إضاءات على السَّاحة السوريَّة

ثَورةٌ على “ثورة” :

لا مُبالغَة أو تهويلَ في الاعتراف وإنْ بدا ساخِراً بأنّ تَعنُّد النِّظام السوريّ وغُرورَه وتكبُّره، هو القائدُ للانتفاضة الشَّعبية السوريّة. عددٌ لا بأس به من المتابعين للوضعيَّة السوريِّة لم يكونوا يتوقّعون استجابةَ المجتمعِ السوريِّ لهبَّة “الرَّبيع العربيّ”، بسبب تجذُّر المنظومة الاستبدادية البعثيّة الحاكمة وتشعُّبها إلى عُمقِ المجتمع، مدعومَةً بصلابةِ “مُركَّب أمني سياسي مالي” متماسك وطفيليّ، يخنقُ الفضاء العامّ ويبددُّ الثَّروات الوطنيَّة، ولا ضيرَ في الاعتراف بقاعدةٍ شعبيّة مؤيِّدة للأيديولوجيا القوميِّة العروبيِّة (المقاومة والممانعة) التي امتطاها النِّظام السوريُّ شعاراتياً ولفظيّاً، تلك الايديولوجيا الخانقة المتبنَّاة التي ما لبثَ أن تبيَّن بأنها أداتيِّة ونفعيِّة (“قلبُ العروبة النّابض” يصف عرباً آخرين بأنهم “عُربان”)، وبسبب انتعاش الأجهزة الاستخباراتية أمام تقهقر الحزب الحاكم الحامل الرئيسي لمضمون ايديولوجيا السلطة، أزاح الفساد المالي قداسة تلك المضامين الايديولوجية، تلك التي تبين بأنها وسيلةٌ لمصادرة الحياة الوطنيِّة، وتعبئةُ القطَّاعات الشعبيّة وحشدِها على شكل جيشٍ ذي هدفٍ موحَّد على إيقاعٍ سياسيِّ مشترك، وكل حريِّة فرديِّة ونشاط شخصيّ هي خروجٌ تآمريّ عن هذا النَّسقْ العام المتَّسِق.

إلا أنَّ هذا الاستسلام الشكليّ والرُّكود الظَّاهريّ (ساهمَ في تأصيلهِ وتحويلهِ إلى خصيصةٍ ثابتةٍ جوهريِّةٍ مفكِّرون وباحِثون ومستشرقون) كان مُبطَّناً في الخَفاء بغضَبٍ عارمٍ يغلي ويتراكم، ليصبحَ في اللحظة الرَّاهنةِ بضبطِ قوى ناشئةٍ رهيفةِ التحسُّس، طاقةً سياسيِّة سلميَّة تحاولُ إنشاءَ رأي عقلانيّ عامّ.

فمنذُ استلام بشّار الأسد السُّلطة بتوريثٍ ملكيِّ فجٍّ وصارخ في “دولةٍ جمهوريّة”، زادَ ابتلاعُ السُّلطة للدَّولة، الدولة التي غُيِّبت كعامِلٍ منظِّم ومعقلنٍ للاجتماع البشريّ، وتَمظهرَ ذلك في الحياة الواقعيّةِ اليوميَّة بالسَّطوة الواقعيّة الفوق قانونيِّة لرجل المخابرات (ممثِّل العنفِ اللاشرعيّ للسُّلطة الحاكمة) على المهمَّة المفترضة المُغيَّبة للشُّرطي (ممثِّل القوّة الشَّرعيّة القانونيّة للدِّولة)، فتناهى اختزالُ السُّلطة إلى نواةٍ عائليَّة ضيِّقة، وقد وصلَ التَّطرُّفُ الاختزاليُّ حدَّه الأقصى بتكثيفِ وتركيزِ كل شيء في شخصٍ واحدٍ هو الرَّأس، فأضحى التماثلُ الضمنيُّ بين إرادةِ الرمزِ الشخصيَّة وإرادة القانون العموميَّة أمراً طبيعيَّاً وصحيحاً.

اقتصاديّاً تمَّت لبرَلة مُنفلتة غير مضبوطة للاقتصاد الوطنيّ(ليبرالية اقتصادية مع استبداد سياسي)، أدَّت إلى إلحاق المنظومة الاقتصاديِّة الوطنيَّة بشكل تبعيّ لا متكافئ إلى المنظومة الاقتصاديِّة العالميِّة، بحيث تتكثَّف العائدات والمنافع لصالح حفنة من رجال الأعمال (بورجوازية صاعدة تقتات على الانحطاط الاجتماعي والتدهور الاقتصادي) مبطِّنة للطُّغمة الحاكمةِ الفاسدة، فترقَّقت الطبقةُ الوسطى وهي الطَّبقة التي تراقب وتنقد وتشكِّك، وتضخَّمت المدنُ الكبيرة عشوائيَّاً وازدادَ الشُّعورُ بالتَّهميش والإذلال واللاجدوى، فالتَّضخُّم الماليُّ اللاشرعيُّ ينتجُ الخوف على هذا الكمّ القبيح المتراكم، والخوف من النُّقصان يولِّد جشعاً معنويَّاً نفسيَّاً وماديَّاً سلطوياً.

باختصار ما يحصل في سوريا هو ثورةٌ شعبيِّة مدنيِّة ذات فحوى تحرُّري أخلاقي، تُعيِّن حقائق حداثيِّة بسيطة وتبتعد عن “قضايا عظمى مركزية مُقدَّسة”، لا إيديولوجية (لا يستطيعُ أيُّ حزبٍ سياسي معيَّن تأطيرها في إطاره النَّظري الصُّلب)، ضدّ “ثورة” (أقصد هنا ثورة الثامن من آذار عام 1963) انقلابيِّة لا شرعيَّة اغتصَبت السُّلطة بقوَّة العسكر، أدَّت إلى سُلطة أمنية قمعيَّة فاسدة، تحتقرُ القاع الاجتماعي، وتشنُّ حرب حقيقة على المجتمع، إنها ثورةُ الانفراجِ والكشفِ والانعتاق، ضد “ثورة” الاحتكار والإقصاء والاستعباد.

 المَشرق والارتداد إلى الشَّكل الطبيعي :

بعد فَشلِ الدولة القوميَّة وتداعِيها وتقهقرها، تلعثمت المجتمعاتُ العربيَّة وعانت ارتداداً سياسيَّا نكوصيَّاً تمثَّل بإعادة صياغتها سياسيَّاً بالاعتماد على الجماعات الهوويَّة الأوليَّة، ومن أهمّ العوامل الواقعيَّة التي أدَّت إلى نحتِ الجغرافيا السياسيَّة في المشرق العربي رجوعاً إلى المكوِّنات الأهليَّة الأساسيَّة، هو غيابُ الدَّولة الوطنيَّة الحقيقيَّة الجامعة، المتعاليةِ على التصدُّعات الأهليَّة، والمرمِّمة للتشقُّقات الاجتماعيَّة، والمنشِئة لوعي مدني سياسي حقيقي يخفِّفُ من الالتهابات الاجتماعيَّة الكامنة، بالإضافة إلى حداثة شكليَّةٍ إجرائيَّةٍ واجتزائيَّةٍ؛ وأحدد مفهوم العولمة العَابر للسيادات والحدود، تلك العولمة أدَّت إلى انتقالِ العصبياتِ الجمعيَّة الكامنةِ والحساسيَّات الأهليِّة الموتورة من الحيِّز القُطريِّ الداخلي إلى الحيِّز الإقليمي الخارجي (شيعي لبناني يقترب إلى شيعي إيراني أكثر من قربة إلى سُنّي لبناني)، بدلاً من الانتقال التراكمي للقيم الحداثيِّة التنويرية والأفكار الكونيَّة المشتركة.

انحيازُ أهليّ للحراك السوري:

كثيرةٌ هي المقاربات السياسيَّة والاجتماعيَّة (لا تختلفُ كثيراً عن المقاربات الدينيَّة للمسْألة الإسلاميَّة – المسيحيَّة) التي تنظرُ لحدثٍ معقَّد ومتشابك مثل الحدَث السوري بإنشاءٍ بلاغيٍّ وبرومانسية حلميَّة مفرطة، لا يجوز تعميقُ الاتِّفاق إلى حدِّ الانصهار والذوبان، ولا التخويف والترهيب من الاختلاف إلى حدِّ الاقتتال. لا شكَّ أن النظام السوري وقبلَ بدء الانتفاضة الشعبية، قد أعاقَ تشكيلَ المجتمع المدني، بتعميقِ الكسور الوطنيَّة وتعزيز أزمة اللاثقة الأهليَّة بين المكوِّنات الأصليَّة ليكون هو مصدر التماسك الوطني الوحيد معتمداً على القوة القسريَّة المحضَة، وليمنع الانتقال التدريجي المُعقْلن والخلاق من مجتمع أهلي متقيِّح (ما قبل حداثي) ممثَّل بطوائف دينية وعشائر جهويِّة واثنيات قوميِّة، إلى مجتمعٍ وطني مدنيّ سليم ممثل بأحزاب ونقابات وتنظيمات عابرة للانقسامات العمودية المدمرة. لعلَّ أهمّ المهام الثقيلة الملقاة على كاهل نُخب الحِراك الثَّوري هو تشكيل أحزاب سياسية مدنيَّة لا تستمدُّ شرعيَّتها السياسية من هويَّتها الجوهريَّة الثابتة ، بل من خلال عملها الفكري المتواصل المتحوَّل الخاضع للشروط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، أي بقاء هذه الاختلافات الثقافية النسبيَّة حبيسةَ القاع الاجتماعي وعدم تصعيدها إلى منصَّة السلطة السياسية على شكل خلافات أزليَّة مُدمِّرة نابِذة للدَّولة ومفكَّكة لها، أي إن تحويل الطائفيَّة الاجتماعيَّة الضمنية إلى وحداتٍ سياسية هو تغليبُ منطق الغلبة العدديَّة الاحتكاري وبالنتيجة استئثارٌ منفردٌ بالحقل الاجتماعي والسياسي، وتفخيخ للمجتمع بألغام عنف أهلي كامن تتفجر كلما أختلت التحالفات والأنصبة في الميزان الداخلي.

لا يحتاجُ المتابعُ للحراك السوري لكثيرٍ من التأمُّل والتفكُّر ليستشِفَّ اصطباغَ الاحتجاجات السورية بلونٍ سُنِّي راديكالي طاغ(طبعاً هذا لا ينقصُ من أحقيَّتها وأخلاقيتها وشرعيَّتها)، أسبابٌ عديدة متداخلة ومتشابكة تفسر ذلك، أهمُّها العنفُ الانتقائيُّ النوعي الممنهج الممارس من طرف أجهزة أمن عدميَّة وصفه ياسين الحاج صالح بأنه عنفٌ “ثأريِّ مُشخَّص يأخذُ الحيثيَّات الأهليَّة بعين الاعتبار وليس بشكل عقابيّ مجرّد”، أليس القمع المكثَّف ضدّ فئةٍ أهلية معيَّنة، سيقابله احتجاجٌ متلوِّنٌ بثقافة تلك الفئة؟ أليسَ إصابةَ المكوَّن الأهلي في هويِّته العميقة الراكدة هو نفخٌ في الرمادِ العُصبويّ، وتسخينٌ للوعي الجمعي البدائي (ما قبل مدني)، واستنطاقٌ مدروسٌ لتلك الهويَّة واستحضارها أحياناً بالشكلِ الإقصائي الحدّيّ، أليس بقاءُ بؤر الاحتجاج موضعيَّة متناثرة، ومنفصلة متوزّعة في ظل غياب ميدانٍ عامٍّ مشترك ينمِّي التبادل البشري الإيجابي والتفاعل الإنساني الخلاق سبباً إضافيَّاً؟ أليس بقاءُ الأحزاب السياسيَّة المعارضة (أضحت هذه الايديولوجيات المتصارعة طوائف أهلية بامتياز) متشرذمةً متناحرة وكأنَّ الخلاف بين أيديولوجياتها أكبرُ من الخلافِ مع النِّظام مما يحولُ دون تشكُّل جسدٍ سياسي موحَّد فاعل ومؤثر سبباً مهمَّاً أيضاً؟!!.. 

علمانيَّة مُجهضَة قبلَ الولادة:

تنظيرٌ فكريّ من عُل انتَهجهُ كثيرٌ من “مُثقَّفي الحداثة”، مفاده أنّ هذه الأنظمة العَسكريَّة القائمة هي أنظمة “تقدميِّة حداثيِّة”، تحمي السُّلطة من هذا المجتمع “المجبُول باللاعقلانيَّة” و”المُسيِّر بالغرائز” والمليء “بالسلفيين الشعبويين الرجعيين”، هذا التموضع الفكريُّ الإطلاقي والمُغلق (في العمق هو اصطفافٌ سياسيٌّ وانحيازٌ أخلاقيٌّ قيميّ)، له دور كبير في تهميش الايديولوجيا الحداثيِّة اجتماعياً، وخلقُ نفور معمَّم وحساسية بالغة لدى قطاعات واسعة من الشعوب المنتفضة تجاه بعض المفاهيم.

ولعلّ أكثر المفاهيم التي تعرَّضت لتشويه و”أبلسة” (على حدّ تعبير المفكر جورج طرابيشي) هو مفهوم العلمانية، لارتباطه بالذَّاكرة الجمعية العربية والإسلامية تحديداً بانتهاك المُقدَّس والإلحاد الكيدي والكفر المعلن، كون هذه “العلمانية” المتبنّاة أضحت مذهباً اثنياً مغلقاً مُضافاً إلى المكوِّنات الأهليِّة، واتٌّخذِت كأيديولوجيا تبرير لاضطهاد وقمع الأكثرية المسلمة، فالعلمانية الحقيقية ليست هويَّة وليست مُعتقدا، بل هي موقف ثابت من المعتقد، ومن يدَّعي العلمانيِّة هويَّة، فلا هوية له…

ثم هل العلمانية مفهومٌ منجز نهائي، مصمت ومقدّس، يطبق ميكانيكيّاً بشكل قسريّ من السلطة الفوقية على مسرح المجتمع التحتي؟ أم هو مفهوم متحوّل سائل وحركيّ، يتخمض نتيجة صراع ثقافي سياسي وتراكمات فكرية متدرجة، يصل من خلالها المجتمع إلى قناعة وطنية حقيقية مفادها أن العلمانية هي الحلّ الأمثل للتعايش السلمي المشترك..

الأيديولوجيا وتأويل اللحظة:

جليُّ سياسةَ شدِّ الحبالِ بين الأيديولوجيات المختلفة، للقبض على لحظة تفجُّر المجتمع وتأويلها بحسب أيديولوجيا الدارس المتمحِّص، الاشتباك الإيديولوجي يتمظهر في السؤال الإشكالي : هل هي ثورة حرية وكرامة أم هي ثورة خبز يقوم بها مُهمَّشون؟ بمعنى آخر هل أسباب الانتفاضات العربية عموماً والانتفاضة السورية خصوصاً هي سياسيَّة فقط أم اقتصاديَّة فقط؟

أيُّ تفكيرٍ خطيٍّ بسيطٍ لن يستطيع التسرُّب إلى واقعٍ منفلتٍ من عِقالِ القواعد التأسيسيَّة، اللحظةُ الثوريَّة تنبثقُ من واقعٍ مركَّب ومتعدِّد ومعقَّد، فلا النظرياتُ الماركسيَّة التقليديَّة تطبَّق على واقع سوريّ ذي اقتصادٍ شبه ريعيّ (لا يوجد إنتاج ذاتي وبالتالي لا توجد علاقة بين مستغِلّ ومستغَل) في محاولة لجعل مبادئ الحريَّة والكرامة سجينةَ مملكة الشعور وعدم إدخالها إلى الصيرورة التاريخية، ولا مبادئُ الحريَّة والكرامة تكفي لتفسيرِ الغليان الحالي، فنظرة سريعة إلى خريطة الاحتجاجات السوريَّة تظهر انتشارها في المناطق الريفية المهمَّشة المتضررة من السياسات الاقتصادية المجحفة.

 إذاً أسباب الانتفاضات العربية لا تؤطَّر في نظرةٍ أحاديَّة سياسية أو اقتصادية، الالتصاق المزمن بالمعتقد سدٌّ أمام الاقتراب النقدي للحقيقة، سبب الصحوة الشعبيَّة هو اقتصاد محتكر من قبل عائلات مافياوية ضيقة مع استبداد سياسي خانق يستأثر بالسلطة ويسيطر بالهراوة الغليظة على الشأن العامّ.  

جان عبد الله : كاتب سوري مقيم في دمشق

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق