إلى عبد الله صولة فقيد الجامعة التونسية

.جاءني الخبر على حين غفلة. دولة من الليل جثمت على صدر الضحى الغائم. فزعت إلى الأصدقاء اسألهم، فإذا الكلمات قليلة والصمت كثير، لكأنهم في كلامهم كما في صمتهم يندبون زميلهم وصديقهم ورفيق دربهم الأستاذ عبدالله صولة . قضى أيام شبابه وكهولته بين الكتب عاملا مجدا لا يفتر ساعة واحدة عن السعي في طلب الحقيقة. نعمنا به وبما كانت تخطه يداه حقبة من الدهر حتى نزلت به نازلة الموت فذهبت بحياته أحوج ما كنا إليه. …خلّف وراءه طلاب علم رأيتهم في منزل جميل يمشون وراء نعشه يستعبرون. اجتمع عليه تعب السنين وثقل المؤونة فأضنياه ضنى عجل برحيله. قال لأحبابه في آخر أيام حياته : لقد عبرت بسلام لحظة الشك ومرارة استقبال الموت فأصبحت قادرا على مسك كتبي ودفاتري في الفينة بعد الفينة. ولكنه كان يقرأ مستعجلا آخر صفحات كتابه: كتاب الحياة وسفر الردى. ليس عجيبا أن يستعجل الرحيل ذاك الذي نزع إلى الشمولية وطلب الخروج من حيز الزمان والمكان. تلك كانت في كلمات قليلة قصته مع القرآن في مغامرته الفكرية الشيقة وبحثه الأم الموسوم ب ” الحجاج في القرآن”. لقد كان يقرّ له قدرة على التأثير العاطفي في قلوب متلقيه ممن أذعنوا له وصدقوا به وانقادوا إليه عن حماس ديني بحت وعن عاطفة خالصة وإيمان محض لكونه من عند عزيز حكيم ولكنه كان يبحث من وراء هذا الإيمان ومن وراء هذا الاندفاع الأزلي للعاطفة الإنسانية الصادقة عن جمهور كوني وذلك بالبحث لا عن جماله وحسنه ومزيته ولا عن دواعي الشجو الناشئ عن كلامه بل عما يوجد فيه من حوارية معتبرة، فيها حضور الطرف المتلقي حضورا فاعلا .فالقرآن ليس عنفا مسلطا على العقول في شكل استدلالات جامدة ولا هو باللامعقول الذي يخلب الألباب في شكل خزعبلات صائدة بل فيه من دواعي الاقتناع الذي لا يكون إلا بتحقيق ضرب من المعقولية داخله. إن في القرآن قدرة على التأثير في متلقيه تأثيرا عقليا هو ضرب من المعقولية الكونية التي تحكم الحجج وطريقة بنائها وعرضها من الناحية اللغوية والأسلوبية على صعيدي الحقيقة والمجاز وهو ما يجعل من كتاب الله كتابا ينزع إلى الشمولية ويخرج من حيز الخصوصية والزمانية بما يحقق للخطاب وظيفته حجاجية سامية هي وظيفة المثل الأعلى ويجعل منه خطاب مثل عليا يوجه إليها جمهور متلقيه أكثر منه خطابا جميلا أو كلاما محنطا نفعيا يكرس الواقع أو يتحيّل به البعض لمزيد سيادة سائد يريدون أن يسجنوه وراء قضبانه ويحنطوه داخل أسواره. لقد كان الفقيد يقول لقرائه المسلمين أن القرآن كتابكم بحق ولكن فيه دعوة تتجاوزكم إذ يبقى عند الذين يؤمنون به والذين لا يؤمنون على حد سواء كتابا من كتب الإنسانية العظيمة وواحدا من الجدران التي كونت الأنوات الداخلية للبشر إذ أن فيه كثيرا من دواعي الطمأنينة بما يحمله في طياته من قيم وجودية تضفي على الحياة والموت والمصير معنى. لم يخاطب القران القلوب الفياضة فحسب ولكنه اتجه صوب العقول المستيقظة حين كان يحاجج خصومه ويقارع الحجة بالحجة ويطلب من مستمعيه عقولهم لتكون طريقا إلى قلوبهم .

فجمال القرآن أنه ندب على حد تعبير ابن رشد إلى اعتبار الموجودات، وإذا كان قد حث على معرفة الله وسائر موجوداته بالبرهـان، كان مــن الأفضل، أو من الضروري، لمن أراد أن يعلم الله وسائر الموجودات بالبرهان، أن يتقدم أولاً فيعلم أنواع البراهين وشروطها. غير أن هناك دائما من يخشون حديث العقل ممن جعلوا من الكتاب صنما للعبادة وأيقونة حبسوها في فضاء محاريبهم تعلقا منهم بمزية نص على كل نص وتمسكا لا حجة له أو عليه بنظرية تفوّق إعجازي لا تؤول إلا إلى اختلاف الآراء وتضاربها.لقد كان القرآن جميلا في نظر عبدالله صولة لأنه كان يجدد ويبني ويهدم وينقض ويبرم . وأجمل بنا أن نقرأه ونعيد قراءته لنتعلم منه كيف نبني نحن أيضا ونهدم وننقض ونبرم ” وكان الإنسان أكثر شيء جدلا”

الموقف العدد بتاريخ 20نوفمبر 2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق