” إشكالية الانتقال الديمقراطي في المغرب والتجارب المقارنة: “البرتغال نموذجا “

” إشكالية الانتقال الديمقراطي في المغرب والتجارب المقارنة:

“البرتغال نموذجا ” منهجية الدراسة

تقديم عام

تستخدم عبارة الانتقال الديمقراطي في الأدبيات السياسية لوصف بلد يتخلى عن نظام حكم تسلطي ليدخل تدريجيا وبشكل سلمي في أغلب الحالات إلى تجربة جديدة تتسم ببناء منظومة حكم أكثر ديمقراطية.

ويجد مضمون عبارة الانتقال الديمقراطي ترجمته في مجموعة من الخصائص والمميزات ذات الطبيعة التجريبية الدالة بالملموس على تغيير فعلي في المؤسسات والقوانين وفي أساليب ممارسة السلطة وفي علاقات الحاكمين بالمحكومين ،وعلى توسيع نطاق المشاركة السياسية ومضاعفة مساءلة المسؤولين، وعلى إحداث آليات لتحسين إدارة الحكم وضمان الحقوق الأساسية للمواطنين دون تمييز.

وقد شهد الربع الأخير من القرن العشرين تجارب انتقالية محددة جغرافيا وإثنيا كالتحاق دول مثل اليونان وأسبانيا والبرتغال في منتصف السبعينات بالركب الديمقراطي الغربي. وانهيار جدار برلين لاحقا وما خلفه من دمقرطة لدول المعسكر الشرقي. و عاشت دول أمريكا اللاتينية بدورها انطلاقا من أواخر الثمانينات عملية انتقال حقيقية.

كل هاته التجارب حققت تراكمات إيجابية فيما يخص الدراسات والأبحاث حول تجارب الانتقال الديمقراطي وأصبح هناك علم يطلق عليه علم الانتقال، وذلك بالاعتماد على مؤشرات وبراديغمات تتخذ سياقات مختلفة.

حيث أصبحت الدراسات السياسية تميز داخل معادلة الانتقال الديمقراطي بين النظرية والبراديغم.

فالنظرية تحتضن آليات سياسية اقتصادية واجتماعية مختلفة الطروحات )التغيير السياسي والاجتماعي ـ التغيير الديمقراطي ـ مسلسل الدمقرطة ( بالإضافة إلى أن هناك مقاربات مختلفة توظف في دراسة الأنظمة السياسية، فمنها ما يعطي أهمية لدراسة الطبقات الاجتماعية والبنيات الاقتصادية ومركز الدولة في الاقتصاد العالمي، ومنها ما يركز على الجانب السوسيو- مؤسساتي لدراسة الأشكال السياسة الداخلية واستراتيجيات الفاعلين، بالإضافة إلى المقاربة التي تركز على دراسة الحركات الاجتماعية ودورها في مسلسل الانتقال.

أما براديغمات الانتقال فهي عبارة عن نماذج إرشادية تقدمها بعض التجارب في شكل وصفات )جنوب إفريقيا، البرازيل، اليونان، البرتغال، أسبانيا (هاته النماذج تختلف وفق أشكال متعددة:شكل يتجسد في حركة التغيير التي يمكن أن يعرفها النظام السياسي عن طريق انتخابات تعددية حرة ومنظمة متنوعة بتداول للسلطة بين النخب الفاعلة، وشكل يتعلق بالتغيير الذي يمس النظام السياسي عن طريق تقنية المؤتمرات الوطنية ويخص عادة التجارب التي شهدت قطيعة أدت إلى مواجهات بين الفاعلين ) تجارب إفريقية مثل الطوغو، بنين (… والذين استطاعوا في لحظة معينة أن ينتقلوا إلى نوع من المصالحة، وشكل سياسي يتم فيه الانتقال عبر التفاوض، أو ما يطلق عليه بالانتقال المتفاوض والمتمثل في قدرة السلطة السياسية العليا على إدارة مجموع مراحل مسلسل الانتقال عن طريق فرض أجندة انتخابية لا تترك وقتا كبيرا أمام المعارضة لإعادة ترتيب ذاتها، إضافة إلى أن السلطة السياسية تحافظ في كل مراحل هذا الانتقال على مراقبتها للدولة الإدارة وأدوات الوساطة، وشكل يتم فيه الانتقال بواسطة عقد امتياز سياسي موجه إلى الحركات الاجتماعية وهو ما يطلق عليه بالدمقرطة من الأعلى،وشكل يكون فيه الانتقال عن طريق تغيير في تدبير السياسات العمومية ) السياسات المالية، التعليمية، الإدارة، القضاء(…وهو ما يسمى بالبحث عن مداخل الانتقال الميكروسياسي عكس الانتقال الماكرو سياسي المتمركز حول فكرة الإصلاح الدستوري.

نستنتج مما سبق أن أشكال الانتقال الديمقراطي متعددة في أشكالها ومختلفة في سياقاتها، ولكن هذا لا يعني أن الانتقال الديمقراطي هو ظرف دقيق يعيشه النظام السياسي وهو بصدد تغيير تنظيمه القديم إلى تنظيم جديد يعتمد أدوات التدبير الديمقراطي وأسلوب المأسسة كنظام للحكم والمجتمع، هذا من جهة ومن جهة أخرى تعد كل تجربة من تجارب الانتقال الديمقراطي وصفة جديدة تساهم في بناء النظرية والبراد يغم معا في الانتقال الديمقراطي.

كما نستنتج أن موضوع الانتقال الديمقراطي أصبح مجالا خصبا للدراسة والتحليل وإطارا واسعا تنصب فيه اهتمامات الباحثين والفاعلين السياسيين على مقاربة هذا الموضوع من زوايا متعددة.

فالانتقال الديمقراطي هو المرور من نظام تسلطي إلى نظام حكم ديمقراطي يتم بوسائل متعددة وفي ظل ظروف وطنية مختلفة.

وما انفكت النخب الفكرية والسياسية تتعاطى مع هذا الموضوع وتوليه الأهمية بدليل عشرات الندوات واللقاءات العلمية.وانتباه هذه النخب المتزايد لهاته التجارب الدولية وبالمسارات والنتائج التي آلت إليها، لا يولد لديها ميلا إلى استنساخ تلك التجارب بقدر ما يدفع بها إلى فهم أسس نجاحها ووعي دروسها بسبب اختلاف شروط كل بلد من الناحيتين الاجتماعية والسياسية.

والحديث عن إشكالية الانتقال الديمقراطي بالمغرب والتجارب المقارنة هو حديث يهدف إلى عرض التجارب الدولية لمعرفة أسس نجاح تلك التجارب من جهة ،ومن جهة أخرى إبراز أهمية الاختلاف والإشكال التي تتخذها التجارب الانتقالية المتعددة حيث أن هاته التجارب تتعدد مداخلها وتختلف )سياسي ، اقتصادي ، قانوني، مؤسساتي(…وعليه ولأهمية التجارب الدولية سوف نبدأ بتبيان بعض تجارب الانتقالات الديمقراطية وخصوصياتها أولا، وثانيا: إبراز إشكالية الانتقال الديمقراطي بالمغرب والسياق الذي طرح فيه هذا المفهوم ،والفرضيات والمؤشرات الممكنة بواسطة قراءة هذا السياق. وثالثا: التطرق إلى العوامل المتعددة التي ساعدت النموذج البرتغالي في الدخول إلى الديمقراطية. وقراءة التجربة المغربية التي لم تنضج فيها الشروط بعد للانتقال إلى الديمقراطية. وأخيرا الخروج بخلاصات.

تجارب الانتقال الديمقراطي في العالم

سوف أتطرق في هاته النقطة إلى ثلاثة نماذج من الانتقال الديمقراطي يتم فيها الانتقال بشكل مختلف.

النموذج الأول: الانتقال عن طريق انتخابات نزيهة.

والنموذج الثاني: الانتقال عبر إصلاحات اقتصادية.

والنموذج الثالث: الانتقال عبر آليات أخرى.

1.1- الانتقال عن طريق انتخابات نزيهة

تبين التجربة البرازيلية أهمية الأحزاب السياسية وبالأخص الحركة الديمقراطية البرازيلية، حيث أصبحت هذه الحركة بمفردها تشكل المعارضة الأساسية داخل الدولة، وتصرفت هذه الحركة بذكاء حيث احتفظت بثقة المؤسسة العسكرية مع عملها في اتجاه دمقرطة الدولة. وتدريجيا مع تغيير ظرفية الدولة تغيرت أيضا ظرفية هذه الحركة.

من أجل تشغيل الطريق نحو الديمقراطية وافقت الحكومة العسكرية على قوانين العفو وغيرت النظام الانتخابي لإقرار التعددية الحزبية )بدل الثنائية (وقد قبلت المعارضة بهذه القوانين أو على الأقل لم تجعل منها مشكلا كبيرا.

وأخيرا، من خصوصيات التجربة البرازيلية بشأن الانتقال الديمقراطي يمكن ذكر العناصر التالية:

1 اعتماد دمقرطة النظام على مسلسل الانتخابات.

2 وجود المؤسسة العسكرية لم يؤد إلى تجميد البرلمان أو حله كما لم تعمل المؤسسة العسكرية على القضاء على نظام الانتخابات.

3 فوز الحزب المعارض في الانتخابات سنة 1974 في 16 ولاية.

4 التفتح السياسي بدأ من الأعلى إلى الأسفل.

5 غياب ميثاق تعاقدي.

6 احترافية الجيش.

7 لم تتصرف الحكومة والمعارضة كأعداء وإنما كشركاء غير مباشرين.

8 أهمية الأحزاب السياسية وبالخصوص حزب IDB

فالانتقال الديمقراطي في البرازيل قد أسست له المؤسسة العسكرية ” مأسسة النظام الديكتاتوري” والانتقال الديمقراطي يختلف عن باقي التجارب لسببين:

1) أن تفتح النظام السياسي ابتدأ عبر الانتخابات.

2) لم يعمل الجيش على الإطاحة بنظام الانتخابات أو حل البرلمان.

2.1- الانتقال عبر إصلاحات اقتصادية

هناك أكثر من انتقال ديمقراطي في العملية السياسية الواحدة، هناك انتقال اقتصادي وآخر اجتماعي وثالث قانوني ومؤسساتي. وبالتالي فالحديث يجري حول مجموعة من الانتقالات داخل نفس التجربة. أما بخصوص تجربة ” بولونيا ” التي عرفت الانتقال من النظام الشيوعي إلى النظام الديمقراطي التعددي ذي الاقتصاد الليبرالي،ففي الانتقال الاقتصادي من النموذج الموجه الذي يعتمد التخطيط إلى نموذج اقتصادي ليبرالي يعتمد السوق الحرة هناك صعوبات داخلية في إعادة تكييف مؤسسات الإنتاج مع النظام الرأسمالي، وهناك صعوبات على المستوى الخارجي في العلاقة مع الاقتصاديات الأوربية القوية.

مع كل هذه الصعوبات يجب الاعتراف بأن صيرورة الاندماج في الاتحاد الأوربي شكلت ما يشبه آلية هائلة للدمقرطة في بولونيا فـ”الشرطةالصلبة” التي يفرضها النظام الأوربي على كل راغب في الاندماج في اتحاده، تدفع الأنظمة إلى إعمال إصلاحات هيكلية على كل المستويات، ثم أن مفاتيح الانتقال الديمقراطي حسب ما أفرزته تجربة بولونيا هي :الرأسمال البشري، وجودة التعليم والمرونة في التعاطي مع الأوضاع الداخلية والخارجية.

3.1 الانتقال عبر آليات أخرى

لقد فتحت تجارب دولية، كجنوب إفريقيا، والشيلي نقاشا قويا حول حقوق الإنسان، فتم تأسيس مائدة للحواربين كافة الأطراف لمعالجة قضية الانتهاكات المتعددة لحقوق الإنسان هادفة من ذلك إلى توضيح مصير المعتقلين المفقودين والتأكد من الأماكن التي تتواجد بها جثتهم، فنشأت لجان للبحث عن الحقيقة، من خلال مسطرة المساءلة، فالحقيقة، ثم الإنصاف للوصول إلى الهدف الكبير وهو المصالحة.

ولكن لكل بلد تجربته من الناحيتين الاجتماعية والسياسية، وتعامل كل بلد مع المسألة الحقوقية محكوم ببدء البنية، رغم الآمال المعقودة عليها سلفا.

ويكتسي مفهوم التعامل مع ” الماضي الأسود “معنى خاصا في تجارب متعددة ولبلدان عدة، فالماضي الأسود وما عرفه من انتهاكات وتجاوزات لحقوق الإنسان، ألقى بظلاله على الكثير من المواقف مع مسألة”القطيعة” مع الماضي ولكن القطيعة لا تعني الانطلاق من الصفر بقدر ما ترمي إلى التغيير والتجديد دون فقدان خيط التواصل مع النقط القوية في ماضي الشعوب وتاريخها.

II ـ إشكالية الانتقال الديمقراطي في المغرب: السياق والرهانات

سوف أبرز في هاته النقطة من جهة أولى المحددات العامة للمسلسل السياسي والدستوري وبالضبط المحددات السياسية. ومن جهة ثانية الفاعلون وإشكالية الانتقال، ومن جهة ثالثة الهندسة الدستورية للانتقال ، الغاية هي توضيح مختلف هاته النقط من أجل تعميق النقاش حول إشكالية الانتقال الديمقراطي بالمغرب.

1.2 المحددات العامة للمسلسل السياسي والدستوري

عرف المغرب منذ عقد التسعينيات من القرن 20 مجموعة من الأحداث التي اعتبرها المتابعون والمهتمون بالحياة السياسية بمثابة مؤشرات على تحول نوعي في اتجاه ليبرالية سياسية أكثر انفتاحا. هذه الأحداث التي ارتقت حسب تحليلات الفاعلين السياسيين لترمز إما إلى بداية الانتقال الديمقراطي، أو انتكاسة الانتقال. ومن بين أهم هذه الأحداث والمباراة البارزة التي أرخت وساهمت في تداول حديث من هذا النوع، نذكر ما يلي:

1 تأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سنة 1990

2 إحداث وزارة حقوق الإنسان سنة 1993 .

3 إطلاق سراح المعتقلين السياسيين عودة المنفيين في غشت 1991 ـ يوليو 1993 ـ ماي 1994.

4 صعود نقاش حول الإصلاح السياسي والدستوري وقد قاد إلى ميلاد الوثيقتين الدستوريتين الأولى ( 1992) والثانية (1996) كنص دستوري يستمر في تأطير الحياة السياسية إلى اليوم.

5 الانتخابات التشريعية سنة 1997.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق