إلحادويةٌ مفرطةٌ وإنسانويةٌ مجحفة

أثار “وهم الإله”، كتاب العالم البيولوجي البريطاني ريتشارد دوكينز عاصفةً من النقاشات بدأت منذ صدوره في العام 2006 ولم تتوقّف حتى اليوم، جعلته يلاقي رواجاً قلّ نظيره قياساً لمحتواه. إذ لا يكتفي المؤلف بمواجهة العلم بالدين بعيداً عن أيّة تسويات، بل يصل بالمنطق العلميّ إلى نهاياته القصوى : تعارضه المتأصّل وعلى طول الخطّ مع الأيديولوجيا الدينية.

في فصول الكتاب العشرة، يتصدّى المؤلف، على خلفية ضلوعه بعلم البيولوجيا التطوّرية، للعلاقة بين الدين والعلم من جانب، وبينه وبين المجتمع والسياسة من جانب آخر. تؤسّس الفصول الأولى لمناقشة فكرة وجود الذات الإلهية أو نفيها من خلال منهجية العلم التجريبي وما يتيحه من أدلّة وبراهين. في حين تناقش بقية الفصول (نصف الكتاب تقريباً) علاقة الدين بالأخلاق والمجتمع والسياسة.

ثمّة توقٌ لرؤىً بديلة، وجهات نظرٍ تتصدّى لتصوّراتٍ افتراضيةٍ مسبقةٍ مقبولةٍ على مستوى كونيّ، وروحٌ معارضةٌ بامتيازٍ فضلاً عن عقلٍ علميّ ألمعيّ يخاصم بعمقٍ الأصوليات الدينية وما تتّسم به النخب الحاكمة في بريطانيا والولايات المتحدة من تخلّف وظلامية، وهي دولٌ صناعيةٌ متطوّرة، فما بالك بالبلدان المتخلّفة.

{{في مواجهة “استرضاء” الدين:}}

ينأى دوكينز عن المداورة ويخوض معركته جبهياً في تقديمه للدين ومساءلته له، ولربما كان تصدّيه لعلماء وباحثين يصرّون على محاولة إجراء مصالحةٍ تلفيقيّةٍ بين الدين والعلم هو مأثرته الحقيقية.

أحد مزاعم دوكينز المفتاحية مفاده أنّ “وجود أو غياب عقلٍ مبدعٍ هو سؤالٌ علميٌ بامتياز، ولو أنّه لم يُختبر بعد، ينطبق الأمر كذلك على حقيقة أو زيف حكايا المعجزات التي يعتمد عليها الدين في إقناع المؤمنين”. وجود الخالق يستتبع تأثيراً في العالم، وهو اعتقاد غالبية المتديّنين الذين يؤمنون بتدخّله في حوادث العالم والقيام بالمعجزات واستجابة الدعوات، إلخ. لكنّ تلك الظواهر بمجملها غير قابلةٍ للقياس العلميّ أو للخضوع للتجربة العلمية، وهو الأساس الذي يبني عليه سجاله. والحال أنّه نزاعٌ مركزيٌّ قديمٌ بين العلم والدين، بين المادية والمثالية، بين العقلانية واللاعقلانية، لا يمكن حلّه طالما أنّ الأوّل يعتمد الملاحظة والتجربة واختبار الفرضيات والمفاهيم ومعرفة العالم في ذاته، والثاني يعتمد الإيمان والتسويغ ومعرفة العالم لذاته.

يدافع دوكينز عن الإلحاد على قاعدة علمية. لكنّ الأمر لا يقتصر على مهاجمة الأيديولوجيا الدينية فحسب، ما لم يكن الإلحاد هدفاً بذاته (كما هو الحال لدى دوكينز على ما يبدو)، فذلك يقود لتشكيل أيديولوجيا جديدة في مواجهة أيديولوجيا نقيضة، أي توليد أوهامٍ جديدة في مواجهة أوهام قديمة. وظيفة العلم إنتاج المعارف وعقلنة الحقائق، أي تحرير العقل من الخوف وبالتالي من الأوهام، وليس خلق المزيد منها.

{{المعتقدات الدينية والتاريخ الاجتماعي:}}

ديمومة المعتقدات الدينية أمرٌ وثيق الصلة بدور العلاقات الاجتماعية في تشكيل الإيمان الديني وديمومته. فمقاربة الدين علمياً ومادياً تتأسّس على إدراك أنّ الدين أساساً منتجٌ اجتماعيّ. فالثقافة تدخل في حقل الاجتماع وليست محدودةً بالأفراد. ديمومة الدين جزءٌ من محافظة النخب على مصالحها، إذ تستخدمه لشرعنة احتكارها للسلطة بنسبتها إلى إرادة السماء، هذا من جانب. ومن جانبٍ آخر، لامتصاص غضب الطبقات الفقيرة وتعزيتها بمملكة السماء بديلاً عن مملكة الأرض. تاريخ الدين، مثله في ذلك مثل أيّة ظاهرةٍ إيديولوجية، أمرٌ بالغ التعقيد. لكنّ إيديولوجيا الدين لها وجودٌ شبه مستقلٍّ ويحكمه منطقه الخاص. كذلك ثمّة نزوعٌ تطوّريٌ في هذا التاريخ يتساوق مع التقدّم الاجتماعيّ وما يتضمّنه من تطوّرٍ معرفيّ.

لكنّ دوكينز يحاول إخضاع تطوّر الدين لمفهوم التطوّر الدارويني، متسائلاً عمّا يجعل الإيديولوجيا الدينية خارج سياق هذا التطوّر. وفي إجابته، يلاحظ أنّ التفسير التطوّريّ للإيمان الدينيّ في غنىً عن مسلّمة فائدة التطوّر للدين بحدّ ذاته (وهي أساس أطروحة داروين حول التطوّر الطبيعيّ)، إذ يراه حصيلة أمرٍ آخر، مفترضاً أنّ الأساس التطوّريّ للإيمان لا يتّسم بالعمق الذي يبدو عليه وهو افتراض يحتاج للاختبار كذلك. فهو يرى أننا نعتنقه لمجرّد أنّ آباءنا الذين لقَنونا إيّاه هم أكثر حكمةً منّا وبالتالي نضطرّ لاعتناقه. لكنّ ذلك لا يفسّر نشوء الدين ولا الصورة التي تبلور عليها على مرّ القرون. يلجأ دوكينز في محاولة إجابته عن ذلك السؤال إلى نظرية الميم** meme ومفادها “وحدة الموروث الثقافيّ”، فهنالك ميمات معيّنة لديها نزوعٌ لإعادة إنتاج نفسها. وهي محاولةٌ عقيمة، إذ أنّ إرجاع أساس انتشار أيديولوجيا ما إلى فكرةٍ بعينها (في حين تظهر الأفكار وتنتشر ضمن المجتمع) هو أمر يتعارض مع منطق العلم. غالباً ما ينقلب مناصرو هذه النظرية من تفسير التاريخ على نحو علميّ إلى تفسيره على نحو مثاليّ.

ربما لم يضف دوكينز الكثير إلى محاولات من سبقه في وضع نظريةٍ تفسّر نشوء الدين وتطوّره منذ بدايات المجتمع البشريّ، لكنّ محاولة معالجته للقضايا السياسية والاجتماعية المعاصرة بصلتها بالدين بدت هشّةً رغم تماسكها الظاهريّ.

{{الدين والسياسة:}}

خلافاً لماركس، يرى دوكينز أنّه ليست للدين دلالةٌ سياسية أو اجتماعية. وهو يعالج الفكرة على نحوٍ مجرّدٍ كفكرةٍ لا صلة لها بشروط الحياة المادية. “طالبان أفغانستان وطالبان أمريكا (الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة) مثالان بارزان عمّا يحدث حين يأخذ البشر كتبهم المقدّسة حرفياً وعلى نحوٍ جدّيّ”. بالتأكيد، تلعب الكتب المقدّسة دوراً، لكنّ طالبان أفغانستان وطالبان أمريكا كلاهما نتاج علاقاتٍ اجتماعيةٍ أعمق ضمن خصوصية الشرط التاريخيّ لكلّ مجتمع على حدة، واختلاف المجتمعين يمنح سماتٍ للأيديولوجيا المهيمنة في كلّ مجتمع.

لهذه المقاربة نتائج محدودة. ففي نقاش دوكينز، في بداية الكتاب، لقضية الرسوم الكاريكاتورية المعادية للإسلام التي نشرت في صحيفةٍ دانمركية والتي ولّدت احتجاجاتٍ حادّةً في شباط / فبراير 2006، شجب العديدون الاحتجاجات بوصفها تعدّياً على حرية التعبير، ودافعوا عن نشر الرسوم المتعصّبة انتصاراً لحرية التعبير. يتبنّى دوكينز ذلك الموقف كاملاً. لكنّ المرء لا يحتاج أن يكون مؤيّداً للأصولية الإسلامية ليدرك أنّ ما حدث فعلاً ليس دفاعاً عن حرية التعبير، بل هو استفزازٌ متعمّدٌ لاستثارة العداء للإسلام داخل أوروبا وخارجها. أمّا الاحتجاجات فقد عكست من جانبها غضباً يتجاوز الدينيّ المحض، بل ويمتدّ ليعكس غضباً مستعراً تجاه حكومات الغرب اعتراضاً على سياساتها تجاه بلدانٍ غالبيتها من المسلمين.

حقيقة أنّ السخط المنتشر في مناطق الشرق الأوسط وآسيا يتّخذ سمةً دينيةً لا ينفي حقيقة أنّه نتاج عوامل سياسية وتاريخية. إذ إنّه يحيل إلى فشل الحركات القومية واليسارية ذات المشرب العلمانيّ وعجزها، وإلى حرص الغرب على تقويض الحركات العلمانية الحقيقية لأنّها تشكّل تهديداً لمصالحه أكبر ممّا تشكّله الحركات الدينية.

تعامي دوكينز عن الجذور السياسية والاجتماعية للإيديولوجيا الدينية يدفعه لاستنتاج أنّ الأصوليات الدينية هي بالضرورة مجرّد نتاجٍ للدين نفسه. أسوأ ما في الأمر نزوع دوكينز، في دفاعه عن الإلحاد، لتبنّي موقفٍ ازدرائيّ من معتنقي الدين رغم أنّهم يمثّلون أوسع شرائح المجتمع. وطالما أنّ الدين مجرّد ظاهرةٍ إيديولوجية، فالناس هم الملامون في نهاية المطاف على قناعاتهم الدينية وما يترتب عليها من سياساتٍ يسوّغها الدين أياً كانت. لا يؤدّي ذلك إلى الإخفاق والعجز في مهمّة الارتقاء بوعي البشر فحسب، بل كذلك إلى العجز عن تقديم اقتراحٍ عن كيفية تحرير المجتمع والناس من هيمنة الأيديولوجيا الدينية.

الدين معادٍ للعلم بطبيعته… فضلاً عن توظيفه لإخفاء تناقضات الواقع الاجتماعي وحجب جوهر الاستلاب، كما أنّه يشكّل دعامةً للتسلط والاضطهاد. إلا أنّ الكفاح لنشر الوعي العلميّ بين الناس فضلاً عن إشاعة نظرةٍ ماديةٍ إلى العالم، يستوجب التمفصل على محاولة التأسيس لتنويرٍ حقيقيّ. تنوير يستند إلى رؤية الأيديولوجيا في سياقها الاجتماعيّ، وإبراز زيف مزاعمها بتمثيل مصالح المجتمع بكليته لتعرية وظيفتها القمعية.

الكتاب ليس دفاعاً عن الإلحاد فحسب، لكنّه هجومٌ على الدين، إذ ينظر إليه دوكينز بوصفه علماً هدّاماً، يرعى التعصّب ويشجّع عليه وبالتالي فهو يحارب لإلغائه من المناهج المدرسية التي تلقّنه للتلاميذ. وإن كان ينتهي بسؤال إن كان الدين يملأ “فجوةً ضرورية” ويمنح الناس ما يحتاجونه من عزاءٍ وإلهام، فهو يتحاشى المسألة الجوهرية، ضرورة العلم، بوصفه أداة تنوير، ودوره في التحرّر من الخوف مولد الأوهام!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق