إلى الأستاذة الأصوليّة التي طردت طالبة من قاعة الامتحان لأنّ ذراعيها مكشوفان..

نشر أحد مواقع الانترنت (تونسنيوز) خبرا أكّده شهود عيان، ومفاده أن أستاذة جامعية بإحدى الكليات التونسية (كلية العلوم الاقتصادية و التصرف بنابل) طردت طالبة من قاعة الامتحان لأن ذراعيها مكشوفان. ولم تتمكن الطالبة من اجتياز الاختبار إلا بعد أن وجد لها أحد الأساتذة قميصا ارتدته!

وبطبيعة الحال كانت الأممية الإسلامية ستقلب العالم لو مُنعت هذه الأستاذة من دخول الحرم الجامعي لأنها محجبة. وكان الأصوليون، سيفتحون معجم الحريات من ألفه إلى يائه و يمطرون الدنيا نضالا حقوقيا (على عادتهم الجديدة)، وكانوا – دون شك- سيتحدثون عن الاضطهاد والقمع، وستُمضى العرائض وتُشكل اللجان.

وتعليقا على هذا الخبر، أتوجه برسالة موجزة إلى هذه الأستاذة علّها تجد فيها ما يمكن أن ينهيها عما أتت من انتهاك لحقّ الطّالبة ولحرمة المؤسسة التعليميّة :

سيدتي،

لا شك أنك تحدثت لكثير من معارفك وزملائك عن غزوتك الأخيرة، حيث ساهمت من موقعك في تطبيق الشريعة ولو جزئيا، وربما علّقت أو علّق من ساندك: ذلك أضعف الإيمان. وأقدّر أنك صلّيت ركعتين بعد عودتك وشكرت الله طويلا على هذا النصر المبين. وربما أقسمت أن تواصلي على درب جهادك، حتى تحرّري الجامعة التونسية من كل مخالفة ومخالف للشريعة.

يهمّني أن أقول لك، وصفا لما قمت به لا شتما أو تعديا، أنك أصولية ولست متدينة.

أنا شخصيا أعارض قمع المتدينين رغم أنني لم أدع إلى التدين يوما، وأندّد بكل قمع يسلط على شخص بسبب معتقداته أو خياراته أو لباسه، وقد سبق أن كتبت ضد المنشور 108 (نص قانوني في تونس يحجّر لبس الحجاب داخل المؤسسات العمومية)، ولا زلت أعتبر أنه ليس منشورا تقدميا كما يريد بعض المدّعين وصفه، لأنّ الحلول الأمنية أو ذات الصبغة الأمنية لا يمكن أن تساهم في مواجهة عوائق الحداثة.

فالتأسيس لقيم المواطنة والتقدم و العقلانية، وإرساء مبادئ الجمهورية والقانون والحرية، هي بوابات النهوض وضمانة مجتمع حديث ومتطور.

وكان من الممكن أن أكون الآن بصدد كتابة نص أستهجن فيه تعدّيا عليك، وقد مُنعت من مزاولة مهنتك بسبب ارتدائك حجابك.

سيدتي،

أعلمك بكل أسف أنه في حال اعتداء على حريتك لن تجدي، من المختلفين معك، غير قلّة تقف إلى جانبك، فأنت تشرّعين لكل من له سلطة أن يفرض رأيه على الآخرين وأن يتعدى على حقوقهم وأن يفرض ما تتطلبه رؤيته ومشروعه.
أنا شخصيا سأدافع عنك، دون الدفاع عن حجابك، وهذا فضلي عليك.

قد ترفضين دفاعي، ولكني لن أفعل دفاعا عن شخصك، إني أدافع عن القيم التي أؤمن بها. ولأجلها أدعو للتصدي لكل سلوك من جنس ما أتيت.

واعلمي أنك انتهكت أكثر من حقّ من حقوق الإنسان الأساسية، وأنك تجاوزت القانون بحيث يمكن للطالبة مقاضاتك.
وإذ لم يتسنّ لي التثبت من حالتك المدنية، فإنّي أشك أنك تونسية، ففي تونس، رغم كل النقائص التي يشار إليها، يصعب أن يقدم أحد على تجاوز بمثل هذه الكارثية.

لقد حاكمت وأصدرت الحكم، ونفذت وعاقبت.

هل إن النصوص الترتيبية التي تشرّع سير الامتحانات فيها ما يشير إلى تصرّفك فيبرّره؟ بل والنصوص القانونية عموما، في هذا البلد، تخوّل لك فعلتك؟

سيدتي،

هناك تواطؤ إداري مع حاملي فكرك. هذا أمر ثبت قبل صنيعك، وتأكّد بعد فعلك. حيث كان على المسؤولين الإداريين للكلية أن يطلبوا منك مغادرة قاعة الامتحانات، فأنت المتجاوزة للقانون. كان عليهم أن يدافعوا عن القانون، وعن مكتسبات الجامعة التونسية، ويدافعوا عن المكتسبات الوطنية في مجال حرية المرأة، لا أن يسمحوا لبوليس النوايا والمشيرين بالتكفير والتدنيس أن يحكموا ويعاقبوا.

لم ترتكبي الجرم وحدك، وما فعلته هو أقل مما كان من القائمين على الكلية، الذين لم يحرصوا على صيانة المؤسسة، وعلى تطبيق القانون. والذين لم يضعوا حدّا لهذا التجاوز الأخلاقي.

نعم أنت التي تجاوزت الأخلاق و الأعراف والقيم الإنسانية. أنت حارسة النوايا، وهل تسمحين لأحد أن يجبرك أن تكوني مثله؟

هل أنت المثال، وغيرك الآثام والمعاصي؟ أأنت الحقيقة والصواب، وغيرك الأخطاء؟ هل كلّفك ربّ غيبيّ أو أرضيّ بهذه المهمة؟

سيدتي،

أنا مشفق عليك، لم تتعلّمي شيئا في هذا البلد، وتخرّجت من جامعته كما لو لم تدخلي. ودخلت مدرّسة فقدّمت درسا في الرجعية.

هل أردت صيانة شيء؟

كم أودّ أن أسمع ردّا.

حتى لو سمعتك، ليس لك غير جمل صفراء.

أعرفها… وقد تزايد أصحاب صوتك

إنكم الآن تحدثون جلبة. اذهبي “لن أقتلك”، ولن يقتلك أحد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق