إعادة اكتشاف النبي محمد تقديم وترجمة: نادر قريط

مقدمة

كتاب غونتر لوليغ “إعادة اكتشاف النبي محمد” (1981) [1]، من المراجع الكلاسيكية في بحوث نقد تاريخ الأديان. وقد ذاعت شهرته بسبب  تناوله لتاريخ بناء الكعبة المكّية (في عهد الزبير، ومروان بن الحكم خصوصا)، كما استقاها من الموروث العربي، إذ يعتقد أن الكعبة كانت كنيسة مريمية (تضم في بنائها الحُجُر الحالي، كمذبح لتلك الكنيسة، وكذلك فإنّ وجود ستة أعمدة بداخلها [ الآن ثلاثة] كان يدفع المصلين أن يولوا وجوههم شطر هذا المذبح وبالتالي نحو بيت المقدس، إضافة إلى إشارات الأزرقي في تاريخ مكة، عن وجود رموز مسيحية داخل البناء، تمت إزالتها في أعقاب الفتح. ويرفض لولينغ فكرة كون الكعبة بانثيونا عربيا لآلهة وثنية كاللات والعزَّى ومناة، ويعتبرهن مريمات عربيات، ويظن أن هبل هو صورة لهابيل أو رمز لإله الرعي) كل هذا دفعه إلى تبني فكرة الماضي المسيحي لشبه الجزيرة العربية، والإسلام المبكر .
في الفصل الأخير للكتاب يجد المرء خلاصات مهمة لفكر هذا الباحث المثير للجدل، وقد سبق لكاتب السطور أن عرض عنه مقالة بعنوان : غونتر لولينغ واكتشاف محمد [2] وإشارات إلى لمحاته الكتابية، التي تنبع أيضاً من حبه لتراث المشرق العربي وولعه بنسيجه الحضاري. ومن المؤكد أن ولادته في سوريا عام 1928 وسط عائلة تبشيرية، وعمله في معهد غوته في حلب، قد منحه فرصة ثمينة للتعرف على مكنونات الشرق وتقاليده، ويمكن القول أن دراسات لولينغ، لم تجد آذانا صاغية بادئ ذي بدء ( داخل المدرسة الإستشراقية الفيلولوجية الألمانية)، إلا بعد اشتداد عاصفة النقد. والآن قلما يقرأ المرء بحثا في حقل الإسلاميات إلا ويتعثر به، أما في عالمنا العرب إسلامي فلا أظن أنه أعير اهتماما يستحقه (ربما لندرة الترجمة من لغة غوته) أو لقناعة بمبدأ ( الباب الذي يُدخل الريح  سدو واستريح ) وأعترف أن هذا النص جزء من ترجمة انتظرت طويلا بين أوراق مبعثرة، علاها غبار النسيان، تعمدت نقلها للعربية ( بدون تصرف قدر المستطاع) لإبراز طريقة الكاتب، المباشرة والحادة وتكراره الدائم وإلحاحه على فكرته، لقطع دابر أي تأويل وتقويل أو التباس.
 
مقارنة في صيرورة المسيحية والإسلام
 
تميّزت عمليات توطيد كلا الديانتين المسيحية والإسلامية، بأعراض متماثلة، تشير إلى تحريف دوغمائي للأحداث التاريخية، وتتشابه الديانتان في وجود فجوة في الموروث، تبلغ 150 سنة ، ابتداء من وفاة مؤسس الدين، حتى تشكّل تاريخ ذلك المؤسس، وفق مواصفات قانونية (متواترة) دوغمائية، فالتعاقب ( التواتر) يُلحظ في العهد الجديد نهاية القرن الثاني ميلادي، وأولى السير النبوية (المتواترة) لفترة التأسيس الإسلامي، تعود إلى القرن الثامن ميلادي (الثاني هجري)، وهكذا مضت مابين مائة وخمسين أو مائتين وخمسين سنة، وفي نهايتها وبشكل مفاجئ تم التدوين الكتابي للمفاهيم الدوغمائية الخاصة بسيرة مؤسس ذلك الدين وأفكاره، بشكل لا التباس فيه، وقد حدث ذلك لدحض تقاليد أصيلة منافسة يتبناها آخرون.

 
وهذه الأعراض المتوازية للموروث التاريخي تعبر عن مبدأ، ألا وهو الانحراف عن الاتجاهات والمقاصد الرئيسية التي أرادها مؤسس ذلك الدين. إن عمليات الانحراف في المسيحية والإسلام لم تكن متوازية من حيث المحتوى والذهنية التاريخية، فالتحريف المسيحي السابق أحدث تأثيرا محتويا مباشرا على اللاحق، وهكذا فإن التحريف المسيحي المبكر كان ناجعا وسيا – سلطويا [3] أما نظيره في إسلام النشوء، فكان تحريفا يحرض على موقف دفاعي، لذا فإن الهجومية السيا-سلطوية الناجعة للمسيحية الغربية الإمبريالية الهيلنستية، أثمرت  تحوّلا دفاعيا انعزاليا في الشرق الإسلامي. لقد كانت هذه الهجومية ثقافية وعقلية، بما تختزنه من تراث مسيحي إمبراطوري روماني هيلنستي مترسخ، وفي صور غير مرئية للثراء التاريخي في الآداب اللاهوتية الفلسفية، وتفوق كمي يؤهل مصالح القوة السياسية لخلق اليقين. كل ذلك مقابل عروبية الصحراء الجاهلة. لذلك، ومن هذه المقاييس، وقع الإسلام الفتيّ في خطر داخلي وخطرعقليّ كبيرين، لاسيما أنه استطاع توا أن يُخضع المناطق الهلنستية لسيطرته بقوة السيف، ولحد الآن يعتقد المستشرقون، بأن الإسلام الفتيّ قيّد مسيحيي المناطق المحتلة ومنعهم من اعتناق الإسلام، ولم يشجعهم على دخوله، لأسباب مادية دنيوية، ولما تدرّه ضريبة الجزية، حيث توجب على الرعايا الغير مسلمين دفع ضرائب أعلى بكثير من تلك التي يؤديها المسلمون.

 
وبالنظر إلى أدلة النقد التاريخي، التي تثبت أن الإسلام هو ثورة على مسيحية هيلنستية في شبه الجزيرة العربية، يصبح واضحا أن التفسير المادي (المالي) هو تقييم خاطئ وفي أحسن الأحوال نظرة أحادية وتصوّر قصير النظر. فالسبب الرئيسي لانغلاق إسلام ما بعد النبوّة، كان دون شك حقا مشروعا، سببه الخشية من مرور خطر محدق بالإسلام، عبر هؤلاء. فالنزاعات اللاهوتية في شبه الجزيرة، كانت قد حُسمت توّا بحدّ السيف، ونظرا لهذا الترابط مع الماضي المسيحي الهيلنستي للإسلام والمعروف آنذاك، يمكن تجنب النزال وتجنب استغلال تفوق الثقافة الكتابية للاهوت المسيحي الهيلنستي ..لقد كانت محاولة دفاعية أمام طغيان الثقافة الكتابية للغرب المسيحي، الذي كان في نظر الإسلام (بحق ومشروعية) غربا فاسدا.

 
ومنذ البداية حاول إسلام ما بعد المرحلة النبوية وبشكل حاسم تطوير لاهوت يسمى علم الكلام، وصفه باحث الإسلاميات الفرنسي لويس غارديه قائلا : “كما هو حال اللاهوت المسيحي، فإنّ علم الكلام ينظر إلى أسسه الكتابية كمعطيات مطلقة، يجند من أجلها كل تجهيزات المنطق والفلسفة”، لكن الوظيفة المهمة للاهوت المسيحي كما يراها القديس أوغسطين هي المعرفة الإيمانية،  وهذه لا تشكل أولوية في علم الكلام، فالوفاء إلى المنابع واقتحام الأسرار الإيمانية يُوظف ضد من يشكك ويكذب، وعليه أصبحت لعلم الكلام وظيفة تبريرية دفاعية، بينما تحتل هذه الوظيفة في اللاهوت المسيحي مرتبة ثانية، وهكذا غدت قواعد (الكلام) دفاعا لا تنويرا. وقد يبدو خطأ كبيرا لو عنينا أن هذه الدفاعية السكونية هي النتيجة المنفردة للصعوبات الإسلامية المبكرة، والتي دعت إلى طمس معالم المسيحية المكية والتاريخ المبكر للقرآن، ومحاولة تجنب تعريض أسس الإسلام لجدل مع لاهوت مسيحي هيلنستي، فهذه البداية الحكيمة والضرورية، أنتجت للإسلام المتأخر، أعراضا وتأثيرات غير منتظرة، تحوّلت تدريجيا إلى أضرار جمّة، وما نرومه هو توضيح هذا الأمر بالمقارنة مع المسيحية الهيلنستية.

 
لقد أثبت مرارا وتكرارا وجود بون واضح بين الديانتين، ففي الإسلام يغدو الله حاضرا وملموسا في كتاب، أما في المسيحية فيغدو حاضرا في شخص، لكن هذه الخصائصية مرهونة فقط بالنتائج النهائية للأرثودوكسية، وعبر تطوّر سياسي دوغمائي طويل. ومما لاشك فيه، فإن يسوع المسيحية الأولى، لم يتمتع بخصائص مذهب التثليث، ولا بما ألصقت به الكنيسة الرو-هيلنستية من ألوهية، وكذلك القرآن، فلم يُنظر إليه في الإسلام المبكر على أنه غير مخلوق وإلهي، كما صوّرته الأرثودوكسية الإسلامية في العصر العباسي الأول (قرن ثامن م ) وقت تدوين العقيدة الإسلامية، فهذه السياسات الدوغمائية، التي ألصقت التأليه بشخص هنا، وبكتاب هناك، بشرتنا بمنافع وأضرار عديدة، تم حصادها أثناء نضوج وتوطيد كلا العقيدتين.

 
لقد صهرت الإمبراطورية المسيحية الهيلنستية بين قانون الدم القديم، وعبادة الخصب (أو المرتفعات عند إسرائيل القديمة) [4] والعقيدة المسيحية الناشئة، صهرت بينها مجتمعة وبين عقائد سحرية آثارية منقرضة (أو معاصرة حينها) في دولة بروليتاريا كبيرة، لتحصل على عبادة سحرية غامضة بالأسرار الإلهية دُعيت (الجسد المسيحي). هذه العقيدة أثبتت بصورة ناجعة وخارقة، أنها أداة تأديبية، لإدارة الإمبراطورية. آنذاك اقتضت مصالح الدوغما الإمبراطورية هذا التحوّل من عبادة البطولة المحلية إلى عبادة المسيحية، ورفعها إلى حق كوني ووحيد. وحدث التأكيد التوحيدي (للجسد المسيحي) عبر صراع دوغماسياسي، من خلال ما أعدته المسيحية الإمبراطورية من تسحير وتأليه للجسد المسيحي والقربان المقدس، وتثبيته كعقيدة وإعداد الإدارة المركزية السحرية لهذا التأليه،  ليصبح محورا للتأديب والحكم. لكنها حافظت في آن معا على التاريخ المبكر وتاريخ يسوع عبر الكتب الوفيرة للعهد ين القديم والجديد، وجميع الأناجيل والعلوم والآداب السابقة للمسيحية. وبالتأكيد فقد سبب تسليط مركز الدوغما على الإدارة السحرية للجسد المسيحي (القربان) إلى إهمال واسع للوثائق، وإلى خلق فهم تخيّلي لتاريخ المسيح، إلى أن جاء عصر الإصلاح الديني، مع ظهور ترجمات إنجيلية بلغة الشعب، فحدث العجب : كم من الحقائق الإنجيلية الحكيمة كانت قد أخفتها الكنيسة أو احتقرتها ، لذا كان الاحتفاظ بوثائق تاريخية وقانونية وإيمانية وإنسانية إنجيلية (رو-هيلنستية) والتي كانت بادئ الأمر ذات أهمية ثانوية في هرمية إدارة الجسد المسيحي، (تلك الوثائق) أصبحت ( بعد الإصلاح) أساسا واقعيا لتفكير منطقي حرّ. فمن وثائق الضواحي والمحيط البعيد، من هناك حيث الثقل الإنجيلي الإنساني، أمكن الهجوم الثقافي والأخلاقي على أنظمة الإدارة المركزية للإمبراطورية السحرية. لقد هوجمت في عصر الإصلاح الديني (المقصود اللوثري) وما تزال تهاجم إلى يومنا من خلال قاعدة عريضة من أدوات النقد التاريخي، إلى أن أصبحت من حيث المبدأ موضع تساؤل. لقد تركت هذه المركزية المسيحية لإدارة الجسد المسيحي وتأليهه، تركت المحيط المترامي الأطراف وتاريخ العالم متحررا من السحر، مما سمح بنضوج علوم الأنتيكا، فالإنسانيات والطبيعيات وحضارة الكتابة في عرض هذا المحيط المترامي تقدمت رويدا رويدا بعيدا عن رقابة الهرمية الكنسية، ومن المجدي ذكر بعض الأمثلة.

 
إن طرق نقد النصوص الإنجيلية، في علوم اللغة الكلاسيكية، أو علوم العهد القديم ، بدأت في المحيط البعيد عن مركز المقدس ، وبعد عمليات طويلة وصبورة، جُربت تلك الطرق النقدية على صلب العهد الجديد، فالممارسة الحرة لتفكير فلسفي ديني وعقلي بحثي، هو الشرط لنضج علوم الطبيعيات وتقدم التقنية ، ومن الواضح فإن تمركز المسيحية الهيلنستية (فكرا وممارسة سحرية) حول تأليه الجسد المسيحي وإدارته، قد منح فضاء متحررا للمحيط الثقافي الداني والنائي، وهذا الأخير أصبح أساسا للنهضة وبالتالي لهيمنة الفكر الغربي.

 
أما مسيرة الدوغما الإسلامية وصيرورتها، فكانت مختلفة تماما وشديدة الضرر على تقدم  الدائرة الثقافية الإسلامية وازدهارها، فالنبي محمد فهم الإسلام بأنه العودة إلى الجذور المشتركة للديانتين المشوهتين (المسيحية واليهودية) واعتبر نفسه تاريخيا، آخر حلقة في السلسلة التاريخية للأنبياء المرسلين، لكن إسلام الخلفاء (كما أثبتت البحوث النقدية التاريخية والاستشراقية الليبرالية) لم يُبرز دعوة محمد ورأيه المبني على رشد ووعي تاريخي عقلاني. فالأمر يدعو إلى موقف من الآثار والمنابع الكتابية العربية القديمة. لقد كان الزمن المبكر للإسلام ناضجا تماما ومؤهلا للبحث النقدي، هذا ما تبرهن عليه بقايا الموروث في كتابة التاريخ المبكر للإسلام، ولربما كان بإمكان سجال فعال وهجومي وعقلاني (نقد تاريخي) مع المسيحية واليهودية أن يحمي الإسلام من مصير أودى به إلى عقلانية دفاعية انعزالية، أثناء صراعه مع الغرب الهيلنستي  .
لقد نحا الخلفاء المباشرون، باعتبارهم القيادة السياسية والدينية للإسلام إلى نزعة واقعية في تقدير الأخطار المحدقة بالإسلام الفتي، وإدراك التفوّق الثقافي الكتابي  لإيديولوجية الإمبراطورية المسيحية الهيلنستية، فعبر كبت وتكذيب الماضي المسيحي للإسلام والقرآن تم سحق نقاط الارتباط، وتجنب النزال مع المسيحية ولاهوتها، ولربما وباحتمالية كبيرة استطاع هذا التغيير الذاتي في الإسلام  تحصين مكتسباته الدينية واستقلاله عن المسيحية، إذ إن التمزق اللاهوتي الداخلي (عبر قوة الإثبات والبراهين) المسيحية، سيؤدي إلى رفع راية التسليم لها، لكن هذا الطمس الذاتي المتقطع الأوصال لماضي الإسلام المسيحي ، قد نفذ بقناعة عالية، إذا ما أشبعت أغراض السياسة اليومية، لذا فقد ظهرت الصورة التاريخية المحرّفة للإسلام ذات مصداقية، لكن هذه الضرورة القسرية لم يعد بالإمكان رفعها بسهولة، فتلك الضرورة التي سببت تشويه الصورة التاريخية للإسلام جعلت العودة إلى الصورة التاريخية الحقيقية غير ممكنة، بعد توطيد دعائم الدولة الإسلامية وتراجع أخطار التفتت اللاهوتي. إذن وبسبب هذه الضرورة الدفاعية القديمة نتج هذا النص القرآني، الذي لم يعد من المستطاع إثارة التساؤل (النقد تاريخي) حوله، وهي نفس الضرورة التي أخذت على عاتقها تحريفه، رغم كل المحاولات الإسلامية المستمرة والطويلة، والتي سعت إلى تأمل حر للنص القرآني (في البداية ظهرت معارضة دؤوبة تعتبر هذه الدوغما الجديدة [ تأليه النص] شركا، أو إشراك مخلوق بالله ) لكن هذا النص أصبح أكثر قداسة وتابوية، بمعنى آخر، أصبح نصا تشرحه الطبقة السياسية الدينية المسيطرة من العلماء على أنه نص غير مخلوق وكلمة الله الحاضرة في الأبدية، وذلك لتجنيبه أية محاولة نقدية، وهذه الدوغما ( القرآن الإلهي الغير مخلوق) تمثل الماكسيما الإسلامية الأرثوذكسية، فالقواعد اللغوية القاموسية العربية لم تعد لتقرر معنى النص القرآني، بل العكس فقد أصبح هذا النص [المحرف جوهريا وتاريخيا والمثبت دوغمائيا، هو الذي يكمم قواعد اللغة وعلوم قواميسها، وهذه الماكسيما توضّح ما تمّ تدوينه في هذه المحطة النهائية لتطوّر الدوغما الإسلامية.
في المسيحية كان الفارق واضحا ونوعيا بين مركز الدوغما المبني على إدارة عبادة سحرية غامضة الأسرار ( الجسد المسيحي الإلهي ) وبين الوثائق التاريخية الكتابية والإيمانية اليهودية والمسيحية، هنا سيطر غموض جسدي سحري ( الثالوث المقدس ) وتفكير تابوي غير منطقي وهناك (في الوثائق) سادت عقلانية منطقية وفهم تاريخي للعالم الواسع وتاريخه، وبما أن هرمية الكنيسة، ذات التفكير والعقل الدوغمائي الانضباطي قد تمحورت حول طقوس الجسد المسيحي المحاط بالأسرار السحرية الغامضة، فقد بقيت الضواحي العقلانية الدانية والنائية، والوثائق التاريخية الكتابية (إيمانية وقانونية)  متروكة للعقل الإنساني النقدي المتحرر، لذا فقد ورثت المسيحية حتى الوثائق اليهودية في صيغة العهد القديم ( كما هي عليه).

 
فالقرار الأساسي الذي اتخذ بداية، هو الصمت وطمس معالم المسيحية في القرآن والإسلام مما أدى إلى تطوّر دوغما إسلامية، لم يكن لأحد أن يفكر بها (زمن طمس الضرورة) أو يتوقعها أو يقصدها، وكلما بعُد  زمن ثبات الهدف القديم وطال (وهو الدفاع الذاتي المشوّه وإثبات الصورة التاريخية الخاطئة) ازداد تحريف الصورة التاريخية للنبي والأقوال التيولوجية والتاريخية للقرآن، من هنا فقد ملئت هذه الفترة  الخالية للصورة التاريخية، الناجمة عن طمس معالم المسيحية في الإسلام المبكر، بمعلومات تاريخية خاطئة، كانت لها آثار مباشرة على تحريرالنص القرآني وتفسيره. وبالتالي فإنّ هذا الطمس وهذا التحريف للتاريخ المباشر الذي سبق القرآن والإسلام، أصبحا عقبة أمام تحقيق مقاصد النبي، ألا وهي العودة إلى دين إبراهيم وإسماعيل والأسباط، وحيثما ترفض الصورة التاريخية، التي حُرفت من حيث المبدأ، وعندما لا يُطرح السؤال النقد تاريخي الجريء لمصلحة ( الحقيقة) السؤال عن الماضي المسيحي لشبه الجزيرة العربية قبيل الإسلام، لن يستطيع أحد أيضا أن يعود إلى الماضي التوراتي (بموضوعية وانفتاح) ذلك الماضي الذي من خلاله نادى النبيّ (لدين إبراهيم وإسماعيل والأسباط) هذا الوضع يشرحه النقص الرهيب للبحوث الآركيولوجية في الدائرة الثقافية الإسلامية، والذي يناقض بحدة مبدأ عودة الرسول الغير مشكوك فيها إلى دين إبراهيم ، ويلاحظ المرء أن المسيحية الهيلنستية ومحيطها قد تمسكت وحافظت على العهد القديم اليهودي، أكثر من الإسلام الأرثوذكسي، الذي أعلن نبيّه العودة إليه( دين إبراهيم)، فالتشويه والطمس لماضي الإسلام في شبه الجزيرة والتخلي عن الأسس العقلانية الإسلامية التي سعى لها النبي(دين إبراهيم) باعتبارها حقيقة تاريخية ورابطة عمومية، أدى إلى تضييق القاعدة العقلانية للإسلام وحصره في إطار نص قرآني حُرف من حيث المبدأ تاريخيا وقواعديا وموسوعيا.
في المقابل لم يعرف الإسلام هرمية كهنوتية متميزة عن الشعب، مهمتها مباركة القربان المقدس، وهذا يتناغم مع مقاصد النبي المضادة للهيلنستية وطقوس القربان السحرية الغامضة (الإلهية)، على أن هذا الإسلام الذي أراد له النبي أن يكون عقلانيا منطقيا، تغير بواسطة خلفائه، الذين أخذوا على عاتقهم إجراءات دفاعية، تمثلت في طمس التاريخ المسيحي السابق للإسلام، وهذا أدى إلى تحريف أساسي في المراكز الإيمانية والقانونية والوثائق الكتابية، والنص القرآني، وما رافقه من تدوين تاريخي، وبسبب هذا التشويه البنيوي، أصبحت هذه الوثيقة (القرآن) تتجنب النقد التاريخي والقاموسي والقواعدي وبشكل إطّرادي لتصبح في نهاية المطاف الوثيقة غير المخلوقة والإلهية ( وثيقة خالية من التاريخ ) وأداة رفعتها وترفعها طبقة العلماء (كحق  وحقيقة) أمام الحقائق التاريخية للعالم، وأمام التاريخ الأصيل  Archaisch  البرهاني المتوارث لتمثل الحقيقة الإلهية الفريدة. 
 
 وهذا يعني (مقابل المسيحية) أن التفكير التابوي (السحر غموضي) قد منح سلطانه للإسلام والقرآن وخوّله إدارة المحاور الإيمانية والقانونية والوثائقية، وأن يمد نفوذه من المركز وبدون قطيعة نوعية، ويهيمن على تخوم ومناحي الحياة العقلانية بأسرها، فتعرضت الحياة العقلية العمومية ابتداء من المركز، بأضرار فادحة وأصيبت بالشلل ولا تزال مشلولة حتى يومنا.

 السبب وراء [تقدم] المسيحية والإحباط في المجتمع الإسلامي

بعد الانطباع الناجم عن النجاحات التي حققتها العلوم الغربية في القرنيين الماضيين، طرح مثقفون مسلمون مرارا وتكرارا السؤال: لماذا كانت النجاحات العلمية والتقنية من نصيب عالم المسيحية وليس من نصيب الإسلام، الذي صمم له نبيّه أن يكون دينا عقلانيا وليس سحريا، فمن الأولى أن يمتلك القاعدة لتلك المكتسبات.
إذا توضح للمرء أن الانضباط النقدي للعلوم الإنسانية ( فلسفة، فقه لغوي، تاريخ ديني )هو الأساس الجوهري لتطوّر الفكر والتعامل التقني، والعلم طبيعي، فعلى المرء أن يقر بأن تضييق الحياة العقلية الإسلامية على نص قرآني تم تشويهه في المرحلة الما بعد نبوية، وعلى صورة تاريخية ممسوخة، كل ذلك أدى إلى نتائج وخيمة، جعل الإسلام الذي أراده النبي عقلانيا ومنطقيا، يصبح مستحيلا ولا معقولا. وفي العادة يقدم المسلمون أعذارا عن هذا الفشل الغريب، والذي يردّ على ما جلبته المسيرة التاريخية من سيطرة أجنبية، وبالأخص الاستعمار الأوروبي والإمبريالية. هذه الأعذار ( وبكل وضوح ) سطحية لأنها توفر على نفسها عناء التساؤل النقدي : لماذا خضع الإسلام العروبي إلى موجات عديدة من الفكر الغريب والهيمنة الأجنبية.، فقد خضع للفكر والروح الفارسية، مع نصر العباسيين ( 750م ) والتركي بعد السيطرة السلجوقية ( 1055م ) وأخيرا العثمانية ( بين القرن 16م _20 م ) وقبلها سيطرة المغول في القرن 13م.

السيطرة التركمانية تقدم شيئا خصائصيا، فالخليفة في بغداد قام حوالي (1000م) بتدمير السلالتين الشيعيتين القديمتين، بعد أن حكمتا قرابة قرنين من الزمن، أولاهما كانت السلالة السامانية ذات التقاليد (البوديهية؟؟)[5] والثانية هي السلالة البويهية ذات التقاليد الفارسية. لقد حطم الخليفة تينك السلالتين الراقيتين عبر تحالفه مع قبائل تركمانية زاحفة من هضاب الشرق، باتجاه فارس، وهي قبائل أميّة بدوية أسلمت وتسنّنت على عجل، وسرعان ما سيطر هؤلاء (الهمج) على السلطة عام (1055) هذا السلوك السياسي لسلطة المركز الإسلامي الأرثوذكسي، هو بعض الشيء تكرار للفترة الما بعد نبوية في الإسلام المبكر، وهي تكرار لرفض جدل عقلي مع خصم مثقف، وبدل ذلك، البحث عن مخرج لا عقلي (سلطوي) حينما تلوح بوادر هزيمة عقلية محتملة. بالرغم من أن هذا المخرج السياسلطوي كان يقود إلى تبعية أكثر إذلالا. وهذه الميول المعروفة للإسلام الأرثوذكسي، التي تدفعه للتحالف مع الأميين ضد قوة فكرية ذات ثقافة راقية، تمنحنا الفرصة لنتكلم عن الضرر الرئيسي الذي سببه تشويه النص القرآني والصورة التاريخية الإسلامية، هذا الضرر يكمن في: الأميّة الخصائصية للدائرة الثقافية الإسلامية.
 
إن الماكسيما في الإسلام الأرثوذكسي تتجسد في أن القواعد اللغوية العامة لا تقرر اللغة القرآنية، فالقرآن هو الذي يقرر القواعد اللغوية العامة، وهذا أدى إلى تعايش نوعين من القواعد اللغوية، أولاهما قواعد لغوية تابوية لاهوتية لتفسير القرآن، ولتمنح هذا التفسير تعليلا حكمويا (من الحكمة)، وهكذا فإن العلوم القاموسية والقواعد القومية اللغوية “ المتقدمة علميا “قد تبنت نظرية دفاعية لتبرير التشويه في النص القرآني والتاريخي،  أما الثانية فتتمثل بقواعد اللغة للعربية الأصيلة، أي قواعد اللغة الأم أو الشعبية، التي لم يحاول الإسلام فحصها (كنظام) أو توصيفها بعلمية، لهذا أخذت اللغة الفصحى ( اللاهوتية) ولأغراض الدفاع وشرح النص القرآني المحرّف دوغمائيا، تقذف اللغة الأم وتتهمها بالقصور وعدم القياسية، لأن استخدام هذه اللغة على النص القرآني ( مقرونا بأدوات النقد التاريخي والدوغما لاهوتي) سيقود حتما إلى فضح التشويه والتحريف في القرآن الما بعد نبوي، على هذه الأسس الدوغمائية تم الحط من قيمة اللغة الشعبية الأم، وبالتالي تجريد الحكمة الطبيعية وعقل الشعب ( والنكتة الأم ) من حقوقها، عليه فإن التأهيل أو التعليم في المناخ الإسلامي يعني تكذيب النمو الطبيعي والأصيل والمفهوم (المُدرَك) وهيمنة شيء خارج أو فوق طبيعي، يقرره العلماء الأرثوذكسيون بمفردهم ومن هنا تتضح المفارقة الغريبة، فالفضاء الثقافي الإسلامي وحتى العصر الحالي، لم ينتج أدبا شعبيا، وتقريبا فإن الاستثناء الوحيد هو المجموعة القصصية الشهيرة ألف ليلة وليلة، والتي تتكون في معظمها من النتاج القصصي الفارسي والهندي.

 
إن الأميّة الخصائصية للدائرة الإسلامية هي بالفعل عصية على الإيضاح لصعوبات جمّة، ولو أخذنا الكتابة العربية مثلا، فنظام الكتابة الياباني التقليدي هو أكثر صعوبة لكنه لم يُعق الثقافة اليابانية من أن تستولي كتابيا وعبر تثقيف جماعي عريض على علوم المجتمعات الصناعية، لكن الأميّة الإسلامية تشرح نفسها من العمق، فقد حكمت وحطت من شأن القواعد الطبيعية للغة الأم، وبالتالي حكمت على الموهبة الطبيعية للشعب بالتسطح والعجز، كما أن التعليم كان دوغمائيا، وامتيازا  للطبقة المسيطرة (العلماء)، وهذا التعليم الدوغمائي كان وما يزال فكرا سلطويا، ولم يكن واجبا وممكنا للشعب بشرائحه العريضة أن يتحمل أو يعترف بذلك الفكر[ 6] أخيرا فإن الانتشار المستمر للفكر التابوي السلطوي السحر غموضي من مراكز الوثيقة الإسلامية باتجاه التخوم العقلية للحياة الإسلامية، كان السبب في أن المجالات الثقافية الإسلامية، كانت خالية من تعليم طبيعي للشعب (إما أو لا) إما علوم دينية لاهوتية أو لا تعليم بالمرة، لذا فإن الاستيلاء على علوم طبيعية بحتة في ظل تعليم عمومي ناقص يبقى إشكالية في غاية الصعوبة.

وأختم بهذا المقطع:
وليومنا هذا لا يوجد في الإسلام طبقة كهنوتية تحتكر المقدس (وهذا يوافق المقصد النبوي) لكن الإسلام بدأ (وبدون طقوس معرفة المقدس) بتشكيل طبقة علماء مثقفين (ابتداء بالجمع العثماني لنصوص القرآن ) احتكرت لنفسها القوامة على النص القرآني (المحرّف) وعلى إدارته للسواد الأعظم من الشعب، تماما كما فعلت الطبقة الكهنوتية مع الجسد المسيحي.

الهوامش
1Günter Lüling، Die Wiederentdeckung des Propheten Muhammad. Eine Kritik am ‚christlichen‘ Abendland، Erlangen 1981
2
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=98274
3  سياسلطوي إقتراح لترجمة اللفظ الألماني        machtpolitisch  
4 عبادات الخصب هي كنعانية، بالأساس وجملة لوليغ تحتكرها لإسرائيل القديمة
5هل قصد لولينغ البوذية؟  
6 في الحقيقة لم أفهم قصده في هذه الجملة
 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This