إشكالية علاقة الأكراد الراهنة بالإسلام

من جنوب شرق آسيا وبنغلادش وصولاً إلى قلب القارة الأميركية مروراً بالعراق واليمن والصومال، يغلي العالم الإسلامي، ينفجر ويتآكل بالعنف والقتل والعصيان، ويستمد كل هذا العنف والخراب مشروعيته وقدسيته من فتاوى بعض رجالات الدين الإسلامي وساستهم المجهولون الجدد.
المشهد بات واضحاً، روتينياً واعتيادياً، أشلاء الأطفال والعمال الفقراء وطلاب الجامعات تتمزق جراء إقدام انتحاري أو (استشهادي إسلامي) على تفجير نفسه بعدد من الفقراء المسلمين(الكفرة أو العملاء) الأكثر استضعافاً من الفتى المفخخ، الشاب الضحية الذي فجر نفسه بحماس على رصيف الطريق السريع المؤدي إلى جنات الخلد.

ودون الإسهاب في الحديث عن الظاهرة فمن الواضح أننا وبخاصة في مطلع الألفية الثالثة أمام مشهد سياسي تبلورت وترسخت فيه صورة الإسلام بوصفه حاملاً رئيساً لراية العنف والإرهاب المعاصر. ومن لم يكن يصدق ذلك فقد اقتنع، اقتنع ضمناً بعد أن قدم له الإعلام الغربي صور مكثفة وملونة لعديد من القادة الإسلاميين، وعدد كبير آخر من الدعاة والمروجين والمشجعين على ظاهرة العنف الإسلامي، وعدد غير قليل من المشعوذين والمشوهين جسدياً ونفسياً، يقدمه آلة الإعلام الغربي باستمرار على أنهم قادة الفكر الإسلامي العنفي الجهادي المعاصر، وتترجم هذه الدعوات على أرض الواقع يومياً.

وكل منا، مسلماً كان أم غير ذلك يتساءل بعد كل حدث عنفي وإرهابي مروع، يتساءل بمرارة هل هذا هو الإسلام دين الرحمة؟ وهل المسلمون عموماً والعرب على وجه الخصوص لديهم كل هذه القابلية لممارسة العنف والإرهاب؟ هل الدين الإسلامي وبالتالي أيديولوجية الإسلام السياسي هي التي تمهد الطريق وتخصب تربة الإرهاب والكراهية هذه؟ أسئلة تبدأ ولا تنتهي مع جريان الدم البشري رخيصاً في أكثر من بلد.

لا شك أن المفاهيم قد اختلطت وتداخلت الحدود بين المقدس والمدنس، بين المحرم والمباح، والمشكلة باتت ليس بين المسلمين والآخر المجاور أو البعيد، فالمشكلة لا تكمن في تصادم الإسلام مع اليهودية والمسيحية والبوذية وحسب، وإنما المعضلة هي في انتقال التضاد والتناحر بين المسلمين وغيرهم إلى داخل أطياف مجتمعات المسلمين أنفسهم. لقد كان من الممكن الحديث عن تناقض الإسلام مع جواره من الأديان الأخرى سابقاً، أما اليوم فلا، فقد انزاحت مشكلة الإسلام مع الآخرين وتفاقمت لتطال أطياف ومذاهب الإسلام نفسه، وصولاً إلى الانتحار الجماعي كأفق منظور.

لا يمكن لأي قارئ موضوعي لتاريخ المجتمعات البشرية أن يقتنع بأن الإسلام لوحده يشكل مشكلة العصر السياسية والإيديولوجية, ولا يمكن أن يكون الإسلام وحده دين عنف وإرهاب، فكل الأديان التي سبقته كانت تمارس العنف، ولكن تم تهذيب هذه الأديان وتعديل كتبها المقدسة بالتوافق والتلاؤم مع السلطة السياسية والمجتمعات المدنية التي حملتها، ومراكز القوى السلطوية التي تبنتها. الإسلام وحده كدين وقع في فخ السلطة المجردة وابتلي بإدارة المجتمعات في فترة مبكرة من تاريخه. لقد تحول الإسلام أول ظهوره إلى دين إدارة، ودين دولة، ودين سلطة، وبالتالي أعاد بناء وإنتاج إمبراطوريات الشرق الدينية الاستبدادية.

إن الإسلام، بصيغة أو بأخرى، يدفع ضريبة صراعات المجتمعات البشرية بأسرها، فهو اليوم الدين الوحيد الذي يحمل لواء الرفض السياسي للواقع، رفض الواقع المحلي لكل مجتمع بمفرده وكذلك رفض الوضع الدولي المضطرب.

إن الإسلام تحول إلى دين جهاد ورفض وسياسة نتيجة لجملة من العوامل الموضوعية والبنيوية، الخارجية منها والداخلية، فقد تراجع الدور الأوروبي التنويري والإصلاحي منذ عقود، وتحولت أوروبا بخطها الاستهلاكي العام إلى سوبر ماركت كبير لا يهم الكثير من نخبها السياسية سوى شراء السلع وتأمين البنزين ومشاهدة المباريات: لا فلسفة جدية ولا أفكار ثورية، حتى الاشتراكية الديمقراطية التي كانت تميز العقلانية الإصلاحية والتطور الحضاري الأوروبي في العقود المنصرمة، لم تعد فعالة ولا تطل بقوة على المشهد الأوروبي، ولا يقوم بدوره السياسي على الصعيد العالمي. وكأن وظيفتها انتهت مع اختفاء التجربة السوفياتية.

وروسيا تنكمش داخل نمط قومي ووطني منغلق. أميركا وحدها تدير وتقود معركة كبرى لإدارة المجتمعات البشرية بالطريقة التي تناسبها، وأميركا لم تكن يوما قادرة ولا مؤهلة لكي تقود البشرية نحو آفاق سياسية وفكرية أكثر إنسانية وعدلاً، إذ يبدو أن أمريكا لا تمتلك سوى نزعة المغامرة العسكرية ذات العمق الاقتصادي والتجاري الربحي.

وبالتوازي مع هذا الفراغ السياسي الأيديولوجي على الصعيد العالمي، استُفز الإسلام والمسلمين منذ عقود وسنين طويلة بدولة إسرائيل (المؤسسة على أرضية أسطورية دينية).

بهذا المعنى وبهذه الصيغة المختزلة من العرض نعتقد بأن الإسلام وغالبية المسلمين زُجّ بهم في معركة كبرى هي ليست معركتهم وحدهم، ويدفعون ضريبة أزمة البشرية المعاصرة، أزمة تبدو متجذرة ومستفحلة، وهي ليست أزمتهم فحسب، وإنما أزمة تناقضات المجتمعات البشرية ومشكلاتها المتفاقمة مع الفقر والبطالة والاضطهاد القومي والتمييز الديني والمذهبي في العديد من مناطق العالم وإن بدرجات متفاوتة. وبالتالي تحولت وحُورت هذه المعركة الحياتية السياسية ووُجهت نحو محاور عنفية تفتقر إلى البرامج السياسية، واشتُقت منها تيارات ذات طابع إرهابي.

ومن البديهي أن تختلف مواقف الشعوب والشخصيات الإسلامية من ملابسات هذه الأحداث، والاتجاهات الإسلامية العنفية التي برزت على الساحة، ويبدو الموقف الكوردي أشد هذه المواقف وضوحاً، فقد أثرت الأحداث الأخيرة على الأكراد كأمة ونخب وأفراد، حيث كانوا دائماً معنيين بالشأن الإسلامي في المشرق، مؤثرين ومتأثرين به، وهم يتأثرون اليوم بتداعيات ومخاض هذه المرحلة العاصفة، التي تتمحور فعاليتها السياسية حول الحركات الإسلامية التي احتضنت التيارات القومية المعادية للشعب الكوردي في المنطقة. وما هو مثير للانتباه بروز اتجاهات في التفكير والممارسة السياسية الكوردية هي على النقيض من التوجهات العامة للحركات الإسلامية العنفية.

وتتسع دائرة الخلاف لتنسحب إلى اختلاف رؤيتها إلى معضلة علاقة الإسلام بالآخر، ودرجة التبرير للعنف الإسلامي وشدة معادة الغرب المسيحي. فالأكراد يبدون اليوم أكثر تسامحاً في المجال الديني من غيرهم من أبناء الشعوب المجاورة، وأكثر حماساً لتقبل الحداثة والعلمانية وتنمية العلاقات المميزة مع الغرب الأوروبي والأميركي. حتى بدأت تفرز هذه النظرة الكوردية الجديدة علاقة مضطربة مع المحيط الإسلامي، وخروجاً عن سياقه العام. وفي الجانب الآخر يتزايد الشعور بالتذمر لدى الأوساط الشعبية الكوردية من الظلم المستدام للإسلاميين والقوميين المتسترين برداء ديني في الدول والمجتمعات المجاورة لكردستان. فالذاكرة الكوردية مشبعة بالأحداث المأساوية وتستذكر باستمرار تعرض الأكراد عبر التاريخ لمظالم على يد “المسلمينّ الأتراك والفرس والعرب، فالذاكرة الشعبية الكوردية مثقلة بحملات الإبادة منذ أواخر العهد العثماني وصولاً إلى حملات “الأنفال” القومية العنصرية المنصبة في قالب إعلاني ديني، وخاصة كارثة “حلبجة” التي كانت ذروتها، وكذلك تستحضر الفعاليات الكوردية حفلات إعدام حرس الثورة الإسلامية لأكراد إيران في الثمانينات من القرن الماضي، ومن بعده قتل القادة الكورد على يد المخابرات الإسلامية الإيرانية، مروراً بحملات الإبادة الجماعية المعاصرة التي تقودها الدولة التركية.

يحدث ذلك منذ عشرات السنين ويستمر اليوم بقيادة حكومتها الإسلامية، حيث يتم قتل الأكراد العزل المسلمين في بلادهم ووطنهم التاريخي كردستان، لدرجة قطع رؤوس الفتيان والأطفال الأكراد الرعاة البسطاء وعرض صورهم في التلفزيون التركي. كما يستكمل مشهد اضطهاد الأكراد من قبل الجوار القومي ـ الإسلامي بحملات الاعتقال وسياسات الحرمان من الحقوق السياسية والمدنية والثقافية لأكراد سوريا، وأخيرا كان للصمت الإسلامي على قتل العشرات من المدنيين والمثقفين الأكراد في اليوم الأول من عيد الأضحى “الأول من فبراير عام 2005” بمدينة إربيل، وهم يستقبلون المصلين بعد صلاة العيد مباشرة، تأثير سلبي كبير، إذ مر هذا الحدث دون أي تنديد أو أسف من قبل القوى والحركات والمرجعيات الإسلامية في المنطقة والعالم! وكان للصمت المريب هذا أكثر من معنى.

وكنتيجة لمجمل الأحداث التاريخية والمعاصرة ومواقف القوى الإسلامية تجاه الأكراد ومعاناتهم، يغلب الإحساس بالغبن والأسى عند غالبية الأكراد، ويراودهم شعور عميق بالغربة والعزلة عن المحيط الإسلامي، لدرجة أن برزت ردود فعل قوية عند أوساط واسعة من النخبة الكوردية تترجم على شكل دعوات فردية للانسحاب من هذا العالم الإسلامي الظالم والقاسي والمعادي للأكراد، وهو رد فعل قد يكون طبيعياً عند هؤلاء الكورد أحفاد الذين خدموا وضحوا كثيرا في سبيل نشر الإسلام واستمراريته. فهذا الشعور لا ينتاب النخب العلمانية فحسب وإنما ينسحب أحياناً على قطاعات واسعة من الجماهير والأوساط الشعبية البسيطة والفقيرة المتدينة أساساً.

الإسلام بصيغته الشمولية المطروحة اليوم لم يعد مشكلة تطرق أبواب مناطق متباعدة من العالم وحسب، وإنما هي مشكلة أهل الإسلام وفي مقدمتهم الأكراد ضحايا المسلمين، فإشكال العلاقة بين الإسلام والكورد قد تفاقم وانتقل من مستوى العلاقة مع السلطات إلى سوية العلاقة مع الأيديولوجية والتعاليم الدينية، وقد تتطور إلى درجة مناقشة جدوى الانتماء نفسه، ومن هذه النقطة تنبثق أهمية وخطورة التعامل مع الموضوع، وبخاصة إن جاء برد فعل آني، كدعوات الانسلاخ عن الإسلام أو الخروج عن العالم الإسلامي. إن ردود الفعل والتسرع في طرح هذه الأفكار لا تأتي بالضرورة لخدمة قضية الأكراد ولا تساهم في التخفيف من معاناتهم، وإنْ تحقق الانسلاخ فهو سيجعل من الشعب الكردي عارياً، ولن يستر عورته أي بديل فكري أو ديني وأيديولوجي. فعلاقة الأكراد بالإسلام عضوية، وهي أكثر من انتماء، أو رداء يمكن خلعه.

لذلك من المستحسن الاستمرار في التواصل والتفاعل مع المحيط المسلم والحوار معه، والسعي لبناء علاقات صحيحة، والتعاون لوقف مد هذه الفورة الدينية السياسية العارمة التي تستبطن العنصرية القومية والعنف والانتقام الاجتماعي ونزعات مقاومة الاستعمار وهيمنة الغرب المسيحي جميعاً، وهي متشابكة في صيغة معقدة وملتبسة، ويعاني الأكراد أكثر من غيرهم من تفاقم فورتها، حيث توجه لهم التهم القاسية إضافة إلى شرعنة اضطهادهم والصمت على المظالم المستمرة بحقهم منذ مئات السنين.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق