقد رفض بول باران النزعة التدريجية كوسيلة فعَّالة لإحداث التنمية والتحديث الاقتصادي في الدول المتخلفة لسببين: الأول، هو أن الزيادة الضئيلة في الدخل القومي سرعان ما تختفي بسبب الزيادة السريعة في عدد السكان. والثاني، تبديد الجماعات المسيطرة على مقاليد القوة في تلك البلاد للمصادر والثروات المختلفة، واستئثارهم بامتيازات خاصة مرتبطة بالاستثمارات الأجنبية، وفضلاً عن ذلك يرى بول باران أن الدول المتقدمة قد تتبنى استراتيجية لضمان استمرار تخلف الدول المتخلفة تقوم على تأييد ودعم الجماعات المحافظة والرجعية في الدول الأخيرة بما تقدمه لها من مساعدات اقتصادية وعسكرية.

وتتحقق هذه الشروط من وجهة نظره، بنجاح الثورات الوطنية الديمقراطية، فبدون تلك الثورات لا يمكن الوصول بالنضال من أجل الاستقلال إلى غايته، وبدونها تصطدم التنمية بعقبات اجتماعية وحضارية.

—————————————————

كاتب وباحث من مصر

نشرت في جريدة أوان الكويتية في 1-2-2008
 
 
 
 
 
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق