إصلاح الإسلام : دراسته وتدريسه بعلوم الأديان (3/2)

 كيف لفّق ابن إسحاق حدّ الرجم؟

  ناصر بن رجب : يقول الخميني في "تحرير الوسيلة" ج 2، كتاب النكاح، مسألة 12، ص 221 : "لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين، دواما كان النكاح أو مُنقطعا، وأما سائر الإستمتاعات كاللمس بشهوة والضمّ والتفخيذ فلا بأس بها حتى في الرضيعة، ولو وطأها قبل التسع ولم يفضّها لم يترتب عليه شيء غير الإثم على الأقوى…". فكيف تقرأ هذه الفتوى؟

 للتاريخ، فتوى خميني هذه هي حديث متّفق عليه.

 ما معنى متفق عليه ؟

 أي اتّفق على روايته الشيخان البخاري ومسلم. وعندئذ يصبح لا جدال فيه. فتوى خميني بهذا الحديث في القرن العشرين هي في حدّ ذاتها شاهد إدانة على تأخّر إصلاح الإسلام بحقوق الإنسان وعلوم الأديان والفكر الفلسفي النقديّ وبكلّ مكاسب الحداثة. تأخّر الإصلاح يُنتج الأهوال وفي مقدّمتها طغيان اللامعقول الدينيّ حتّى على الذوق السليم  Le bon sens. الاستمتاع الجنسي "حتى في الرضيعة" تعبير عن رغبة جامحة في اغتصاب الأطفال الشائع اليوم في أرض الإسلام التي مازالت دولها لم تحدّد بعد سنّ الزواج بثمانية عشر عاما كما فعلت تونس والمغرب مثلا. قوانين العالم الذي نعيش فيه تعتبر نكاح الأطفال قبل ستّة عشر عاما اغتصابا، إذن جريمة مستوجبة للعقاب. أمّا في كثير من البلدان الإسلامية فتعتبره الشريعة زواجا "على سنّة الله ورسوله". وكأحد المؤشّرات على بداية نُضج إصلاح الإسلام في وعي النخب الإسلامية، فرضت السعودية مؤخّرا ضرورة كتابة سنّ الزوجة في عقد النكاح ربّما – في السيناريو المتفائل – كتمهيد لوضع حدّ لاغتصاب الأطفال فيها. والجدير بالملاحظة أنّ باحثا مصريّا أثبت بالعودة إلى وقائع التاريخ أنّ سنّ أمّ المؤمنين عائشة كان ثمانية عشر عاما لمّا بنى بها الرسول وليس تسعة أعوام كما يذكر البخاري، وهذا ينسف "سنّة الله ورسوله" التي برّر بها المحدّثون الرغبة في اغتصاب الأطفال، أي البيدوفيليا الراسخة في النفسية خاصة لمن كانوا في طفولتهم ضحيتها.

لا ينبغي أن ننسى أنّ في إيران اليوم نخبة إصلاحية عقلانية ذات جماهيرية جارفة لا تعتبر خميني مرجعيّة لها، ومطلبها المركزي فصل الدين عن الدولة والقطع النهائي مع تطبيق الشريعة، وخاصة إيقاف جريمة الرجم التي تطبّقها الآن إيران التي عاد حكّامها للقرون الوسطى لكنّ نخبها وشعبها يعيشون في قلب القرن الحادي والعشرين ويدفعون ثمن ذلك من حريتهم وحياتهم. حداثتهم الدينية جديرة بأن تكون قدوة حسنة لكلّ المسلمين في العالم حيث مازال تيّار الجمود الديني، بالرغم من أنّه في موقع دفاعي، هو الأعلى صوتا والأشدّ أذى للإسلام والمسلمين وباقي البشرية.

 ناصر بن رجب : ترجمتُ بحثا مهمّا للمستشرق الفرنسي دي بريمار سأنشره قريبا جدّا عنوانه : "نبوّة وزنا" فكّك فيه كيف فبرك المحدّثون والفقهاء حدّ الزنا في الإسلام. اتّضح لي من ذلك أنّ ابن إسحاق، الذي قال عنه مالك بن أنس أنّه دهريّ متّهما إياه بالكذب، لفّق سيناريو امتحان اليهود للنّبي في حدّ الزنا وذلك لهدفين : الأوّل إثبات أنّ نبوّة محمد جاءت في التوراة ولكنّ اليهود كتموها، والثاني نقل حدّ الرجم من الشريعة اليهودية إلى الشريعة الإسلامية زاعما أنّ أحبار اليهود تآمروا في المدرسة التوراتية لاختبار نبوّة محمد فقالوا : "لنبعث بهذا الزاني والزانية إلى محمد ونسأله عن الحكم الشرعي فيهما، فإن قضى بالجلد فهو ملِك فاتّبعوه، وإن قضى بالرجم فهو نبيّ فاحذروه" ويجعله ابن إسحاق طبعا يقضي بالرجم لإثبات نبوّته وإضفاء الشرعية الإسلامية على حدّ الرجم التوراتي…

 استنتاجك صحيح تماما. فقصد ابن إسحاق هو إثبات أنّ اليهود تأكّدوا من نبوّة محمد فكتموها وناصبوه العداء، ممّا يبرّر حروبه عليهم. وسواس تآمر اليهود على النبيّ نلتقي به في كلّ منعطف. مثلا زعم ابن اسحاق أنه لما مرّ أبو طالب مرفوقا بالفتى محمّد بقافلته على الراهب بحيرى أنبأه هذا الأخير بأنّ ابن أخيه سيكون نبيّا وحذّره من اغتيال اليهود له. ذات الهاجس نجده في فبركة سبب نزول آية تغيير الاتجاه من القدس إلى الكعبة فقد زعم واضعو أسباب النزول أنّ اليهود قالوا : لماذا يشاركنا محمد في الاتجاه في صلاته إلى القدس بينما التوراة تقول أنّ «نبيّ آخر الزمان» يستقبل في صلاته القبلة…  طبعا هذا النص لم يوجد وما كان بإمكانه أن يوجد، لأنّ منطق النرجسية الدينية في اليهودية التي حصرت النبوّة في ذرّية إسحاق، ينافيه. وبالمناسبة يقول المستشرق ميشيل كويبرس  Cuypersفي كتابه Le Coran أنّه عُثر على تسعمائة آية من مصحف يُرجِّح الباحث المعروف في القرآنيات أمير معزّي أنه إمّا أنها تعود إلى مصحف ابن مسعود أو إلى مصحف أُبي بن كعب، ويلاحظ المستشرق الذي اطّلع على هذا الجزء من المصحف أنّ الحديث والقرآن مازالا لم ينفصلا عن بعضهما البعض ويضرب مثلا باحتوائه لحديث-آية الرجم. وهذا يشير إلى أنّ الآيات تعود على الأرجح إلى مصحف أُبيّ، فالسجستاني يُخبرنا بأنّ آية الرجم موجودة فيه. ولكن نفورًا من هذا الحدّ الفظيع فإنّ لجنة جمع القرآن التي كان فيها أبيّ أبت إدراج حديث-آية الرجم في مصحف عثمان بما يدلّ على سوء سمعة الحدود الشرعية عند عثمان وباقي أعضاء اللجنة.

 هل كانت سمعة الحدود سيئة إلى هذه الدرجة ؟

 نعم، شريعة العقوبات البدنية لم تكن لها سمعة حسنة في تاريخ الإسلام. مؤسّس الإسلام كان يوصي أصحابه في المدينة بالتصالح فيما بينهم تفاديا لتطبيق الحدود عليهم قائلا : "تعافَوْا الحدود فيما بينكم، فما بلغني منها نفّذته". وحتى ما يبلغه منها فإنه بحث له عن مخرج لعدم تنفيذه قائلا : "ادرؤوا الحدود بالشبهات"، أي أنّ على القاضي أن يبحث عن شبهة براءة ليتجنّب بها تطبيق الحدّ. وعُمر أوقف حدّ السرقة عام الرمادة أي المجاعة. وعثمان رفض إقامة الحدّ الشرعي على سالم بن عمر بن الخطاب لقتله قاتل أبيه "لؤلؤة" وابنته رغم مطالبة علي بن أبي طالب بإقامة حدّ القصاص عليه. وكان ردّ عثمان برغماتي : "لن أفعل. بالأمس يُقتل عمر واليوم يُقتل ابنه" ودفع من ماله دية القتيلين. وقبل ذلك رفض أبو بكر الصديق القصاص من خالد بن الوليد لقتله مالك بن نويرة… بالرغم من إلحاح عمر على ضرورة الاقتصاص منه. حتى حماس التي جعلت من تطبيق الحدود الشرعية سبب وجودها بدأت، تحت ضغط مبدأ الواقع، تبتعد عنها فاتّهمتها السلفية الجهادية "بالتخاذل في تطبيق الشريعة الإسلامية لصالح علاقات مع دول غربية كافرة" في مقدّمتها امريكا كما تقول السلفية الجهادية. حتى لو أخذت السلفية الجهادية مكان حماس، فإنّها هي نفسها على الأرجح "ستتخاذل في تطبيق الشريعة الإسلامية"..لأنّ ثقافة حقوق الإنسان نزعت عنها كلّ شرعية.

 ناصر بن رجب : يقول ابن إسحاق في مختصر ابن هشام أنّ عمر خطب في الناس مذكّرا إيّاهم بأنّ آية الرجم غير منسوخة وهدّد بإقحامها في المصحف مُستدركا : "لولا أن يقول الناس أنّ عمر زاد آية لزدت آية الرجم"…

 نحن دائما في مسرحية تلفيق الأحاديث، وإدخالُ عمر في لعبة إثبات أنّ حدّ الرجم من الإسلام هو في نظري ردّ ضمنيّ على اتّهام الشيعة له بأنّه هو الذي نسخ آية الرجم من ألواح حفصة قائلين : "لقد وضع إبهامه على لسانه ثم فسخ آية الرجم بلعابه"، فكان ردّ ابن إسحاق، وفي الحقيقة الخليفة المنصور عَبْره الذي كلفه بكتابة تاريخ البشرية من آدم إلى المنصور نفسه، هو الإلحاح الهوسي على تمسّك عمر بحدّ الرجم والتأكيد بأنه غير منسوخ كما قال ذلك في الخطبة المنسوبة إليه. وقال الفقهاء الذين لا ينقصهم التناقض أنّ آية الرجم نُسخت لفظًا وبقيت حكمًا. أي أنه لم تعد لها قداسة القرآن ولا يمكن الصلاة بها ويمكن مسّها دون طهارة… إلخ، لكنها مع ذلك تظلّ صالحة لقتل الزاني والزانية رجمًا. هذا كما يقول المعرّي : كلام له خبيء معناه ليست لنا عقول". وحدهم المعتزلة أدركوا عبثية نسخ التلاوة وبقاء الحكم كما قال الفقهاء السنّة.

 ناصر بن رجب : من أين أخَذَت الشريعة اليهودية حدّ الرجم الوحشي؟

 لا أعلم. كراهية المرأة كانت – وفي أرض الإسلام مازالت – قاسما مشتركا بين غالبية الرجال. قد تكون ترجمة للحقد الدفين على المرأة الكامن في الشخصية النفسية للذّكور. شريعة حامورابي قضت بقتل الزانية غرقا في دجلة والفرات. وقد أحيت هذه السنّة الحامورابية الجماعة الإسلامية في كردستان العراق في التسعينات عندما قتلت فتاة اتهمتها بالزنا بإغراقها في أحد الأودية. أما الهندوس فيرمون الزانية للكلاب المُجوَّعة لتنهشها…

 ولماذا هذه القسوة اللامتناهية ضدّ المرأة الزانية؟

 من وجهة نظر نفسانية قد يعود ذلك إلى فانتازم الأمّ المفترسة الذي كوّنه الرضيع عن الأم ّ التي لا تقدّم له ثديها في الوقت المناسب. علما بأنّ جوع وعطش الرضيع لمدّة ربع ساعة يعادل جوع وعطش الراشد لمدة ثلاثة أيام. ويُعيده بعض المحلّلين النفسانيين إلى خشية الخصاء حيث يرقد في لاشعور الذّكر الخوف من ابتلاع فرج المرأة للعضو الذكريّ. أمّا السيكولوجي الألماني كنول Knoll فيتأوّله بالخوف من المقارنة مع رجل آخر الذي يعود في نهاية التحليل إلى خوف الخصاء. وهي في نظري فرضية وجيهة تدعمها شواهد انثروبولوجية عديدة لا مجال لذكرها هنا.

من هنا أهمية تدريس التربية الجنسية لتبديد هذه المخاوف اللامعقولة كما بدّدتها في أوروبا التي مرت هي أيضا في عصور ظلامها بهذا العداء الدفين للمرأة. مثلا أحرقت الكنيسة الكاثوليكية مائة ألف "ساحرة" يهودية.
في هذا المناخ تبدو الحكومات التي تُطبق العقوبات البدنية المتقادمة وكأنّها قد نامت نومة أهل الكهف وتتعامل بعُمْلتهم التي لم تعد قابلة للتداول. بالمناسبة، أسطورة أهل الكهف يُعلّمنا تاريخ الأديان المقارَن أنها مأخوذة من أسطورة "السبعة النيام" في إفسُس Les Sept Dormants d'Ephèse وهم مسيحيون فرّوا من اضطهاد الإمبراطور ديسيوس Decius (حكم من 249 إلى 251) ولم يستيقظوا إلا في عهد الإمبراطور ثيودوس الثاني Théodose II (حكم من 408 إلى عام 450). مصداقا لهذه الحقيقة الأنثروبولوجية أي تقادم الشريعة، الشريعة،كما صرّح مفتي مصر، لم تُطبَّق في مصر منذ ألف عام، بسبب زوال الظروف والذهنيات التي ظهرت فيها. ونفس هذه الحالة الأنثروبولوجبية تنطبق على آيات الإسلام المدني السّجالية ضدّ اليهود والنصارى والمشركين. والمشركون هم الوثنيون أي مثلا الصين والهند واليابان، وقد تساءل رشيد رضا مستغربا التّمسك بجهاد الطلب لإدخال البشرية كافة في الإسلام : هل علينا أن نجرّد جيشا لإدخال اليابان في الإسلام؟ تساؤله يكشف عبثيّة التمسك بنصوص زالت مُبرّراتها الأنثروبولوجية. نفس الحقيقة الأنثروبولوجية تنطبق على إسلام الولاء والبراء الذي جعل منه أقصى اليمين الإسلامي السياسي كلَّ الإسلام والحال أنّ الولاء والبراء لم يكونا إلا قانونا عرفيّا Loi martiale كان صالحا لزمن حروب النبيّ مع المشركين، وما إن وضعت الحرب أوزارها لا يعود ساري المفعول تماما كما تفعل الحكومات المعاصرة. لكن أقصى اليمين الإسلامي المريض بالأوتيزم Autiste أي الانطواء على الذات جعل الولاء والبراء عابرا للتاريخ. الإخوان المسلمون في مصر وسوريا يطالبون بإلغاء قانون الطوارئ الذي عمره 30 عاما. لكنهم يا للمفارقة متمسّكون بقانون طوارئ الولاء والبراء الذي عمره 14 قرنا. إنّه   الجمود الديني اللامبالي بحقائق الزمان والمكان الذي افترس كل نواة معقولية في رؤوس ضحاياه.

ومن علامات نضج الانتقال من الفقه القديم إلى فقه إسلاميّ جديد متصالح مع عصره انعقاد مؤتمر إسلامي في مارس الماضي بمدينة ماردين (تركيا) حضره علماء من عدّة بلدان إسلامية اعتبروا فيه تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب وتكفير المسلمين باسم عقيدة الولاء والبراء قد تجاوزه الزمن فلم يعد صالحا لعصرنا وهو ما كنت أتمنّاه بكلّ جوارحي. وأَقترحُ على شيخ الأزهر أن يعقد مؤتمرا موسّعا تحت إشرافه لتأييد هذه الفتوى الشجاعة وتوسيعها وتعميقها، بل وأقترح على كلّ بلد مسلم عقد مثل هذه المؤتمرات للتعجيل بميلاد فقه إسلامي جديد متصالح مع عصره، دشن الصديق جمال البنا بسملاته الأولى.
 

 الجنّة رمز لرحم الأم

بالمثل يقدّم تدريس علم نفس الأديان للتّلميذ والطالب إضاءة أخرى ثمينة تساعده على فهم الظاهرة الدينية عقلانيا. مثلا ماذا يقول علم نفس الأديان عن الظاهرة الدينية أي عن البعد النفسي لها؟ أنها ظاهرة نفسية. فقد اكتشف الإنسان الاعتقاد في كائنات ما فوق طبيعية، آلهة ثم إله، منذ ليل التاريخ عبر إسقاط صورة أبيه، رمز الحماية والحبّ، على أب آخر في السماء يقف إلى جانبه في أيام البأس واليأس ويقدم له العزاء والسلوى في الشدائد والمحن. وليس مصادفة أنّ القبائل البدائية تسمّي الله "الأب الذي في السماء" وكذلك يسمّيه المسيحيون. كما يعطيه المناهج لتأويل الرموز الدينية الأخرى كخلق حواء من ضلع آدم حسب أسطورة سفر التكوين التي تأوّلها فرويد بما هي تخييل استمنائي Fantasme de masturbation وكالجنّة التي أوّلها فرويد بالحنين اللاشعوري لإقامة الجنين في رحم أمّه. ورمزية النار التي يمكن تأويلها في نظري بأنها ذكرى صدمة الولادة وصدمة الفطام. وقد تبنى الشيخ خالد محمد خالد في كتابه "من هنا نبدأ" (1950) تفسير علم نفس الأعماق للشيطان بأنه رمز اللاشعور حيث ترقد الغرائز العدوانية والرغبات الجنسية المكبوتة وفي مقدمتها الرغبة في الاغتصاب الراسخة في نفسية الذكور.
اللّسانيات تعلّمنا أنّ كلّ نصّ تقريبا هو مجاز لا يجوز أن يقرأ قراءة حرفية وأنّه "ما في الكون كلام لا يُتَأَوَّل" كما قال ابن عربي في فتوحاته. والتأويل بمفهومه اللساني والهرمينوطيقي هو قبر القراءة الحرفية للنص التي هي أحد أمراض الإسلام..
الفيلولوجيا موضوعها الفهم الموضوعي للحضارات القديمة من خلال التحقيق والتحليل النقديين لنصوصها الأسطورية والأدبية والدينية. بها استطاع المستشرقون تحليل وتحقيق وترجمة نصوص الإسلام كنولدكه وبلاشير مثلا.

 ما المقصود بالهرمينوطيقا؟

 هي تأويل النصوص خاصة المقدسة في موضوعنا. فهي تعلّمنا أنّ النصوص والرموز خاصة الأسطورية والدينية فضفاضة وتحتمل معانِي عدّة مصداقا لقول الإمام علي "القرآن حمّال أوجه"، إذن يسمح بأكثر من قراءة واحدة. وتساعد تلامذتنا وطلبتنا وباحثينا على استخراج المعاني الأسطورية والرمزية الكامنة في النص بنقله من الإبهام إلى الوضوح لجعله مفهوما. التأويل، عكس التفسير العلمي، ليس منتجا لمعرفة علمية موضوعية تفرض نفسها على الجميع. بل هو تأمّل فلسفي أو صوفي. النص الديني برموزه يفتح آفاق تأويل لا حدود لها للقارئ الذي يحيّنه حسب عالمه المعيش ليعيد امتلاكه بإعطائه المعنى الذي يلائمه، وهذا ما نراه في التفاسير التي هي تآويل للنصّ القرآني حيث يلتقي عالَم الآية والعالم المعيش لكل مُفسّر وقارئ. مصداقا لقول ابن عربي "ما في الكون كلام لا يُتأوّل " فعلا لأن التأويل هو مفتاح قراءة ما يقال أو يكتب تحت إملاء اللاشعور حتى النوتات الموسيقية تحتاج إلى تأويل. مثلا باخ، كما يقول مؤرّخو الموسيقى كتب في مخطوطاته الروابط بين النوتات بسرعة كبيرة حتى غدا يستحيل أحيانا معرفة مكانها الحقيقي، فيضطر عازفوه – يسمّون باللغات الأوروبية مؤولوه interpréteurs – إلى الاجتهاد في تنزيل الروابط. حالة باخ هي حالة الفنانين والأدباء والشعراء والمتصوفة والأنبياء الذين تتزاحم في رؤوسهم الأفكار والصور والإلهامات والرموز والمجازات على نحو يجعلهم يتحكمون بالكاد في تنظيمها. من هنا ضرورة الهرمينوطيقا أي التأويل لدخول عالمهم الغني بشتى المدلولات المبهمة والمتشابهة أي المتعارضة غالبا. يقول بعض الباحثين أنّ 94 في المائة من آيات القرآن الكريم متشابهات، إذن في حاجة إلى علوم التأويل الحديثة لتفكيكها وفهمها.

القراءة الهرمينوطيقية تمر بثلاث درجات : تبدأ بالمعنى الحرفي لتبرهن على أنه غير مقنع غالبا منتقلة إلى روح النص أي إلى معانيه المفهومة، وأخيرا إلى الدرجة الثالثة القراءة المجازية للنص حيث يتجاور عالم مؤلف النص مع عالم قارئ النص في حوار قوامه الإيحاء والاحتمال والترجيح. القراءة الهرمينوطيقية مارسها في الإسلام المتصوّفة وتفسير ابن عربي هو أحد نماذجها الأكثر نضجا، وهو للأسف لا يُدرّس على حدّ علمي في أي كليّة دينية إسلامية. أضيف شخصيا إلى علوم الأديان علوم الأعصاب التي تَدرُس تركيب الدماغ ووظائف وآليات اشتغاله. اكتشافاتها في هذا المجال غيّرت راديكاليا المفاهيم الدينية القديمة. مثلا ظلّت البشرية منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام تعتقد أنها تفكر وتؤمن بالقلب إلى أن كشفت البيولوجيا العصبية أنّ الإنسان لا يفكّر بقلبه بل بدماغه وتحديدا بقشرة الدماغ أي الخلايا العصبية – نورونات neurones – المُنتجة للتصورات الذهنية من مشاعر وأحاسيس وانفعالات وأفكار… كلّ خلية من المائة مليار خلية عصبية في دماغنا تقوم بوظيفة محددة. مثلا خلايا القشرة الجبهية، وهي متطوّرة جدا عند الإنسان قياسا على ابن عمّنا الشامبنزي، متخصصة في الفكر العقلاني. خلايا الفصّ الصدغي الأيمن متخصصة في إنتاج الظواهر الدينية كالإيمان والتأمّل الروحي والوجد الصوفي والوحي والنبوّة… هذا الاكتشاف تاريخي ينبغي تعليمه لتلامذة وطلبة التعليم الديني تنويرا لهم لإنقاذهم من التجهيل المنظم الذي تحشو به التربية الدينية العتيقة، في مدرسة اللامعقول الديني، أدمغتهم لإبقائهم رهينة لأساطير ما قبل تاريخ العلم. تعليم ديني يَستنير بالعلم هو الكفيل بتخليصنا من مدرسة اللامعقول الهاذي وشياطينها أي التزمّت والتعصّب والتطرّف والعنف الديني، من فتاوى إهدار الدماء إلى تفجير الأحزمة الناسفة في المُصلّين الشيعة في العراق وفي المراهقين الإسرائليين المُصطفّين لدخول المرقص.

تدريس علوم الأديان ودراسة الإسلام بها سيُعلّم أجيالنا الجديدة – عكس الأجيال التي كانت ضحية القراءة الحرفية – مُقاربة النصوص باعتدال ومعقولية، فلا تعود تردّد كالببغاء مع ابن حزم : "إن نصوص القرآن والحديث تُطاعُ لذاتها لا لِعِللها". عندئذ ستضع هذه الأجيال مكان كلمة "تُطاع" كلمة "تُفهم لِعللها لا لذاتها". وهكذا يصبح المطلوب فهم النص وليس الاستسلام للنّص صُمًّا وعِميانًا الذي هدم كل أساس معقول للحياة الاجتماعية والفكرية إلى درجة السقوط في الهلاوس والتخييلات والهذيانات الفردية والجماعية التي نعيشها اليوم. علوم الأديان مُجتمعة تقدم لنا معرفة موضوعية عن الدين تساعدنا على فهمه وتفسيره للتعامل معه بعقلانية، أي بفكر يتساءل ويفحص بعيدا عن الرقابة الدينية المفروضة أو الذاتية للوصول إلى إسلام مسالم وفردي منفتح على باقي الأديان التوحيدية والوثنية، علما بأن المؤمنين بالديانات الوثنية يمثلون 56 في المائة من سكان العالم. وتجاهلهم وبالأحرى التفكير في جهادهم لإدخالهم في الإسلام بحدّ السيف، طبقا لفقه الولاء والبراء الجهادي الذي بات خطرا على السلام الاجتماعي في أرض الإسلام وعلى السلام العالمي وخاصة على الإسلام نفسه الذي أوقفه اليوم في قفص الاتهام، جريمة واستحالة في وقت واحد. ولا شيء كحوار الأديان لتجاوز الولاء والبراء المنغلق على نفسه والذي يعتبر حوار الديانات الأخرى كفرا. ولا معنى لهذا الحوار إذا لم يشارك فيه أكثر من نصف البشرية. وهذا ما بدأ يعيه فرقاء هذا الحوار. فقد أَشركوا في مؤتمر حوار الديانات التوحيدية ممثلي الديانة البوذية التي هي اليوم من أكثر الديانات أتباعا وتسامحا. إذ تسمح للمؤمنين بها باعتناق أي دين آخر شاؤوا مع بقائهم بوذيين.

هذه الروح البوذية المتسامحة والمسكونية (أي العالمية) كانت قوام الإسلام الأوّل ونصت عليه كثير من الآيات الكريمة مثل "واللذين يؤمنون بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك". وبهذا المعنى فالمسلم هو في الوقت ذاته يهودي ومسيحي وصابئ، لأنّ هذه الديانات جميعا طريق للخلاص الروحي مصداقا للآية 69 من سورة المائدة "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابؤون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون". فهذا الوعد القرآني يعتبر الأديان المعروفة آنذاك طريقا للخلاص الروحي. لكن هذه الآية، كعشرات الآيات الأخرى التي تتعارض مع التوسّع الإمبراطوري على حساب الديانات الأخرى، التي اعتبرها الإسلام البدائي شرطا ضروريا وكافيا للخلاص الروحي، نسخها فقهاء الظاهر كما يسمّيهم الإسلام الصوفي. فقد نسخوا 75 آية اعترفت بالحرية الدينية وحرية الضمير والتسامح الديني وحوار الأديان بآية واحدة وحيدة قرؤوها كعادتهم قراءة حرفية هي "إنما الدين عند الله الإسلام". وهي جرأة فقهية ترقى إلى مرتبة الفضيحة. آية سجالية تنسخ عشرات الآيات المتسامحة؟ وعلى مدرسة المعقول الديني اليوم أن تنسخ النسخ وتردّ الاعتبار لآيات الحرية الدينية المتطابقة مع العقلانية الدينية. وهو إنجاز حقّقه الإسلام الصوفيّ بنسخه النسخ. سجّل ذلك ابن عربي شعرا جميلا منه :
لقد كنت قبل اليوم أُنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
وقد صار قلبي قابلا كلّ ملّة فمرعى لغزلان ودير لرهبان
ومعبد أوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أَنّى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني…

ابن عربي نادر في تاريخ الإسلام بل ربما في تاريخ جميع الأديان. إنه حقا معاصر لنا إذ اعترف بالديانات الوثنية وساواها بالتوحيدية منذ ثمانية قرون. ومازال فقهاء الظاهر كما سمّاهم لا يعترفون حتى باليهودية والمسيحية زاعمين أنّهما مجرد شريعتين نُسختا بالشريعة الإسلامية… لا بأس بتدريس هذه الأبيات في جميع المدارس وجميع البلدان في مادة حوار الأديان المطلوب استحداثها. ولتبدأ بذلك المملكة العربية السعودية التي تقود حملة حوار الأديان العالمية. ولا بأس بكتابتها بجميع اللغات على واجهة أبواب مؤتمرات حوار الأديان ردّا على فقهاء التعصب الذين مازالوا يغرغرون "لا معنى لحوار الأديان مع البابا إلا بدعوته إلى دخول الإسلام". قارن هذا التعصب الأعمى بواقعة وفد نصارى نجران برئاسة أسقفهم إلى المدينة المنورة للحوار مع نبيّ الإسلام. كان اليوم يوم أحد ولما حان وقت إقامة القداس سأله الأسقف أين سنصلّي يا محمد؟ أجابه : في مسجدي. فصعد الأسقف إلى المنبر الذي يجلس عليه النبي وأقام القداس.

فلماذا لا يتبادل اليوم المؤمنون بجميع الأديان الصلاة يوما كلّ سنة على الأقلّ في معابد بعضهم بعضا إحياءً لهذه السنة النبوية الحميدة. ولعلّ شيخ الأزهر المنحدر من الإسلام الصوفي، وريث الإسلام المكي الروحي المسالم، سيكون أوّل المبادرين لذلك بدعوة المسلمين للصلاة في الكنائس في عيد الميلاد ودعوة البابا شنودة للمسيحيين للصلاة في المساجد في عيد المولد النبوي.

دراسة الإسلام بعلوم الأديان هدفها تعليم أدمغة الناشئة التمرن على الصرامة المنهجية والانضباط المعرفي والفكر النقدي وهي العدة الضرورية لفهم النص وتفكيكه والنقاش فيه بلا محرمات مستبطنة مازالت حتى الآن تشكل عوائق تعتقل عقل المسلم فلا يعود قادرا على فهم موضوعه الذي يقف أمامه كالمذهول. كما أن هدفها أيضا جعل العلاقة بين المسلم والإسلام شفّافة. مدرسة اللامعقول الديني تعلّم أبناءنا تعجيز العقل عن فهم الإسلام بدعوى أنّ علوم العقل البشري غير المعصوم غير مؤهّلة لفهم كلام الله المعصوم كما تُعلّمه توظيف العقل في تبرير الدين. وفي كلتا الحالتين يكفّ العقل عن كونه عقْلاً يتعقّل الظواهر، أي يُحللها مُفكّكا رموزها ومداليلها بعلوم الأديان التي تتعاون جميعا على جعل الدين بلا أسرار ولا ألغاز مستعصية عن الفهم، وتجعله بالتالي أقل تزمّتا وتعصّبا ونرجسية وتطرّفا وعداءً للتجديد والتحديث الضروريين معا لاندماج المسلمين في العالم الذي يعيشون فيه بلا عُقد ولا شعور بالذّنب كما هي حالهم اليوم.

 أضفتَ أيضا الفلسفة لعلوم الأديان. فكيف تساهم الفلسفة في فهم الدين؟

 الفلسفة ضرورية لفهم الدين والحياة. لإنتاج الحكمة فيهما. العالم الذي نعيش فيه لا يحتاج إلى القوة بل إلى الحكمة. الفلسفة تدرب أدمغة التلامذة والطلبة على استخدام الفكر النقدي الذي يستدعي جميع الادعاءات الدينية والدنيوية للمثول أمام محكمة العقل لتحاول تبرير معقوليتها. كما تدرب الأدمغة على استخدام قوة الحجّة بدلا من حجة القوّة التي توشك أن تجعل العالم غير قابل للحكم، وربما أيضا غير قابل للحياة. تعلّمهم لذّة الاكتشاف والفضول المعرفيّ، أي ثقافة السؤال الذي حرّمه الفقهاء. تعلّمهم عدم الانخداع بندّاهة الإرهاب وأسطورتها عن القصر و 72 حورية اللواتي ينتظرن أمامه قدوم القاتل القتيل بعدما نفّذ جريمته في الأبرياء، تعلّم أبناءنا أن يهتمّوا بمستقبلهم الآن وهنا، تشفيهم من مرض الحنين إلى الماضي الذي هو حنين إلى فترة الطفولة، ومن البحث عن مفاتيح حاضرنا ومستقبلنا في ماضينا الذي فات ومات. الإصلاح الديني الشجاع هو الذي يطوي صفحة ثقافة الاستشهاد ويعوّضها بثقافة احترام الحياة، حياتنا وحياة غيرنا. هذا هو درس الفلسفة أو جزء من درس الفلسفة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق