إضفاء الطابع الديمقراطي على الحكامة العالمية

آخر مرّة فكّرنا فيها جدّيا بخصوص تنظيم العالم، كان ذلك بعد الحرب العالمية الثانية، سنة 1945. ومنذ ذلك الحين حدثت تغيرات هامة، ثم إن نهاية الحرب الباردة والعولمة قد ساهمتا بشكل كبير في تسريع تحوّل النظام العالمي… إلى أن جاءت الأزمة المالية سنة 2008 لتذكرنا بأن إرساء إدارة جديدة (حكامة) لم تكن ترفا (فكريا) بل ضرورة مطلقة.

فمِمّا يعاني التنظيم الحالي للعالم؟

إنه يعاني أساسا من عجز ديمقراطي. فنحن على عتبة عالم متعدد الأقطاب كنتيجة مباشرة للعولمة. لذلك، وبفضل مزايا الرأسمالية، توسّعت وتضاعفت مواقع إنتاج الثروة المادية إلى ما يتجاوز الغرب، حيث أننا أصبحنا أمام فاعلين سياسيين جدد يطمحون إلى جعل صوتهم مسموعا. هنا يكمن الرهان السياسي الرئيسي. كانت توجد إلى حد الآن قِوى اقتصادية غير غربية مثل اليابان، غير أنه لم يكن لديها أيّ طموح سياسي حقيقي. أمّا اليوم، فلا الصين، ولا الهند أو البرازيل تروم الاقتصار على النمو الاقتصادي فحسب. إنها تتطلع للتأثير على القرارات الدولية الكبرى. وتكمُن مصلحة الغرب في الحقيقة في تشريك هذه القوى الجديدة الصاعدة في تنظيم العالم، إذا ما أراد تجنب شعورها بالإقصاء إلى درجةٍ تجعلها تعزف عن المشاركة في القرارات الجماعية.

دمقرطة الحكامة على الصعيد العالمي la gouvernance mondiale تعني أوّلا، وقبل كل شيء، مشاركة كل الذين قد تسوّل لهم أنفسهم تحدي تلك الحكامة في اللعبة الدولية.

كيف التوصل إلى ذلك؟ يكون باقتراح منظومة تعكس علاقات القوى في القرن الواحد والعشرين، بدلا من تلك التي كانت سائدة في النصف الثاني من القرن العشرين. من هذا المنظور؛ يجب علينا أوّلا فتح اللعبة داخل مجلس الأمن – التابع للأمم المتحدة – لضمان تمثيل دائم للدول الصاعدة (البرازيل والهند ومصر وجنوب أفريقيا)، دون أن ننسى، بالطبع، الخاسرين في الحرب العالمية الثانية مثل ألمانيا واليابان. هذه العملية لن تكون سهلة، لا فقط بسبب مقاومةٍ من الغربيين، بل لأن الصينيين هم الذين يشكلون أكبر عقبة أمام فكرة دخول اليابان كعضو دائم في مجلس الأمن. زد على ذلك، لا يوجد باللزوم في أفريقيا – كما في أميركا اللاتينية – توافق في الآراء حول أفضل مرشح لتمثيل المنطقة. أما الصعوبة الأخرى فهي تنشأ عن وجود أعضاء دائمين متمتعين بحق النقض. وفي ظل الظروف الراهنة، يكون من غير الواقعي أن نأمل بالتوصل إلى إلغاء هذا الحق دون قيد ولا شرط. غير أنه يمكن في المقابل تصوّر نظامٍ لمداورته وذلك بإقرار أغلبية تؤهل لإبطاله. بتعبير آخر؛ يمكن إقرار أنه في حالة الحصول مثلا على اتفاق يضم ثلاثة أرباع أعضاء مجلس الأمن، فإنه يمكن تجاوز معارضة دولة أو دولتين من الدول المتمتعة بحق الفيتو. لن يكون من السهل تكريس هذا الإصلاح، لكنه يبدو لي ضروريا. فهو يتضمن – إضافة إلى ذلك – ميزة تتمثل في إتاحة الفرصة لتطوير ثقافة الائتلاف أو التحالف على الصعيد العالمي، وهي ثقافة تبدو أكثر فأكثر ضرورة في عالم متعدد الأقطاب.

ستشكل دمقرطة مجلس الأمن في كل الأحوال إشارة قوية إلى البلدان الصاعدة، لا سيما إذا كانت مقرونة باثنين من الإصلاحات التكميلية: إلغاء مجموعة الثمانية (G8) لصالح مأسسة مجموعة العشرين(G20)، (أي إضفاء الطابع المؤسسي عليها)، وإصلاح التمثيلية داخل صندوق النقد الدولي (FMI)، حيث لا تزال تتمتع – إلى اليوم – كل من بلجيكا وهولندا مجتمعتين، بسلطة أعلى من سلطة الصين! ويبدو من الضروري أن تتفق دول منطقة اليورو، في صندوق النقد الدولي، وتقبل بتوحيد مقاعدها، مما يسمح لها أيضا بأن تتكلم بصوت واحد. هذا حل ممكن تماما، لأن هذه الدول لا تُظهِر على الصعيد المالي، اختلافات كثيرة. فالأوروبيون لا يملكون – على أي حال – البديل. فهم لا يستطيعون إدعاء أنهم من كبار المدافعين عن نظام دولي ديمقراطي، بينما هم يشجعون استمرار تمثيل غير متكافئ أساسا داخل مؤسسة هامة مثل صندوق النقد الدولي. يجب أن يصبح هذا الأخير بحق مكانا لمناقشة القضايا قبل وقوعها، بدلا من أن يكون هيئةً لتمرير اختيارات الولايات المتحدة. ومن غير الطبيعي أن يكون صندوق النقد الدولي قد عجز عن لعب دور المحذر أو المنبّه، ذلك الدور الذي هو من مشمولاته منطقيا. إن حكامة دولية، متسمة بتعددية أكثر، من شأنها أن تكون قادرة على مواجهة و موازنة تبعات امتثالية أكبر من اللزوم.

غير أن دمقرطة الحكامة على الصعيد العالمي ليست مجرد مسألة عدالة؛ إنها الشرط المسبق لتعديل أكثر استقرارا للمنظومة الدولية. فلو كانت لنا تمثيلية أكثر ديمقراطية داخل المؤسسات المالية الدولية، لكنـّا أقدر- ترجيحيّا – على كشف المخاطر المالية والاقتصادية التي ارتبطت بالتحرر المفرط لمالية السوق.

سوف تمَكّن دمقرطة مجلس الأمن من رعايةٍ أفضل للقضايا الجغراستراتيجية، وكذلك دمقرطة صندوق النقد الدولي – باقتران مع تصاعد نفوذ مجموعة العشرين – من ضمان تنظيم أحسن للمسائل المالية. بقي لنا أن نجد الإطار الأمثل للتعامل مع الرهان العالمي الكبير الذي ينتظرنا: إدارة تغير المناخ. إذا ما توصّلنا إلى اتفاق سياسي في “كوبنهاغن”، وجب علينا بالضرورة أن ننظر في مسألة بعث منظمة عالمية للبيئة كانت الولايات المتحدة قد عارضت قيامها حتى الآن. ويمكن أن تقام هذه المنظمة، بالإضافة إلى ذلك، على طابقين: الأول يضمن تمثيلية كل دول العالم بلا استثناء، والثاني يجمع أكبر المنتجين لثنائي أكسيد الكربون، الذين سوف يستفيدون من تحصّلهم هكذا على نفوذ حقيقي للمبادرة. ولكنهم، في نفس الوقت، سوف يتحملون مسؤولياتهم كاملة في المسائل البيئية. وهنا أيضا؛ لا يوجد أي تناقض بين دمقرطة الحكامة العالمية وإكسابها فاعلية أكبر.

{{زكي العائدي Zaki Laïdi:هو مدير بحوث بمركز الدراسات الأوروبية للعلوم السياسية. و قد أسس الموقع الفكري تيلوس Telos

نشر المقال بالمجلة الفرنسية “لاكسبراس” L’Express بتاريخ 24 سبتمبر 2009 في إطار ملف عنوانه: الرأسمالية، ساعة الحقيقة.}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق