إعلانات الانتخابات النيابية العراقية

{{1}}

لم يقد الترابط المزعوم بين الفنّ والحقيقة إلى فائدة على الفنّ ولا على الحقيقة، لأنّه قد دفع بالمتلقّين إلى مقاربة الفنّ من مقاربة موضوعاتية تحمل كلّ تأثيرات الأهواء التي تصف هذا الميدان كما يؤكّد هربرت ريد… ولكن لا يمكن إنكار أنّ لوحة العشاء الأخير لدافنشي تقدّم لنا حقيقة أنّ من حضروا ذلك العشاء هم 13 شخصا يتوسّطهم السيد المسيح، وهذه واقعة سردية غير بصرية.. بينما تخبرنا الواقعة البصرية بأنّ تكوين عناصر اللوحة بشكل أفقيّ كان شائعا في بدايات عصر النهضة، بينما لا تعطينا لوحة (العشاء الأخير) لرمبراندت معلومةً عن عدد الحاضرين، ولكنها تنبئنا بأنّ تكوين العناصر كان أكثر (حداثة)، حيث تمّ توزيع تلك العناصر من خلال بناء هرميّ، كان قد اقترحه دافيد في لوحته (قَسَم هوراس).

{{2}}

يفارق الإعلان اللوحة (مثلما يفارقها الكاريكاتير) من خلال توفّره على تعاضد البصريّ واللغويّ، فحيثما ينفتح البصريّ على تعدّد الدلالات والتأويلات، يحاول اللغويّ التخلّص من الدلالات الزائدة، ويفرض سلطته في التوجيه، والحدّ من ذلك، ومن خلال طبيعته الزمنية السردية “فلا وجود لزمن إلا من خلال الحكي” كما يقول بول ريكور ..

{{3}}

تجمع الإستراتيجية الإعلانية، في اشتغالها بين ثلاثة “منتجين” للخطاب الإعلانيّ هم: المنتِج، والسلعة، والمستهلك. وتعتبر: السلعة والمستهلك العنصرين اللذين تستند عليهما الإستراتيجية الإعلانية، فحينما تتكئ الإستراتيجية الإعلانية على السلعة، فإنّها تتجه إلى المستهلك، وحينما يتّجه الإعلان إلى المستهلك فإنّه بالضرورة يتّكئ على السلعة، ولكنّ الجودة (الإعلانية) لا تحقّقها جودة السلعة وإنما تحقّقها جودة العرض، الذي يقول عنه سعيد بنكراد “يتعلّق بالمناطق الانفعالية التي يستطيع استنفارها”، فلا وجود لخطاب مباشر يتحدّث عن السلعة بشكل مباشر ومعزول عن المستهلك ويؤدّي إلى الشراء…

{{4}}

هنالك ما يعرف في استراتيجيات الإعلان بعالم الحاجات، وهناك ما يعرف بعالمي: الرغبات، والحاجات. والأولى ذات طبيعة مباشرة وصريحة، بينما تتّصف الرغبات بكونها استيهامية نتيجة استثارات عاطفية، وإنّ واحدة من أهمّ استراتيجيات الإعلان تضخيم الحاجات لتغدو رغبات عميقة، أي أن تتحوّل إلى صور، فيقترح الإعلان حلول كلّ من الحاجات، والرغبات عبر الإعلان…

لقد كان الإعلان الانتخابي الذي ظهر ضمن فعاليات الانتخابات العراقية النيابية يشتغل على كل استراتيجيات الآلية (التسويقية التجارية)؛ فيبحث أولا، بمستوى لغويّ، في الحاجات؛ يتمّ طرحها عبر خطاب لغويّ من خلال تبنّي واحد من تلك الحاجات التي تأخذ بخناق العراقي ومازالت…. تلك الحاجات التي يفتقر إليها الفرد العراقيّ الآن: الأمن والكهرباء والماء والعمل والتعليم والصحة….، وهذه الاحتياجات تُشْعرُ المرشّحين بضآلتهم أمام الادعاء بإمكانية حلّها كلّها كما جرت الأمور في برامج الانتخابات السابقة، والتي عجزوا عن زحزحتها جميعهم: برلمانيين وحكومة منبثقة عنهم طوال السنوات السابقة من عمر التجربة العراقية النيابية. لذلك بدأ بعضهم بتسويق نفسه ممثّلا لقطاع صغير من قطاعات المجتمع كالقطاع الرياضي، أو الثقافي، أو غيره، وبدأ يسوّق أفكارا ترتبط بحاجات هؤلاء كالتقاعد الرياضي، أو بناء قاعدة رياضية تحتية، أو دعم الثقافة والمثقّفين…. وهكذا يرتبط المرشّح نفسه بالحاجات المستعصية التي تحوّلت إلى رغبات بفعل سنوات طويلة من الحرمان، وبدأ هؤلاء المرشّحون الاشتغال على الرغبات بمستوياتها الأعمق وعلى الصور الناتجة عنها، وإشاعة ما يماثل القناعة بامتلاك مفاتيح حلول كافّة الرغبات، والحاجات عند الناخب المستهدف، وتحويل هذه القناعة في لاوعي الناخب المستهدف إلى صورة بصرية هي صور: المرشّح بكلّ علاماتها الفرعية التي سنفصّلها لاحقا، ورقمي القائمة والمرشّح باعتبارهما (باسوورد) الدخول إلى عالم التغيير وحلّ كلّ معضلات الواقع العراقيّ، وصورة علامة (ماركة = لوغة) القائمة، وبذلك يتمّ بناء الوصلة الإعلانية من مستويين متكاملين هما: المستوى البصريّ والمستوى اللغويّ.

ويبحث في المستوى البصريّ… الذي يبنى من خلال: وجه باسم، ومترف أحيانا، ومدجّج بحشد من الإكسسوارات المنتقاة بعناية، فأحيانا يرتدي الكوفية والعقال الذي يشكّل مرجعية عربية، وأحيانا يظهر بلحية مثلّثة تغطّي الحنك، وأحيانا يتلفّع بكوفية خضراء وقد وضعها أحدهم على كتفيه ليدلّ على نسبه الذي يعود إلى الإمام عليّ عليه السلام، يضاف لهذا اختيار لقب علميّ أو مهنيّ (دكتورا مهند محامي إعلامي)، وإحدى المرشّحات في البصرة اتّخذت لقب (حجية) وآخر اتّخذ لقب (العلامة)، واتّخذ آخرون لقب (السيد) التي تعني انتماءه إلى نسل فاطمة الزهراء عليها السلام، وأحيانا لقب الشيخ واسم العشيرة التي يترّأسها، وكلّ تلك العلامات تدلّل على قوّة، وفاعلية الانتماء الفرعي في نظر هؤلاء المرشّحين، وقد اتخذت القوائم علامات مصوّرة لتدلّ عليها دونما تدخّل لغويّ، وهو أمر قد يفسّر بكونه إقرارا بالحاجة إليها بسبب تفشّي الأمية أو محاولة تحويل كلّ معطيات الإعلان إلى علامة مصوّرة يسهل اختزانها في العقل الباطن..

{{5}}

تنوّعت أشكال الإعلان من: البوستر الورقي أو الفلكس الالكتروني الملون، إلى البوستر الصغير الذي يتضمّن تقويم عام 2010، إلى بطاقات جيب صغيرة (كاردات) غالبا ما يتضمّن وجهها الخلفيّ تقويما سنويا صغيرا، وبذلك يشكّل سدّا لحاجة امتلاك تقويم صغير يوضع في الجيب، وأحيانا يكون الإعلان مطبوعا على أدوات تتضمّن أهمّ عناصر وصلات الإعلان. ومن هذه الأدوات: أكواب الشاي وأقلام الحبر الجافّ وأكياس النايلون، وأحيانا تستخدم بعض الجهات السياسية أوراقا باللونين الأسود والأبيض مطبوعة ومستنسخة بشكل بدائيّ وتتضمّن بعض الفتاوى التي يتمّ تفسيرها بشكل يناسب الجهات التي توزّعها وأحيانا تقتطع من سياقاتها وتحشر في عملية الانتخاب بشكل يكون غالبا قسريا..لقد أكّدت عديد الآراء أنّ تأثير فاعلية هذه الإعلانات ضعيف في تغيير قناعات الناخبين العراقيين، إلا أنّها تشكّل برأينا تلويثا فكريّا يساهم في بلبلة الناخب العراقي ويشكل إكراها مضافا لتلك الإكراهات التي تدعوه إلى المشاركة في الانتخابات النيابية، ومنها الرغبة في تغيير الواقع القاسي والانتماءات الفرعية والعشائرية وبعض الفتاوى وغيرها، بينما تتنازعه في الوقت ذاته إكراهات أخرى تدفعه إلى مقاطعة العملية الانتخابية، وأهمّها إخفاق الساسة في تغيير الواقع العراقي، وفسادهم، وتكالبهم على الامتيازات بشكل غير معقول، وشعور الناخب بلا جدوى الديمقراطية بسبب فشلها في تحويل المشاركة في عملية الاقتراع إلى عدالة اجتماعية ورخاء اجتماعي، وهي أهمّ أهداف نتائج الديمقراطية. وبذلك فإنّه يعتقد أنّه بل السياسيّ فقط هو المعنيّ بالعملية السياسية.

{{6}}

لقد حدث تغيّر نوعيّ في استراتيجيات الإعلان الانتخابيّ، ففي الوقت الذي كانت تلك الإستراتيجية تعتمد على الإيحاء والتأجيج للأنماط اللاواعية الكامنة في لاوعي الناخب، من خلال الرموز الطائفية الكامنة عند أولئك الناخبين، واعتبارهم المقياس الذي لا جدال فيه لمقايسة الحاضر استنادا إليه، وذلك من خلال الرموز الدينية وتحاول أن تبحث لها في ركام التاريخ ما يعزّز خطابها الذي ما زالت تفوح منه رائحة الطائفية.. وكانت تلك إستراتيجية إعلانية هيمنت على التصويت الأوّل على الدستور، والتي قوطعت من قطاعات مهمّة من الشعب العراقي. وهي ذاتها هيمنت على أوّل حكومة شكّلها السيد إبراهيم الجعفري، وهي تحاول إضفاء الأهمية الحاسمة على هدف غير ملموس هو في ذهن الناخب ويستدعيه المرشّح ليبعد القضية قدر الإمكان عنه شخصيا وعن المشكلة الحقيقية، إلا أنّ تلك الإستراتيجية سرعان ما خفتت فاعليتها بعد كبح جماح القوى المسلحة بتنوعاتها المختلفة وحلّت محلّها في انتخابات المجالس النيابية المحلية للمحافظات والأقاليم، حيث كانت تتصف بأنها إستراتيجية خيالية تستدعي آليات شعرية في إقناع الناخب بإمكانية المرشّحين على امتلاك أو إيجاد حلّ سحريّ للمشكلات المتناقض التي يحفل بها الواقع العراقي، وكانت تتّصف بأنها إستراتيجية ذات طابع يضفي إمكانيات سحرية من خلال إضفاء تلك الإمكانيات على أشخاص محددين هم قادة الكتل المتنافسة، فحينما طرح أحد مرشّحي محافظة ذي قار في انتخابات المجالس المحلية النيابية بـ”أنّ ذي قار ستكون دبي الألفية الثالثة!!” فإنّ كمية الحلم المسوق هنا جعل هذا الشعار أمرا مضحكا بعد بضعة أشهر من تسلم السلطة، وأخيرا فقد حلّت إستراتيجية إعلانية في الانتخابات الأخيرة، وهي إستراتيجية عقلانية تركّز على الموضوع الانتخابي من خلال قراءة الإمكانات المعقولة والقابلة للحلّ من مشكلات الواقع العراقي، لذلك كانت البرامج الانتخابية تتصف بالمعقولية والواقعية وتركز على المشكلات المحددة والمراد تسويقها إعلانيا، ووفق خطاب واقعيّ معقول، فحين يتوسّل أحد مرشّحي البصرة بالقول “إنّ البصرة تستحقّ وضعا أفضل” فهو يستدعي كلّ وعي الناخب عن البصرة باعتبارها مدينة النفط والزراعة والموانئ العراقية… فهي إذن تستأهل وضعا أفضل من وضعها الآن، وإنّ الآلية الإعلانية التي تصبّ اهتمامها بالمشكلة (السلعة) تكون ذات خطاب إقصائيّ، فهي تركّز على الخيار المطلوب لتنفي الخيارات الأخرى، فما دام مسحوق الغسيل “س” يزيل أصعب البقع دونما جهد فإنّ مسحوق الغسيل “ص” سوف لن يزيل البقع الصعبة وإن بذلتم جهدا أكبر في سبيل ذلك.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق