إشكالية الدين والسياسة في الفكر الغربي المسيحي

أكدت الدراسات الأنثروبولوجية أن المجتمعات القديمة عرفت علاقات متميزة بين الدين والسياسة. ففي غياب أطر دولتية، اعتبرت هذه العلاقة شرطا أساسيا لبناء النظام الاجتماعي في هذه المجتمعات، حيث أسست لعلاقات التعاون والتضامن، وخلقت إطارات للتواصل المعنوي والمادي كشرط لازم لقيام كل حياة اجتماعية .

كما كانت هذه العلاقة ذات طابع تماثلي وتكاملي. فمن جهة، غالبا ما اجتمعت الصفة الدينية والسياسية في شخص واحد، فإما أن القائد الديني يتحمل مسؤوليات اجتماعية وله أدوار سياسية، وإما أن القائد السياسي اعتبر شخصا مقدسا ومقرا للروح الجماعية، وله بالتالي وظائف دينية.

من جهة أخرى، بقدر ما عمل الدين على حماية النظام السياسي، بتزويده بالشرعية اللازمة، وكان عنصرا حاسما لتوليد الاحترام والقدسية للقانون، بالقدر نفسه، عمل النظام السياسي على فرض الاحترام للدين، ذلك النظام الشمولي الذي أقامته الآلهة، واعتبر شرطا لكل وجود اجتماعي .

ومع انبثاق فكرة المفارق التي جاءت بها الأديان السماوية ، تعرض الوعي الديني القديم لهزة عميقة لإعادة تنظيم الفاعلية الدينية وتوجيهها نحو غايات جديدة، بواسطة تحرير فكرة الألوهية عن الملك وعدم إلحاقها بأية سلطة دنيوية، هذا رغم أن الوعي الديني استمر في جزء كبير منه لا يرى في فكرة الألوهية إلا تجسيدا لقوى الطبيعة وتمثيلها .

ففي القرن السادس عشر، برزت تحولات مختلفة على المستويات الاجتماعية والسياسية والثقافية في أوربا، تجلت أبرزها في الصراع القائم بين البابا والإمبراطور، فالجهد الذي بذله البابا لتقليص مصادر السلطة الزمنية عن طريق ترويج نظريات الحق الإلهي، قابله جهد الإمبراطور لتأكيد المصدر الشعبي لسلطته في تعارض مع الأصل الإلهي لسلطة البابا، مما أدى إلى تفجر أزمة السيادة، وما قادت إليه من صعوبات التوصل إلى توحيد السلطة وبناء الدولة .

على إثر هذا الصراع، بدأت العلاقة بين الدين والسياسة تطرح كإشكالية على الفكر الأوربي والغربي، وقد اختلفت تصورات المفكرين وإجاباتهم بهذا الخصوص تبعا للقيم الاجتماعية والرؤية العقائدية التي يؤمنون بها، وحسب تكويناتهم العلمية ومراكزهم السياسية.

{{1-سمو الدين على السياسة:}}

عموما، وفي تاريخ العلاقة النظرية بين الدين والسياسة على الصعيد الغربي، يمكن التمييز بين أربعة اتجاهات كبرى، أعلن أولها السمو المطلق للدين على السياسة، وبالتالي خضوع السياسة الكامل للدين، وتشكل مجموعة الأفكار التي تسير في هذا الاتجاه نظريات دينية، لأنها نتاج رؤية دينية وذات حساسية تجاه المفارق وتجاه سمو الروحي على الزمني، ولأنها انطلقت غالبا من مصلحين دينيين كلوثر وكالفن، أو من رجال قانون كبودان، أو رجال الكنيسة مثل بوسيي، أو فلاسفة كدومستر.

فمن جهته، فرق لوثر Luther (1483-1564) بشكل واضح بين ما هو سماوي وبين ما هو أرضي، فقد رأى أن السلطة أمر ضروري لأن الناس فئتان، فئة تنتمي إلى مملكة الله، وأخرى تنتمي إلى مملكة الأرض، فالذين ينتمون إلى مملكة الله ليسوا بحاجة لأية سلطة، وعليهم الاكتفاء بالروح القدس والإيمان الذي يعمر قلوبهم، وهم يعكسون الفضيلة والخير، أما الآخرون وهم الغالبية، فمعرضون للخطيئة، ولابد لهم من سلطة تقودهم نحو الخير العام، ولابد لهذه السلطة من قوة مسلحة حتى يتسنى لها ممارسة مهامها لأنها تنفذ أوامر الله، فما الحاكم إلا أداة للانتقام الإلهي ممن يخطئون من بني البشر، وبالتالي لم يقبل لوثر بالدولة الكنيسة الدولة، لأن الكنيسة ليست إلا سلطة روحية، وليس لها أن تخرج من هذا النطاق، وسلطاتها وصلاحياتها محدودة. بالمقابل، فإن العلاقات الخارجية للكنيسة لابد من تنظيمها ويقع ذلك على عاتق الأمير، وإذا لا يمكن للدولة أن تتحكم في الدين، فإن اختصاصها يبدأ عندما تتجسد النزعات الدينية في مظاهر خارجية .

أما كالفن Calvin (1509-1564) فميز بين الأشياء الروحية المعرفة من قبل القدرة الإلهية الموجودة في الكتاب المقدس، وبين تلك المتعارف عليها بين البشر في عالمهم الأرضي، لكن الحرية الروحية يمكن أن تكون موجودة إلى جانب الخدمة المدنية. وهنا يظهر الفرق واضحا بين كالفن وبين لوثر، فإذا اعتبر هذا الأخير أن الحياة السياسية شيء غريب عن روح الإنجيل، فإن كالفن عبر عن مدى وضاعة أهداف المجتمع المدني، لكن ذلك ليس من شأنه أن يجعلها غير ذات أهمية بالنسبة للمسيحي. وفي المجال الاقتصادي، فإن كالفن لا يحتقر الأعمال اليدوية والجسدية، بل يعطي أهمية للصناعة ويعتبرها ظاهرة من الظواهر الإلهية، كما يرى أن الحياة العامة هي ضرورية ولها قيمة بذاتها .

يمكن اعتبار فرضية “الدين الطبيعي” عن جون بودان J. Bodin (1529-1596) فكرة توفيقية بين آراء حركة الإصلاح الديني التي نادت بإصلاح المنظومة الدينية في علاقتها مع المجتمع والسلطة دون الفصل بينهما، وبين الأفكار الليبرالية الداعية إلى الفصل التام بين مجال الدين ومجال السياسة، ففكرة “الدين الطبيعي” جاءت في سياق التأسيس لمبدأ السيادة عبر تجاوز الصراعات الدينية، قبل أن تتحول هذه الفكرة عند مونسيكو ورسولوك إلى مركز نظري للفصل بين الدين والسياسة .

أما أفكار بوسيي Bossuet ( 1627-1704) فكانت كلها ذات مستند ديني، فقد اعتبر أن كل سلطة هي بذاتها مقدمة، بل إن الله وضع على رأس المجتمعات قادة هم ممثلو الله في الأرض يحكم بواسطتهم، والتمرد عليهم يعتبر كفرا ومخالفة لأمور الدين، فعلى المحكومين إذن طاعتهم لسببين سبب ديني وسبب ضميري .

أما دوميستر Demaistre (1753-1821) فقد رأى أن السيادة نتاج مشترك لإرادة الله والتراضي البشري معا، لأن من الضروري أن يطيع الشعب لكي تكون السيادة، ولأن الله أراد خلق المجتمع، فإنه أراد أيضا السيادة والقوانين التي بدونها لا وجود للمجتمع، وليس هناك أي تعارض في هذا القول، لأن الشعب هو الذي يجسد إرادة الله على الأرض، فالسيادة مصدرها الله. أما تطبيقها فهو من اختصاص الشعب، هذا التركيب يجعل الدين يتدخل في ممارسة السلطة من أجل ضمان الطاعة، هو عامل تقييد لها لأنه يضع قوانين وحدودا على السلطة، والبابا هو الذي يراقب مدى احترام السلطة لهذه الحدود .

رغم ذلك، فإن هذه الأفكار سجلت تمايزا واضحا عن نظريا الحق الإلهي التي كانت سائدة في العصور الوسطى، ذلك أنها لم تتصور ثنائية الزمني والروحي شقاء أو لحظة من لحظات المغامرة البشرية، ولكن كنظام شاءه الله، وعلى الإنسان أن يفكر وفق هذا النظام.

لقد أصبح “السياسي” حسب هذه النظريات مجالا مستقلا عن المجال الديني، فهو يرتبط بالعلل الثانوية وغير منظم من قبل الله، بل أصبح خاضعا لقوانين الطبيعة التي يضعها الإنسان بواسطة العقل، كما أصبحت فكرة القانون المنظم للمجال السياسي واضحة بدقة من نواح عدة، فهي تتميز عن القانون الإلهي من ناحية الأهداف، لأنه لا يخلق واجبات إلا ضمن المقياس الذي يظل متطابقا مع العقل والحق الطبيعي، وهو يتميز عنه من ناحية غايته، لأن لا أهداف له سوى خدمة الخير العام؛ فسن القانون يعود إلى الشعب بأكمله، فالقانون الظالم ليس قانونا، وإنما انحراف عن غاياته، كما أنه انحراف عن معرفة الحقيقة التي يمكن أن تصل إلى الإنسان بواسطة العقل .

{{2- إخضاع الدين للسياسة}}

إذا كانت النظريات الدينية هدفت – رغم الاختلافات المسجلة داخلها – إلى الحفاظ على سمو الدين على السياسة، فإن بعض المفكرين الآخرين أبدوا فكرة مضادة هدفت هذه المرة إلى إخضاع الدين للسياسة، عن طريق اعتبار الدين مجرد وسيلة يستعملها الحاكم لتحقيق أهدافه السياسية، فهي إذن نظريات أذاتية معبر عنها من لدن فلاسفة ومفكرين سياسيين أعطوا أهمية مركزية للدولة لتزويدها بمختلف الوسائل لتقويتها بما فيها الدين نفسه.

فبعيدا عن إنكار أهمية الدين كعامل استقرار اجتماعي، لاحظ بعض المفكرين أنه قد يكون مصدرا للتفرقة والنزاعات، وبالتالي سببا لضعف الدولة، ورأوا ضرورة إخضاعه لهذه الأخيرة لتجاوز الأخطار الناجمة عنه، ولاستخدامه لتقوية سلطتها والحفاظ عليها.

من هذه الزاوية، يمكن أن نميز بين اتجاهين في التفكير في الدين كأداة للوصول إلى السلطة والحفاظ عليها، اتجاه أراد استعمال الدين كأداة للسياسة دون أن يفرض أي طرف قيمة على الآخر، وهو اتجاه ميكيافللي ومونتسيكو، فمع هذين المفكرين، لا يعني ارتباط الدين بالسياسة وجوب تطبيق الأمير لواجباته الدينية والأخلاقية، ولكن بإتقان استعمال الدين من أجل الوصول إلى السلطة والحفاظ عليها دون السيطرة الكاملة عليه.

انطلق ميكيافللي Machiavel (1469-1527) من مبدئه الأساسي “الغاية تبررالوسيلة”، ليجعل من الدين أداة فعالة بالنسبة للأمير، فعلى هذا الأخير أن يتظاهر باحترام تعاليم الدين حتى في الأوقات التي يقوم فيها بتصرفات تخرق هذه التعاليم، وذلك لما يلعبه الدين من دور في الحفاظ على السلم الاجتماعي، كما انتقد ميكافللي الكنيسة واعتبرها مسؤولة عن ضعف إيطاليا ولم تكن عاملا موحدا، كما انتقد المسيحية المعاصرة له واعتبرها عامل ضعف، على عكس مسيحية الإمبراطورية الرومانية التي استعملت لتوليد الحماس ولقيادة الجيش وتوسيع رقعة البلاد .

أما مونتسيكو Montesquieu (1689-1755) فقد حدد فوائد الدين بالنسبة للسياسة في حفاظه على النظام الاجتماعي، وفي علاج سلبيات وأخطاء السياسة، ثم تكملة أوجه النقص في القوانين المدنية، لكن أهمية الدين الكبرى تظهر في الأنظمة السلطوية حيث لا يعمل مبدأ “السلطة”، فيصبح الدين هو القوة الوحيدة التي يمكن أن توقف السلطة المستبدة .

أما بعض المفكرين الآخرين، فقد ذهبوا بعيدا من أجل الإخضاع الكلي للدين من طرف السياسة، وذلك لوضع حد للأخطار التي تشكلها الانتماءات الدينية المختلفة على الوحدة السياسية وعلى الاستقرار الاجتماعي العام، فهذه النظرية “الراديكالية” نجدها مشتركة بين ثلاثة منظرين سياسيين وهم: هوبس، وروسو، وسبينوزا. رغم اختلافهم في الصيغ التي يتخذها إخضاع الدين للضرورة السياسية عندهم.

فبداية،اعتبر توماس هوبس Thomas Hobbes (1588-1755) أنه ليست هناك سلطة زمنية وسلطة روحية، وإنما سلطة واحدة هي السلطة الزمنية والتي لها وظائف روحية، لذلك يجب على الكنيسة أن تخضع للدولة بأن تتحول إلى كنيسة وطنية لتفادي تدهور وحدة الدولة بتوزيعها بين مؤسستين، كما أن امتداد السلطة الزمنية إلى ما هو روحي يخول لها تفسير الاعتقادات والتحكم في التصرفات الروحية للمواطنين، عن طريق وضع قواعد للعبادة واحتكار تفسير النصوص الدينية، كل ذلك صونا لوحدة الدولة وضمانا لأمن المواطنين .

ورأى روسوRousseau (1712-1778) أن قيمة الدين تمكن في ما يلعبه من دور في حياة الدولة من حيث حرصه على وحدتها وسلامة الجسم السياسي، وقد دفعه حرصه على صيانة هذه الوحدة من أخطار الانقسام إلى وضع نظرية “الدين المدني”، وهو دين جديد يربط المواطن بالدولة دون أن يكون دينا قوميا كالأديان القومية، كما يربطه بالألوهية دون أن يتدخل في مصيره بعد الموت، أما مواد هذا الدين فموضوعة من طرف هيئة السيادة، وهي ليست عقائد دينية، بل مجرد مشاعر واستعدادات جماعية لا يمكن بدونها أن يكون الإنسان مواطنا صالحا وتابعا للدولة ، ويحق لهيئة السيادة إخراج كل من لا يؤمن بتلك المواد من عضويتها لا بوصفه كافرا، بل لأنه غير قابل للشراكة الاجتماعية .

ويعتبر سبينوزا Spinoza (1632-1677) مؤسس الفكر النقدي للنصوص المقدسة، وكان هدفه الأساسي هو الدفاع عن حرية الفكر للإنسان عامة وللفيلسوف خاصة، ولتأكيد ذلك لجأ إلى التمييز الكلاسيكي بين الفكر والحركة (Pensée et Action)، فملكة الفكر تتعلق بذاتية الإنسان في حين أن القدرة على الحركة تتعلق بالمجتمع. ولذلك، لا يمكن فرض رقابة على الفكر بما تتضمنه من إمكانية فحص المقولات الدينية ونقد النصوص المقدسة، في حين أن إمدادات هذا الفكر وتمظهراته على مستوى المجتمع يمكن أن تخضع لهذه الرقابة، وهنا يظهر الفرق واضحا بينه وبين هوبس الذي أخضع الدين فكرا وسلوكا لقرابة الدولة .

وبالرغم من استمرار هذا الاتجاه في الربط بين الدين والسياسة عبر إخضاع الدين للسياسة، ألا أنه سجل نزوعا متزايدا نحو إعطاء الاستقلالية “للسياسي”، فقد أصبح هذا الأخير يؤسس على عقد اجتماعي ويهدف إلى الخير العام، أما امتداده إلى “الديني”، فهو مجرد امتداد أداتي بهدف البحث عن شروط القوة السياسية والمحافظة عليها وليس امتدادا تأسيسيا، فقد ميزت نظرية التعاقد بشكل تام بين الروحي والزمني، فقالت بأن سلطة الله هي أعلى، بينما سلطة الأمير هي أدنى، فهذا الترتيب في مصادر السلطة أدى إلى القول بأن الأمير يمكن عزله إذا لم يحترم مقتضيات العقد ولم يعمل من أجل المصلحة العامة ، وليس على أساس مدى تطابقه مع التوجهات الإلهية، وبذلك جسد هذا الفكر انطلاق مرحلة جديدة في الفكر السياسي قائم على إعلاء مكانة الدولة، وعلى مفاهيم جديدة مرتكزة على الوقائع والأحداث الملموسة، وليس على الخطاب الأخلاقي والمبادئ المتعالية .

{{3- الفصل بين الدين والسياسة}}

وبالموازاة مع ذلك، ظهرت أفكار أخرى انتقدت بشدة هذه المراهنة الكبيرة على جهاز الدولة – خصوصا ما يصاحب هذه الفكرة من إخضاع للقيم والمبادئ الدينية – واقترحت مقابل ذلك، الفصل التام بين الدين والسياسة وبالتالي استقلالية الكنيسة عن الدولة ، أما ممثلو هذه النظرية فهم عديدون، أهمهم: جون لوك وبنجمان كونستانت، ولامينيس، ثم توكفيل .

بنى جون لوك John Loke (1632-1704) تمييزه بين الدين والسياسة على أساس اختلاف أهداف كل منهما ووسائله، فإذا كان الدين يهدف إلى خدمة ما هو روحي، فإن السياسة تهدف إلى رعاية الصالح العام، وبينما يعمل الدين على مستوى الإيمان الداخلي لتحقيق أهدافه، تلجأ السلطة إلى الإلزام المادي في سعيها إلى تحقيق الخبر العام لجميع المواطنين.

ويعد بنجمان كونستانت Benjamin Constant (1767-1704) من القلائل الذين اهتموا بشكل أكبر بالظاهرة الدينية، فلم يكتف بالنظرة الخارجية والسطحية، فقد فرق بين الشعور الديني الداخلي وأشكال التدين الخارجية، واعتبر الشعور الديني مصدرا للحرية في حين أن تمظهراته الخارجية يمكن أن تكون مصدرا للفوضى والاستبداد، فالشعور أساس كل تحرر مما يجعل كل حكومة حرة في حاجة إليه، ليبقى من الضروري قيام سلطة تضم أشكال التدين المختلفة للحيلولة دون جر المجتمع إلى الفوضى والاستبداد، كما سلم كونستانت بسيادة الشعب كما أكدت ذلك الثورة الفرنسية، لكنه وضع حدودا لهذه السيادة، وانتقد كونستانت روسو لهذا السبب لأن عدم وجود هذه الحدود يجعل الأفراد تحت سيطرة الدولة. ومن أفكاره أيضا أن السلطة لا يجب أن يكون لها أي ديانة لأنه يمكن أن تعاقب تصرفات تبدو لها خاطئة في حين أنها مباحة من طرف ديانة أخرى، وتبقى السلطة في نظره ذات طبيعة شريرة، فحتى في الحالات التي تريد صيانة مبدأ التسامح فإنها تضع مقتضيات قانونية محددة، هي ضد طبيعة التسامح الذي يقتضي المرونة .

أما أفكار لامينيس Lamenais (1782-1854) لم تكن مستقرة حول هذه الإشكالية، ففي البداية نادى بإدماج الدين من جديد في المجتمع عن طريق تأكيد وحدته مع السياسة باعتبار أهميته في ترسيخ الاستقرار، كما نادى بإعطاء البابا بعض السلطات، ورفض الانكليكانية التي تخضع الكنيسة للدولة مجسدا بذلك استمرارية نظرية سمو الدين على السياسية، وفي مرحلة ثانية تبنى مقولة الفصل بين الدين والسياسة، كما حاول التوفيق بين الحرية السياسية والمسيحية عن طريق تجديد هذه الأخيرة لكي تعمل لصالح قيم الحرية والعدالة، أما ميزته بالمقارنة مع كونستانت فتتجلى في أنه لا يهدف من خلال الفصل إلى حماية الشعور الديني للأفراد، ولكن لتجديد المسيحية لأن في ذلك تجديدا للمجتمع وقيمه .

ومن جهته، حاول توكفيل Alexis De Tocqueville (1805-1859) التوفيق بين الليبرالية السياسية والروح الدينية، فاعتبر أن كل مجتمع يحتاج إلى شعور جمعي واعتقادات متشابهة، والدين يحقق هذه المهمة بصورة كاملة، كما وجدا تلاقيا بين الديمقراطية والمسيحية، فطالما أن الديمقراطية يقوم على المساواة أمام القانون، وتقوم المسيحية على المساواة أمام الله فهما في تعاون على نفس الهدف، فالخطر على الديمقراطية والليبرالية حسب توكفيل ليس هو الدين، وإنما هي الروح المادية التي تقضي على التصورات المشتركة بين البشر .

وتكمن محصلة هذه الأفكار الليبرالية في التأسيس لما يعتبر حجر الزاوية في مفهوم السياسة الحديث، وهو الفصل بين مجالين، مجال العام، كحقل للتنافس المستمر والحر بين المصالح المنظمة للوصول إلى تفاهمات عملية واجتماعية، أي بالمفاوضات الذاتية وحسب موازين القوى، ومجال الخاص المستقل عن العام، توضع فيه كل الشؤون البعيدة عن السياسة وعن تنظيم الشأن العام، كالدين ومختلف القيم الأخلاقية والفلسفية وغيرها من المبادئ الشخصية والعائلية للأفراد .

{{4- نقد الدين في علاقته بالمجتمع والسياسة}}

لكن، إذا كانت العلاقة بين الدين والسياسة قد عولجت حتى هذه اللحظة بإخضاع أحدهما للآخر أو بالفصل بينهما، فإن نظريات أخرى ظهرت في القرن التاسع عشر تبنت المنهج النقدي الجدي للدين في علاقته بالسياسة والمجتمع، فقد لاحظ أصحاب هذه النظرية أن الأشكال الدينية الموجودة لم تعد تتناسب مع حاجات المجتمع الصناعي المتقدم، وطالبوا بدين جديد ذي طبيعة عقلانية وصفات علمانية. ويمكن أن نذكر ضمن هذا الاتجاه بعض الاشتراكيين الطوباويين كسان سيمون الذي طالب بمسيحية ثورية ومتجددة، ثم بعض علماء الاجتماع مثل أوجيست كونت، الذي اتخذ هذا المطلب عنده اسم “الديانة الإنسانية”.

ذهب سان سمون Saint – Simon (1760-1825) إلى اعتبار أن التطور العلمي يستدعي ضرورة تطوير النظام الديني الذي يجب أن يتحول إلى هيكل مكون من طرف العلماء وليس من طرف القساوسة والرهبان، كما رأى أن “المسيحية الحقــة” هي التي تسعى إلى تحقيق المساواة على الأرض وليس في السماء، وميز بين سلطتين: سلطة روحية مكونة من طرف العلماء والفنانين ومكلفة بالتعليم وصيانة المصالح الأخلاقية للمجتمع، وسلطة زمنية متمثلة في السلطة الصناعية ومكونة من المنتجين والصناعيين ومكلفة بإدارة المسائل المالية والإدارية .

وحسب أوجيست كونت Auguste Comte (1798-1857) ففي كل نظام اجتماعي هناك سلطة زمنية وسلطة روحية، فالمكلفون بهاتين السلطتين اختلفوا باختلاف المراحل التي مر بها التاريخ البشري، ففي المرحلة التيولوجية كانت السلطة الروحية في يد الرهبان والسلطة الزمنية في يد العسكريين، وفي المرحلة الميتافيزيقية، احتكرت السلطة الروحية من طرف الميتافزيقيين والسلطة الروحية من طرف رجال القانون، وفي المرحلة الوضعية، فإن السلطة الروحية توجد في يد العلماء والسلطة الزمنية في يد الصناعيين، وفي هذه المرحلة الأخيرة يحتاج المجتمع إلى إعادة تنظيم للروحي لأن المسيحية في أشكالها الراهنة لم تعد مناسبة للتقدم الصناعي والتقني، فلا بد من نظام جديد من الأفكار التي تساعد المجموع على الانخراط في الحقبة الوضعية من أجل تكوين أخلاق عامة (un moral public) تعوض انحلال السلطة الروحية وانحصارها في المجال الخاص ويحد من سيطرة السلطة العملية على السلطة النظرية وما ينتج عن ذلك من سيطرته لمبادئ المنفعة والمادية .

لكن هذا الاتجاه النقدي اتخذ طابعا راديكاليا مع ماركس وانجلز، حيث اعتبرا الدين عامل عجز وضعف لما يضفيه من شرعية على الوضع القائم، ولأنه يقدم تسويغا للتمايز الطبقي ويلعب بالتالي دورا مهما في عملية التمويه الإيديولوجي الذي يؤدي إلى حالة الوعي الزائف، بكل ما ينتج عن ذلك من هروب ديني يصرف الأفراد عن واقعهم الاجتماعي، ويمنعهم من الفعل في مواجهة ظروفهم الموضوعية. كانت عبارات كارل ماركس Karl Marx (1818-1883) الشهيرة قوله “إن الدين هو أنين القلب المضطهد، وقلب العالم عديم الرحمة، وحسب الظروف القاسية، أنه أفيون الشعوب”.

فهذا الأثر التقديري على الأفراد هو الذي – باعتقاد ماركس – يحول دون مواجهة الأفراد للواقع الموضوعي والعمل على تغييره .

وقد تتبع فريدريك إنجلز Frediricue Engeles (1895-1820) علاقة المسيحية بالظروف السوسيو ـ اقتصادية، فاستنتج أنها لعبت وظيفة إيديولوجية في كل مرحلة من مراحلها التاريخية، فداخل الإمبراطورية الرومانية غطت كل الثورات التي قامت بها الطبقات المضطهدة، وفي العصور الوسطى كانت مصدرا للوثوقيات التي روجتها الكنيسة في سيطرتها الاجتماعية، كما كانت البروتيستانتية الإصلاحية إيديولوجيا روجتها البورجوازية في عصر الأنوار لتمرر مشاريعها المجتمعية وللسيطرة على الطبقات الدنيا، لكنه لم يتوقع نهايتها الحتمية كما فعل ماركس، ولكن تنبأ بأن تأخذ أشكالا أخرى بعد انتصار البروليتاريا.

{{خلاصة:}}

هكذا يبدو أن تاريخ العلاقات النظرية بين الدين والسياسة في الغرب عبارة عن محطات اقتطعت عبرها السياسة لنفسها حيزا خاصا تمكنت على إثره من تعيين مجال مستقل عن الدين، فقد استطاعت أن تبني لنفسها شرعية خاصة لا تمر عبر ممر الكنيسة، وبالتالي نجحت في تكوين سلطة قانونية مستقلة، وأن تنزع القداسة عن ممارسة الحكام والدولة بإخضاعها للمناقشة والمحاسبة والمسؤولية .

–انظر عرضا لمساهمات الأنثروبولوجيا السياسية في:

Balandier (G), Anthropologie politique, Paris, PUF, 1967.
– Eliade (M), Histoire des croyances et des idées religieuses, tome 1, Paris, Payot, 1983, p 25.

–يعتبر الباحث Yves Lambert فترة ظهور الديانات تشكل (une période axiale) ، أي مرحلة ظهر فيها نظام رمزي جديد يوجه أفكار وسلوكات الخاضعين له، أما فترة (tournal axial) فهي ظرفية تاريخية يتعرض فيها هذا النظام لتحولات مطبوعة بقطائع عديدة ولكن أيضا بالاستمرارية، حيث يعرف النظام الرمزي هزات وعمليات تكييف وإعادة تعريف وتجديد تتمظهر في أشكال مختلفة على أفكار وسلوكات الخاضعين لهذا النظام، انظر المحاضرة التي ألقاها الباحث في رحاب كلية الحقوق بمراكش:
Lambert (Y), Caractéristique religieuse de la modernité comme un nouveau tournal axiale, faculté de droit, Marrakech, 8 mai 2000, non publié.

–برهان غليون، نقد السياسة الدين والدولة (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط2، 1993)،ص 535

– برتراند بادي، الدولتان، الدولة والمجتمع في بلاد الغرب والإسلام، ترجمة نخلة فريفر (الدارالبيضاء، المركز الثقافي العربي، ط1، 1997)، ص 22.

–م. بريلو وج. ليسكيه، تاريخ الأفكار السياسية (بيروت، الأهلية للنشر والتوزيع، 1993)، ص 141-142.

–المرجع نفسه، ص 115.

–Lagrée (J), La religion naturelle, Paris, PUF, 1997, p 22-23.

–Barbier (M), Religion et politique dans la pensée moderne, Paris, PUN, 1984, p 45-54.
للاستزادة راجع: جون جاك شوافلييه، تاريخ الفكر السياسي، ترجمة محمد عرب صاصيلا بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، ج3، ط 2، 1995)، ص 56-57.

–يشكل التنظير السياسي لحركة الإصلاح الديني تقدما بالمقارنة مع ما كان سائدا من قبل، خصوصا مع سان اغسطين Saint Augustin الذي اعتبر الهيكل السياسي شيئا شريرا ومن صنع البشر، والحكومة عقابا وفي أحسن القروض تكفيرا عن ذنب كبير، وبهذا الإدراك المأخوذ عن تعاليم بني إسرائيل القدماء والمتأثر بأحداث العصر، فإن الهزيمة والدمار أدوات إلهية مقدرة إلى أن يأتي الإنسان إلى الكنيسة حيث يمكن الحصول على الخلاص، ولم يحدث إلا في القرن 13 على يد توما الاكويني أن تم الاعتراف بظهور سياسة مسيحية، فأعطى بعض الشرعية للدولة، وبعض القيمة للمؤسسات السياسية. Eliade (M), Histoire des croyances, op. cit., tome 3, p 51-59.

–رغم أن خطاب الإصلاح كان مناقضا للدولة، فإنه حمل بذور نظام سياسي، فمادامت البشرية لم تتوصل بعد إلى أن تكون مدينة المؤمنين الحقيقيين، فإن النظام السياسي مهما كان يبقى مفضلا على الفوضوية، ولا ينبغي أن يقوم الإمبراطور بتعابير عادل وغير عادل juste et injuste بتعابير الشرعية واللاشرعية، بل ينبغي أن يقوم من جهة، من ضمن وجوده الإيجابي المتطابق بالضرورة مع مشيئة الله، ومن جهة أخرى من ضمن وظيفته، وظيفة الحماية والأمن، برتراند بادي، الدولتان… مرجع سابق، ص 68-69، وانظر أيضا:
Badie (B), Culture et politique, Paris, Economica, 1983, p 124.

–م. بريلووج ليسكيه، تاريخ الأفكار، م. س. ص 120.

–Barbier (M), Religion et politique, op. cit., p 81-86.

–Voir : Trevor Roper (H.R.), De la réforme aux lumières, Gallimard, Paris, 1972.

–راجع: ناصيف نصار، في العلاقة بين سلطة الدين وسلطة الدولة (مجلة الفكر العربي المعاصر، ع24، فبراير 1983)، ص 36-38.

–للاستزادة راجع: سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة حسن حنفي (بيروت، دار الطليعة، ط 2، 1981).

–محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط 1، 1990)، ص 14.

–كمال عبد اللطيف، الأمير، خطاب الحظ والقوة، مجلة الفكر العربي…، م.س. ص 82.

–ظهرت هذه النظرية على الخصوص في الفكر الأنجلوساكسوني المتشبع بقيم التسامح الديني والمتأثر بالفردية البروتستانتية التي تدعو إلى الإيمان والثقة المتعلقة بالفرد، فكانت لها قاعدة شبه دينية بخلاف الفلسفة الأوربية التي ظهرت في إطار الصراع مع الكنيسة فكانت ثورية منذ البداية.
Audard (C), Le concept du politique dans la tradition libérale, in : Rauls (J), justice et démocratie, Paris, seuil, 1993, p 5-23.

–حول أفكار كونستانت، راجع:
Constant (B), De la religion, Paris, Actes sud, 1999.
Barbier (M), Religion et politique chez Benjamin Constant, Revenu Français de la science politique, vol 33, février 1983.

–Barbier (M), Religion et politique, op. cit., p 161-181.

–للاستزادة راجع:
Tocoqueville (A), œuvres complètes, Paris, Gallimard, 1970.

–لعبت الطبقة البورجوازية في أوربا دورا كبيرا في بناء مفهوم المجال العام، ففي نهاية القرن 17 اكتسبت البورجوازية وعيا بنفسها وشرعت في تكوين حيز خاص بها تجاه السلطة، وذلك عن طريق تأسيس قواعد وخلق حوار ومناقشات عامة وعادلة، ثم أخذت هذه الطبقة تمارس المناقشة وفق طريقة نقدية، وعندما انبثق مبدأ الحوار المفتوح بدأ المجال البورجوازي بالتمركز أولا داخل الصالونات ثم المقاهي والمنتديات الثقافية العامة حتى اكتسب الشرعية ليتموضع في النهاية في صيغة الدولة الدستورية وتحت غطاء الحوارات الانتخابية والبرلمانية، فتاريخ المجال العمومي إذن ليس سوى تاريخ البورجوازية الأوربية، انظر دراسة عامة للمجال العام وتطوره التاريخي منذ الحقبتين الهيللينة والرومانية إلى الحقب الحديثة في:
Habermas (J), L’espace public, paris, Payot, 1992.

–Abensaur (M), L’unique socialiste : une nouvelle alliance de la politique et de la religion, Paris, Gallimard, 1981, p 61-62.

–Voir : Amand (P), Politique d’Auguste Comte, paris, Armand Colin, 1965.
Henry (M), Marx, Une philosophie de l’économie, Tome I, Paris, 1978, p 84-103.

–Barbier (M), Religion et politique, op. cit. p 231-236.

— وهذا هو المقصود بالحداثة السياسية، حول مجال “السياسي” راجع:
Balandier (G), Anthropologie, op. cit., p 28-59.
ورغم ذلك فإن النقاش حول العلاقة بين “الديني” و”السياسي” أو بين “المجال العام” و”المجال الخاص” مازال مستمرا خصوصا فيما يتعلق بالشؤون التعليمية حيث ينادي قادة الكنيسة بالعودة إلى تدريس الدين في التعليم العام، في حين ترى المؤسسات الحكومية أن الدين لم يعد محل خلاف أو نزاع، وبالتالي فهو قضية اختيار شخصي، ولا يجوز أن يفرض في التعليم العمومي، كما أن التصورات الأخلاقية والدينية لا تتوقف عن التدخل في مناقشة المشاكل العامة مثل التقدم البيولوجي والهندسة والوراثية والاستنساخ، إضافة إلى أن هناك بعض الدراسات تؤكد عودة “الشعور الديني” لتوجيه السلوك السياسي خصوصا في أوقات الانتخابات، حول هذا الموضوع راجع:
Michelat (G), Simon (M), Religion, Classe et comportement politique, Paris, P.F.N.S.P., 1977, p 498-500.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق