إصلاح الإسلام: بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان 8/3

إصلاح الإسلام: بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان 8/3


3ـ الجنّة رمز لرحم الأمّ

  يقدّم تدريس علم نفس الأديان للتّلميذ والطالب إضاءة أخرى ثمينة، تساعده على فهم الجذور النفسيّة للظاهرة الدينيّة. مثلا ماذا يقول علم نفس الأديان عن الظاهرة الدينية؟ إنّها إسقاط نفسيّ: فقد اكتشف الإنسان الاعتقاد في كائنات ما فوق طبيعيّة، آلهة ثم إله، منذ ليل التاريخ، عبر إسقاط صورة أبيه، رمز الحماية والحبّ، على أب آخر في السّماء يقف إلى جانبه في أيّام البأس واليأس، ويقدّم له العزاء والسلوى في الشدائد والمحن.

 

وليس مصادفة أن القبائل البدائيّة تسمّي الله “الأب الذي في السّماء” وكذلك يسمّيه المسيحيون. كما يعطيه الطريقة لتأويل الرّموز الدينيّة والأسطوريّة، كخلق حواء من ضلع آدم، حسب أسطورة سفر التكوين، التي تأوّلها فرويد بما هي تخييل استمنائي، وكالجنّة، التي أوّلها فرويد بالحنين اللاشعوري لإقامة الجنين في رحم أمّه: وصف النّفساني، جروند بيرجر، مشاعر الجنين المطرود من الرحم بالولادة، يذكرنا بأسطورة طرد آدم من الجنة قائلاً: “يحتفظ الجنين للعالم الآخر، الذي طرد منه، بالحنين؛ احتجاجه على طرده منه يعبر عن الحنين إلى الكمال والنعيم والبراءة”. أمّا النّار فيمكن تأويلها، في نظري، بأنّها ذكرى مؤلمة لصدمة الولادة، وصدمة قطع حبل الصرة، وصدمة الفطام وأخيراً، بالنسبة إلى المسلمين واليهود، صدمة الختان. وكلها مفاجآت غير سارة سببت للطفل، منذ الولادة، اضطرابات بيولوجية ونفسية دائمة. كما يكشف لنا علم نفس الأعماق التشابه العميق بين اضطرابات الوسواس القهري، والشعائر الدينية كالصلاة والطهارة: مثلاً الاغتسال الكامل للتطهر من النجاسة بعد النكاح، أو الاحتلام؛ والوضوء، بعد التغوط والتبول أو الفساء والضراط، أو حتّى مجرّد لمس القضيب سهوا، تشبه، بل ربما تماثل أعراض اضطرابات العصاب الوسواسي القهري، الذي يتجلى في وسواس النظافة، مثل غسل المريض يديه أكثر من 100 مرة في اليوم لتنظيفها من الأوساخ أو الميكروبات… إلخ!

 

من الزاوية السيكولوجية، العصاب الوسواسي القهري هو دفاع ضد الجنون؛ من الزاوية البيولوجية، هو عرض لاختلال بعض وظائف الدماغ، ممّا يجعل علاجه بالأدوية ممكناً، مخلّصاً هكذا المؤمن من التكرار اليومي أو الدوري لشعائر سقيمة ومؤذية، كترك الطالب دروسه، والعامل عمله للصلاة، أو انهيار الإنتاج والصحة في شهر رمضان، أو متاعب وتكاليف ومخاطر العدوى بالأمراض بالحج…

شيوخ الإسلام المستنير، لا يرون غضاضة في تبني التفسير النفسي لظواهر الدين؛ مثلا الشيخ خالد محمد خالد، تبني في كتابه “من هنا نبدأ” (1950)، تفسير علم نفس الأعماق للشيطان: بأنه رمز اللاشعور حيث ترقد الغرائز العدوانية، والرغبات الجنسية المكبوتة، وفي مقدمتها الرغبة في الاغتصاب الراسخة في نفسية الذكور.

 

اللّسانيات: كما يعلمنا علم نفس الأعماق، بأن الواقعة الخام غير موجودة، لأن الواقعة تترافق عادة بإسقاطاتنا اللاشعورية عليها؛ بالمثل تعلمنا اللسانيات أن كل نصّ هو تقريبا تناص، أي تلاقح نصوص عدة على مر التاريخ، وهو مجاز، لا يجوز أن يُقرأ قراءة حرفية، وأنّه، كما قال ابن عربي في فتوحاته: “ما في الكون كلام لا يُتَأوَّل”. النص، والكلام عامة، الوحيد الدلالة لا يكاد يوجد. خاصة في الدّين حيث يتفشى الفصام بين فاعليه، سواء أكانوا أنبياء أو رجال ونساء دين. وهذا ما جعل النصوص الدينية غالباً فضفاضة أي مزدوجة الدلالة: تحتمل الشيء ونقيضة، بل هي أحيانا هذيان مغلق عن الفهم، مثل الآيات المتشابهات وحتى النصوص الدنيوية المبهمة كبعض كتابات، ألان بو، أو بعض أشعار وكتابات المعري. من الواضح أن اللغة، منذ البداية، كانت فصامية، تكثر فيها أسماء الأضداد لأن الإنسان البدائي، وامتداده الإنسان التقليدي، اللذين تكلماها، كانا مسكونين بالفكر السحري والالتباس اللغوي، حيث الكلمة لها معنى أول ومعنى ثان.

 

لهذا السبب نجد أن المصطلحات العلمية والتكنولوجية، خالية من رواسب لغة ما قبل العلم، التي تنقصها الدقة. تخلّف دراسة العلوم في الفضاء العربي، عائد، في المقام الأول، إلى غياب المصطلحات العلمية في العربية. فمازال متكلموها يرفضون إعطاء الجنسية اللغوية للمصطلحات العلمية والتكنولوجية الحديثة، لمجرد أنها “دخيلة”، إذ أن الذهنية العتيقة لا ترضى عن الأصيل بديلاً!

القراءة الحرفية السّائدة تعاملت مع لغة النّصين المؤسسين، القرآن والحديث، كما لو كانت مصطلحات علمية وتكنولوجية لا تحتمل إلا معنى واحداً وحيداً، والحال أنها متعددة المعاني والإيحاءات المتناقضة كثيراً وغالباً. لذلك هي في حاجة ماسة إلى التأويل بمفهومه اللساني والهرمينوطيقي، الذي هو قبر القراءة الحرفية للنص، والتي هي أحد أمراض الإسلام المزمنة.

الفيلولوجيا موضوعها هو الفهم الموضوعي للحضارات القديمة، من خلال التحقيق والتحليل النقديين لنصوصها الأسطورية والأدبية والدينية، للتحقق من صحة النص. بها استطاع المستشرقون تحليل وتحقيق وترجمة نصوص الإسلام، كنولدكه وبلاشير مثلا.

التحليل الفيلولوجي للكلمات، لا يساعد على تدقيق معانيها في سياقاتها التاريخية وحسب، بل يلقي أيضاً أضواء عن حقائق تاريخية، وانثروبولجية وسسيولوجية ثاوية فيها. مثلاً كلمة بوليموس الإغريقية، تعني الحرب؛ وهي مشتقة من بوليس أي المدينةـ الدولة. استنتج الباحثون من ذلك أن الحرب، في اليونان على الأقل، ارتبطت بظهور المدينة ـ الدولة.

 

 

ما المقصود بالهرمينوطيقا؟

 

 

 هي تأويل النصوص، والرموز، والأساطير الدينية والدنيوية. فهي تعلمنا أن النصوص والرموز خاصة، الأسطورية والدينية، فضفاضة ومتشابهة تحتمل معانِ عدّة، متناقضة غالباً، مصداقا لقول الإمام علي “القرآن حمّال أوجه”، إذن يسمح بأكثر من قراءة واحدة. وتساعد تلامذتنا وطلبتنا وباحثينا على استخراج المعاني الأسطورية والرمزيّة الكامنة في النص، بنقله من الإبهام إلى الوضوح لجعله مفهوما. التأويل، عكس التفسير العلمي، ليس منتجا لمعرفة علمية موضوعية، تفرض نفسها على الجميع. بل هو تأمّل فلسفي أو صوفي. النص الديني برموزه يفتح آفاق تأويل لا حدود لها للقارئ، الذي يحيّنه حسب عالمه المعيش، ليعيد امتلاكه بإعطائه المعنى الذي يلائمه. وهذا ما نراه، في التفاسير التي هي تآويل للنصّ القرآني. فيها يلتقي عالَم الآية والعالم المعيش لكل مُفسر وقارئ. مصداقا لقول ابن عربي “ما في الكون كلام لا يُتأول “. فعلا لأن التأويل هو مفتاح قراءة ما يقال أو يكتب تحت إملاء اللاشعور؛ حتى النوطات الموسيقية تحتاج إلى تأويل. مثلا باخ، كما يقول مؤرخو الموسيقى، كتب في مخطوطاته الروابط بين النوطات، بسرعة كبيرة، حتى غدا من المستحيل أحيانا معرفة مكانها الحقيقي، فيضطر عازفوه – يسمون باللغات الأوروبية مؤولوه ـ إلى الاجتهاد في تنزيل الرّوابط. حالة باخ هي حالة الفنانين، والأدباء، والشعراء، والمتصوفة والأنبياء، الذين تتزاحم في رؤوسهم الأفكار والصور والإلهامات والرموز والمجازات، على نحو يجعلهم يتحكمون بالكاد في تنظيمها. من هنا ضرورة الهرمينوطيقا، أي التأويل، لدخول عالمهم الغني بشتى المدلولات والهذيانات المبهمة، والمتشابهة أي المتعارضة. يقول بعض الباحثين أن 94 في المائة من آيات القرآن متشابهات إذن في حاجة إلى علوم التأويل الحديثة لتفكيكها لجعلها قابلة للفهم.

 

القراءة الهرمينوطيقية تمر بثلاث درجات: تبدأ بالمعنى الحرفي، لتبرهن على أنه غير مقنع غالبا، منتقلة إلى روح النص، أي إلى معانيه المفهومة وأخيرا إلى الدرجة الثالثة القراءة المجازية للنص، حيث يتجاور عالم مؤلف النص مع عالم قارئ النص، في حوار قوامه الإيحاء والاحتمال والترجيح. القراءة الهرمينوطيقية مارسها في الإسلام المتصوّفة. تفسير ابن عربي هو أحد نماذجها الأكثر نضجا؛ تأويله هو في الواقع إعادة إنتاج للنص القرآني، كما برهن على ذلك في تفسيره الصغير، الذي لا يُدرس على حدّ علمي في أي كليّة دينية إسلامية!

 أضيف إلى علوم الأديان، علوم الأعصاب، التي تَدرُس تركيب الدماغ ووظائف وآليات اشتغاله. اكتشافاتها في هذا المجال غيّرت راديكاليا المفاهيم الدينيّة القديمة. مثلا ظلّت البشرية، منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، تعتقد أنها تفكر وتؤمن بالقلب، إلى أن كشفت البيولوجيا العصبيّة أن الإنسان لا يفكر بقلبه بل بدماغه، وتحديدا بقشرة الدّماغ، أي الخلايا العصبية: النورونات المُنتجة للتصوّرات الذهنية من مشاعر، وأحاسيس، وانفعالات وأفكار… كل خلية، من المائة مليار خلية عصبيّة في دماغنا، تقوم بوظيفة محدّدة.

 

مثلا خلايا القشرة الجبهيّة، وهي متطورة جدا عند الإنسان، قياسا على ابن عمّنا الشامبنزي، متخصّصة في الفكر العقلاني؛ خلايا الفصّ الصّدغي الأيمن متخصصة في إنتاج الظواهر الدينية، كالإيمان والتأمل الروحي، والوحي والنبوة والوجد الصوفي: إذا كان الطب النفسي، يفسر ظواهر الوحي عند الأنبياء بالهذيان الديني، الذي نواته، هذيان نهاية العالم زائد الهلاوس السمعية أو السمعية البصرية، كرؤية جبريل مثلاً، فإن علوم الأعصاب تفسر الوجد الصوفي، أي الحضرة، بما هو حالة دماغية تمنع مراكز المخ، التي تُجري في الأوقات العادية فصلاً بين الأنا والعالم، عن القيام بوظيفتها؛ الوجد قادر على تخفيف نشاط مراكز المخ، التي تعيدنا إلى فرديتنا، إلى أنانيتنا. بالمثل؛ يفسر ظاهرة الدراويش، الذين يمشون حفاة على الجمر، بأن الهستيريا تمنع العصب الناقل للألم من الاشتغال، تماماً كالبنج. وهكذا فعلوم الأعصاب واعدة بمقاربة بيولوجية ناجعة “للأسرار الرّوحيّة”، تساعد العقل على فهم كيفية اشتغال المشاعر والانفعالات وتالياً التحكم فيها.

 

اكتشافات علوم الأعصاب تاريخية وجديرة بأن يتعلمها تلامذة وطلبة التّعليم الدّيني، لتنويرهم وإنقاذهم من التجهيل المنظم، الذي تحشو به التربية الدينية التقليدية، في مدرسة اللامعقول الديني، أدمغتهم لإبقائهم رهينة لأساطير ما قبل تاريخ العلم. تعليم ديني يَستنير بالعلم هو الكفيل بتخليصنا من مدرسة اللامعقول الهاذي وشياطينها: من التعصب إلى الإرهاب المعولم، مثل فتاوى إهدار الدماء المحرضة على تفجير الأحزمة الناسفة في المُصلّين الشيعة في العراق، وفي المراهقين الإسرائيليين المُسطفّين لدخول المرقص!

تدريس علوم الأديان، ودراسة الإسلام بها، سيُعلم الأجيال الجديدة – عكس الأجيال التي كانت ضحية القراءة الحرفية – مُقاربة النصوص باعتدال ومعقولية. فلا تعود تردّد كالببغاء مع ابن حزم: “إن نصوص القرآن والحديث تُطاعُ لذاتها لا لِعِللها”، بل سيضعون مكان كلمة “تُطاع” كلمة “تُفهم لِعللها لا لذاتها”. وهكذا يصبح المطلوب فهم النص، وليس الاستسلام للنّص صُمًّا وعميانًا، الذي هدم كل أساس معقول للحياة الاجتماعية والدينية، إلى درجة السقوط في الهلاوس، والتخييلات، والهذيانات الفردية والجماعية التي نعيشها اليوم. علوم الأديان مُجتمعة تقدم لنا معرفة موضوعية عن الدين، تساعدنا على فهمه وتفسيره للتعامل معه بعقلانية، أي بفكر يتساءل ويفحص بعيدا عن الرقابة الدينية المفروضة أو الذاتية. وباختصار، فكل علم من علوم الأديان يلقي أضواء كاشفة على الظاهرة الدينية؛ في الواقع، علوم الأديان مثل أشعة الليزر، بما هي شعاع ضوء قوي، تجعل الذرات شفافة؛ بالمثل، علوم الأديان تجعل الدين بما هو إنتاج ثقافي شفافا.

 

علوم الأديان هي الوحيدة الكفيلة اليوم بجعل الإسلام متحضراً، أي متصالحاً مع حاجات ومتطلبات عصره مثل حوار الأديان. ولا شيء كحوار الأديان، لتجاوز الولاء والبراء المنغلق على نفسه والذي يعتبر حوار الديانات الأخرى كفرا. ولا معنى لهذا الحوار إذا لم يشارك فيه أكثر من نصف البشرية:56 %من معاصرينا الوثنيين. وهذا ما بدأ يعيه فرقاء هذا الحوار. فقد أَشركوا، في مؤتمر حوار الديانات التوحيدية، ممثلي الديانة البوذية، التي هي اليوم من أكثر الديانات أتباعا وتسامحا. إذ تسمح للمؤمنين بها باعتناق أي دين آخر شاؤوا مع بقائهم بوذيين.

 

هذه الروح البوذية المتسامحة والمسكونية (أي العالمية) كانت قوام الإسلام الأول، ونصت عليها كثير من الآيات الكريمة، مثل “والذين يؤمنون بما أُنزل إليك وما ُأُنزل من قبلك”. وبهذا المعنى فالمسلم هو في الوقت ذاته يهودي ومسيحي وصابئ، لأن هذه الديانات جميعا طريق للخلاص الروحي للمؤمنين بها، مصداقا للآية 69 من سورة المائدة: “إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابؤون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون”. فهذا الوعد القرآني يعتبر الأديان المعروفة آنذاك طريقا للخلاص الروحي. لكن هذه الآية، كالآيات الأخرى التي تتعارض مع التوسع الإمبراطوري، على حساب الديانات الأخرى، نسخها فقهاء النرجسية الدينية، فقد نسخوا 75 آية، اعترفت بالحرية الدينية وحرية الضمير والتسامح الديني وحوار الأديان، بآية واحدة وحيدة قرؤوها كعادتهم قراءة حرفية هي “إنما الدين عند الله الإسلام”.

 

وهذه جرأة فقهية ترقى إلى مرتبة الفضيحة: آية سجاليّة تنسخ عشرات الآيات التي أسست للتسامح الديني الضروري، خاصة لعصرنا: عصر حروب الأديان المعلنة أو الكامنة! وعلى مدرسة المعقول الديني اليوم أن تنسخ النسخ، وترد الاعتبار لآيات الحرية الدينية المتطابقة مع العقلانية الدينية وحقوق الإنسان. وهو إنجاز حققه الإسلام الصوفي بنسخه النسخ. سجل ذلك المتصوفة في شعر جميل، مثل عبد الكريم الجيلي القائل، منذ حوالي 6 قرون:

 

“فطوراً تراني في المساجد راكعاً / وطوراً تراني في الكنائس راتعاً

إن كنت في حكم الشريعة عاصياً / سأكون في حكم الحقيقة طائعاً”

 

الجيلي، لا يبالي بحكم الشريعة النرجسية الملتفة على نفسها كعمامة. الحكم الوحيد الذي يرتضيه، هو حكم الحقيقة الصوفية، الحقيقة الروحية التي نلتقي بها في كل الديانات، بما فيها الوثنية، وفي كل أنساق التفكير بما فيها الإلحادية. كما يقول ابن عربي أيضاً:

 

“لقد كنت قبل اليوم أُنكر صاحبي / إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

وقد صار قلبي قابلا كل ملة / فمرعى لغزلان ودير لرهبان

ومعبد أوثان وكعبة طائف / وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أَنّى توجّهت ركائبه / فالحب ديني وإيماني”…

 

ابن عربي نادر في تاريخ الإسلام. إنّه حقا معاصر لنا، إذ اعترف بالدّيانات الوثنيّة وساواها بالتوحيديّة منذ ثمانية قرون. ومازال فقهاء الظاهر، لا يعترفون حتى باليهودية والمسيحيّة، زاعمين أنّهما مجرّد شريعتين نُسختا بالشريعة الإسلاميّة… لا بأس بتدريس هذه الأبيات، في جميع المدارس وجميع البلدان، في مادة حوار الأديان المطلوب استحداثها. ولتبدأ بذلك المملكة العربية السعودية، التي بدأت تنفتح على حوار الأديان العالمي. ولا بأس بكتابتها، بجميع اللغات، على واجهة أبواب مؤتمرات حوار الأديان، ردا على فقهاء التعصّب الذين مازالوا يكرّرون “لا معنى لحوار الأديان مع البابا إلا بدعوته إلى دخول الإسلام”. قارن هذا التعصب بواقعة وفد نصارى نجران، برئاسة أسقفهم، إلى المدينة للحوار مع نبي الإسلام. كان اليوم يوم أحد، ولما حان وقت إقامة القداس، سأله الأسقف: أين سنصلي يا محمد؟ أجابه: في مسجدي. فلماذا لا يتبادل اليوم المؤمنون بجميع الأديان، الصلاة يوما كل سنة على الأقل، في معابد بعضهم بعضا، إحياء لهذه السنّة النبويّة الحميدة؟ ولعل شيخ الأزهر، المنحدر من الإسلام الصوفي، وريث الإسلام المكي الرّوحي المسالم، سيكون أوّل المبادرين لذلك بدعوة المسلمين للصلاة في الكنائس في عيد الميلاد، ودعوة البابا للمسيحيين للصلاة في المساجد في عيد المولد النبوي.

 

دراسة الإسلام بعلوم الأديان، هدفها تعليم أدمغة الناشئة التمرن على الصرامة المنهجية، والانضباط المعرفي، والفكر النقدي، وهي العدة الضروريّة لفهم النص وتفكيكه والنقاش فيه بلا محرمات مستبطنة، مازالت حتّى الآن تشكل عوائق تعتقل عقل المسلم فلا يعود قادرا على فهم موضوعه.

 

 

أضفتَ أيضا الفلسفة لعلوم الأديان. فكيف تساهم الفلسفة في فهم الدّين؟

 

 

 الفلسفة ضروريّة لفهم الدّين والحياة. لإنتاج الحكمة فيهما. العالم الذي نعيش فيه لا يحتاج إلى القوّة بل إلى الحكمة. الفلسفة تدرّب أدمغة التلامذة والطلبة على استخدام الفكر النّقدي، الذي يستدعي جميع الادعاءات الدينيّة والدنيويّة للمثول أمام محكمة العقل، لتحاول تبرير معقوليتها. كما تدرب الأدمغة على استخدام قوة الحجة، بدلا من حجة القوة، التي توشك أن تجعل العالم غير قابل للحكم وربّما أيضا غير قابل للحياة. تعلمهم لذّة الاكتشاف، والفضول المعرفي، أي ثقافة السّؤال التي حرّمها الفقهاء. كما تحصنهم ضدّ ثقافة الاستشهاد، وهذيانها عن الشّهيد الذي لا يموت، وعن القصر و 72 حورية اللواتي ينتظرن أمامه قدوم القاتل القتيل لافتضاضهن بعدما نفذ جريمته في الأبرياء، تعلم أبناءنا أن يهتموا بمستقبلهم الآن وهنا، تشفيهم من مرض الحنين إلى الماضي، الذي هو حنين إلى فترة الطفولة، فترة الإعفاء من المسؤولية؛ ومن البحث عن مفاتيح حاضرنا ومستقبلنا في ماضينا الذي فات ومات. الإصلاح الديني الشجاع يساعد على طي صفحة ثقافة الاستشهاد بتعويضها بثقافة احترام الحياة، حياتنا وحياة غيرنا. الفلسفة، المفككة للأساطير، تساعد على ذلك.

 

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This