إشكالية الثقافة والسياسة

{{لا يليق بالإنسان أن يخضع لأي سلطة غير سلطة القانون}}

الوضع السليم أو الصحيح، منطقياً وتاريخياً، أنّ السياسة تتأسّس في الثقافة، وتنبع منها، وتنبني عليها، وتستمدّ منها لا عناصر وجودها فحسب، بل أفكارها ومبادئها وقيمها وتصوّراتها الإستراتيجية والعملية أيضاً، ثمّ تعيد إنتاجها. الثقافة حاضنة السياسة وأساس العنصر الأخلاقيّ، الذي يفترض أن يلازمها، ولا ينفكّ عنها، أو تنفكّ عنه. لأنّ السياسة، منذ نشوئها، فاعلية جماعية، بل اجتماعية، من المرجّح أنّها نشأت مع نشوء الملكية الخاصة وتقسيم العمل وتوزيع عوامل الإنتاج، واقترنت بها. وأنّ جدلها الداخليّ كان دوماً، ولا يزال، جدل الحرية والسلطة، ومن هنا تنبع قيمتها وأهميتها وضرورتها.

الثقافة والسياسة حقلان أو مجالان متعارضان، وحدّان جدليّان، في كلّية عينيّة، إذا انتفى أحدهما ينتفي الآخر بالضرورة. مجال الثقافة هو مجال الحرية؛ ومجال السياسة هو مجال السلطة. لذلك يتحوّل كلّ منهما إلى الآخر، وينتفي فيه، في حركة لا تفتر ولا تتوقّف ولا تنتهي، لأنّهما شكلان من أشكال الوجود الاجتماعيّ والإنسانيّ، و”التاريخ تنويعة على الأشكال، أو سمفونية متموّجة على لحن الشكل ومبدأ التشكل”، بتعبير الياس مرقص.

ولعلّه من قبيل المفارقة أنّ الحرية لا تتعيّن، ولم تتعيّن في تاريخ البشر إلا في الملكية، التي هي أساس السلطة، وفي فعل التملك؛ بدءاً بالملكية الطبيعية، أعني ملكية الفرد لذاته، وتملكها جسداً وروحاً، ولا فرق. وفي ملكية الأرض، وتملّكها، وصولاً إلى ملكية وسائل الإنتاج الصنعية، وملكية العمل، وما ينتج منهما، سبيلاً إلى تملك العالم بالمعرفة والعمل. ومن ثمّ فإنّ الحرية في أصلها ومبدئها هي حرية الفرد في التفكير والتعبير، وفي توجيه حياته الوجهة التي يريد. وأنّ السلطة بالتعريف حدّ على الحرية، داخليّ وخارجيّ، ذاتيّ وموضوعيّ، يحدّها ويحدّ منها. وهي في أصلها ومبدئها أيضاً سلطة الفرد على ذاته، التي غدت غير مرّة، وفي غير مكان، سلطة العقل والضمير، ببعديهما: الفرديّ والجماعيّ، على التراجح، ثمّ سلطة القانون.

ولا يخلو أن يكون العقل متعسّفاً حين يفسد الضمير، ويضمر العنصر الأخلاقيّ في السلطة أو يغيب. ولعلّ الأمر كان كذلك، ولا يزال. أجل، كان العقل متعسّفاً وكلبياً، في الغالب، ولا يزال كذلك. فالإنسان لم يبدأ بعد، لأنّ الحرية لم تصر بعد سلطة الفرد على نفسه، كما يجسّدها القانون، بصفاته: العامة والمجردة والأخلاقية، أي لأنّ الحرية لم تصر بعد قانوناً أخلاقياً عاماً، ووازعاً داخلياً في الفرد والجماعة. فلا يزال الإنسان غريباً عن الإنسان، إن لم يكن ذئب الإنسان، يشهد على ذلك نزاع الهويات، ومظاهر الهمجية التي تجتاح العالم.

لا ُتعرَف الحرية، ولم ُتعرَف، في بادئ الأمر، إلا بالسلب؛ أي بمعارضة السلطة، بوصفها نقيضها الجدليّ، أعني السلطة التي “تنبع من كلّ شيء”، بتعبير ميشيل فوكو، لأنّ معرفتها بالإيجاب مشروطة بمعرفة الذات. فالحرية والسلطة حدّان جدليان لا يقوم أي منهما إلا بالآخر، ولا يستغني أحدهما عن الآخر، وانتفاء أحدهما يعني انتفاء الآخر بالضرورة. ومعروف أنّ العبودية قامت على تملّك الأرض وتملّك أجساد العبيد وأنفسهم، فهي سيطرة مطلقة على الملكية الطبيعية، وتقسيم حدّيّ للعمل، بين الأحرار والعبيد، بعد تقسيم العمل بين النساء والرجال، أو في سياقه.

ويبدو لنا اليوم أنّ الاستبداد، في أيّ زمان ومكان، لم يكن ممكناً إلا بسيطرة السلطة السياسية على المجال الثقافي سيطرتها على مجالات الإنتاج الاجتماعي، واستتباع المثقفين واستمالتهم أو تهميشهم والتنكيل بهم. بل إنّ سيطرة السلطة السياسية على مجالات الإنتاج المادية لم تكن ممكنة إلا بعد السيطرة على المجال الثقافي، بوصفه مجالاً روحياً وأخلاقياً عاماً ومشتركاً بين أفراد الجماعة المعنية. ويبدو لنا أيضاً أنّ السيطرة على المجال الثقافي شكل مقنَّع من أشكال الاستعباد والاستتباع، تحت اسم جديد هو الولاء. فلم يخل الاستبداد، في يوم من الأيام، من استعباد واستتباع، ومن ولاء وبراء. آية ذلك أنّ الاستبداد كان دوماً في حاجة إلى سلطة الدين الوضعيّ، من حيث سيطرة الأخير على عقول الرعايا وضمائرهم.

“المستبدّ يساوي بين رعاياه على أنّهم لا شيء”، وأنهم ملك يمينه وطوع بنانه، وهو وليّ أمرهم ووليّ نعمتهم، وبعضهم فائضون عن الحاجة. هؤلاء الفائضون عن الحاجة هم المثقّفون، بوجه عام، باستثناء من استثناهم الكواكبي في كتابه، “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، أي من يطلق عليهم اليوم اسم التقنويين ومثقّفي السلطة. التقنويون لأنهم محايدون حيادَ العلوم التي يعملون بها، ومثقّفو السلطة لأنهم يميلون مع كلّ ريح، ويتمجَّدون بمجد السلطان.

في البلدان، التي لا تزال ترزح تحت نير الاستبداد، لا تزال السياسة تسيطر على الثقافة وتستتبعها، ولا يزال المستبد ينظر إلى المثقفين على أنهم فائضون عن الحاجة، سوى المنضوين منهم في المؤسسات الأيديولوجية والإعلامية والأمنية، ولا سيما الموالين ولاء خالصاً، إذ الولاء هو الرائز والمعيار، لا الكفاية العلمية والثقافية، ولا الجدارة الأخلاقية. ومن الجدير ذكره هنا أنّ المؤسسات الأيديولوجية والإعلامية والأمنية هي الأركان الثلاثة التي يقوم عليها النظام الشمولي، أو الاستبداد المحدث. ولا يقتصر الأمر في ذلك على السلطة السياسية، بل يتعدّاها إلى “المعارضة”، إذ لا يختلف موقف الأحزاب الأيديولوجية “المعارضة” من الثقافة والمثقفين عن موقف السلطة ومن يواليها من الأحزاب الأيديولوجية، وقد اختزلت جميعها الفكر إلى أيديولوجية والثقافة إلى إعلام كاذب وناقص. السلطة الشمولية و”المعارضة الشمولية” نسق واحد، من وجوه كثيرة.

الفكر والثقافة لا يحتملان مبدأ: إمّا مع .. وإمّا ضدّ..، بل هما فضاء مفتوح على ممكنات شتّى واحتمالات شتّى وخيارات شتّى، كلها متساوية في القيمة والمشروعية، على اعتبار أنها خيارات أفراد أحرار مختلفين في كل شيء، ومتماثلين في الإنسانية والوطنية. انحيازات الأفراد وتفضيلاتهم وإيماناتهم كلّها مشروعة ومتساوية في القيمة، لا يحقّ لأحد أن يصنّفها في أحد بابي الصواب أو الخطأ، الخير أو الشرّ، الإيمان أو الكفر، الوطنية أو العمالة، كما هي الحال عندنا. واللافت أنّ كثرة من الـ “مثقّفين” يتشاركون مع السياسيين في التصنيف، أي في التكفير والتخوين. الحاكم محكوم بحكمه، ومحكوم فيه، ومحكوم له أو محكوم عليه، سياسياً كان الحاكم أم مثقفاً. هذه طبيعة الأمور. من يمنح نفسه حقّ التصنيف وإطلاق الأحكام القطعية، على الأفراد والجماعات، لا على الأفكار والمنظومات الفكرية والأخلاقية، ولا ينظر إلى الآخرين إلا بوصفهم أنماطاً وأصنافاً، من يمنح نفسه هذا الحقّ مستبدّ بالفعل أو بالقوة.

فإنّ للإصلاح، الذي نعتقد أنه لا يزال حاجة ضرورية وملحة للمجتمع، ومن ثم للسلطة والمعارضة، على السواء، مداخل شتى، كلّ منها يفضي إلى الآخر، على اعتبار المجتمع والدولة “كلية عينية” أو وحدة جدلية. أحد المداخل الضرورية هو تأسيس، أو إعادة تأسيس حقل ثقافيّ وطنيّ، واستقلال هذا الحقل عن السياسة استقلالاً تاماً، أي استقلال الفضاء الروحي والأخلاقي، فضاء الحرية، الذي تتأسّس فيه الوحدة الوطنية، عن السلطة السياسية، ولا سيما أنّ الوحدة الوطنية يفترض أنها ثابتة وراسخة ودائمة، أما السلطة السياسية، أعني السلطة التنفيذية، فمتغيّرة، بحكم قابليتها للتداول. فلا تتجلّى الحرية في شيء أكثر مما تتجلّى في الثقافة، بدءاً من حرية التفكير وحرية التعبير.

ولما كان الاستبداد، في أحد وجوهه، مصادرة للحريات العامّة والخاصّة والشخصية، تفضي إلى إنتاج وإعادة إنتاج ثقافة نمطية ليس لها من وظيفة سوى تسويغ الاستبداد وتبريره، وتعزيز قيم التبعية والولاء، فإنّ كسر احتكار الثقافة، ثمّ استقلال المجال الثقافي، وجعل الفكر والثقافة حاكمين على الأيديولوجية والإعلام، الأوّل، أي الفكر، لأنّ طبيعته نقدية، على طول الخطّ، والثانية، أي الثقافة، لأنّ طبيعتها عامّة أو عمومية، على طول الخطّ، مدخل ضروريّ لإصلاح يربح منه الجميع وينعم به الجميع.

لا يليق بالمثقف أن يستمدّ مشروعيته من أيّ سلطة سياسية أو أيديولوجية، رغم قدرتهما، مجتمعتين أو منفردتين، على “تسويق” المثقّف وإشهاره محلّياً وإقليمياً وعالمياً. فإنّ مشروعية المثقف إنّما تنبع من قدرته على الخلق والإبداع وإنتاج المعنى، وإنتاج القيم الأخلاقية والجمالية، والخلق والإبداع، في أحد أهمّ وجوههما، نقد وهدم، على هدي العقل الكونيّ والقيم الإنسانية العامّة. أن يكون المرء مثقفاً يعني أن يؤكّد اختلافه وحريته واستقلاله في الفكر والسلوك.

الطبيعة النقدية للفكر، والطبيعة الوطنية، العامة، للثقافة المؤسّستان على كونية العقل وكلية الإنسان، أي على ما هو كونيّ وإنسانيّ بالتلازم الضروريّ، والمؤسّستان على الحرية، بطبيعة الحال، هما القاعدة الروحية الملازمة للقاعدة المادية، التي تقوم عليها الوحدة الوطنية، وهما، من ثمّ، أساس السياسة الوطنية الرشيدة. وممّا يؤكد أهمّية المدخل الذي نقترحه، والذي أكّدناه مراراً، أنّ السلطات الشمولية، في غير مكان، أخذت ترخي قبضتها شيئاً فشيئاً عن بعض مجالات الإنتاج الاجتماعي، بتوسيع الهامش المتاح للقطاع الخاص، ولكنها لا تزال تحكم سيطرتها على المجال الثقافي مستعينة بمؤسّسات الدين الوضعي الأكثر تأخّراً من بين مؤسسات المجتمع المدني، وتمعن في قمع أيّ مظهر من مظاهر الحرية.

هذه المقاربة تطرح من جديد مسؤولية المثقف، لا عن تغيير المجتمع، ولا عن إقامة الفردوس على الأرض، واستئصال جذور الشرّ من العالم..، بل مسؤوليته عن الحرية، بدءاً بحريته هو نفسه وانطلاقاً منها؛ لأنّ حريته تفترض حرية الآخر، بل تقتضيها ضرورة، ولا تتأسس إلا عليها. حسب المثقف اليوم أن يكون حرّاً؛ وأن يدافع عن حريته الشخصية، ويتحمّل تبعاتها، قبل أيّ شيء آخر. فإنّ دفاع المثقف عن حريته الشخصية وعن استقلاله وذاتيته، وعن كرامته الشخصية، هو، في المبدأ والمآل، دفاع عن الحرية، بوجه عامّ، وعن حرية الفكر والثقافة، بوجه خاصّ، ودفاع عن الكرامة الإنسانية. المثقف يعلِّم بسلوكه مثلما يعلِّم بفكره وأدبه وفنه. ورجل السياسة هو أوّل من يفترض أن يتعلّم من المثقف. المثقف أستاذ السياسيّ، شاء هذا الأخير أم أبى، لأنّ وجوده السياسيّ، مجرّد وجوده، بهذه الصفة، معتمد على الثقافة وعلى المثقفين، ولأنّ السياسة بنت الثقافة وخلاصتها الأخيرة، فكما تكون الثقافة تكون السياسة. ومن ثمّ فإنّ نقد السياسة، ولا سيما السياسة العارية من أيّ قيمة إنسانية ومجتمعية، والتي لا تعدو كونها قوة إرغام وإكراه، من أبرز مهمّات المثقف الذي يستحق اسمه.

نقد السياسة يتعدّى نقد السطح السياسي وواقع الولاية على البشر إلى نقد البنى والعلاقات والقيم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية التي جعلتها كذلك، ولا سيما البنى ما قبل المدنية وما قبل الوطنية، وإلا فلا فرق بين مثقف السلطة والمثقف “المعارض” للسلطة القائمة في بلاده، سوى أنّ الأوّل يمدح والآخر يهجو. الهجاء لا يهدم والمديح لا يبنى. النقد هو ما يهدم ويبني.

الثقافة إنتاج وإبداع، والمثقف منتج، لا للأفكار والتصوّرات والحقائق العلمية والعقلية فحسب، بل للقيم الروحية، المعرفية والأخلاقية والجمالية، التي تقتضيها، في كلّ مرحلة من مراحل التطوّر، عملية إنتاج المجتمع لذاته، وتحديد اتجاه سيره، ووتائر نموّه وتقدمه.

المجتمعات تنتج ذاتها، وتعيد إنتاجها، وليس من إنتاج ممكن بلا معرفة وبلا ثقافة. التقدّم هو اندماج الثقافة بالعمل، بوجه عامّ، واندماج العلم بالعمل، بوجه خاص. العناصر الإنسانية والكونية الأصيلة، في أيّ ثقافة، هي العناصر القابلة للاندماج في العمل، أي العناصر القابلة للتحقق في الواقع مادياً وأخلاقياً، أو مادياً وروحياً إذا شئت. ذلكم هو معيار حيوية أيّ ثقافة وقدرتها على مواكبة الزمن، أي على تجديد ذاتها ونقد ذاتها باستمرار، والنقد والتجديد معاً يقتضيان الحرية والاستقلال.

القوّة العارية، قوّة العدد، وقوّة الشوكة والعصبية، وقوّة السلاح، وقوّة المال…، القوّة، التي باتت هي المعبود الوحيد في زماننا، ليست المعنى الأخير للحياة، وليست المعنى الأخير للتاريخ الإنساني. لم يعد يليق بالإنسان أن يخضع لأيّ سلطة غير سلطة القانون.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق