إمــا… أو /عباس بيضون

 

كانت الثورة بالنسبة لماركسيين قدامى تساوي الحرب الأهلية. لم تتحقق أنظمة اشتراكية إلا في أعقاب حرب أهلية طويلة. لكننا لا نستطيع أن نقول الشيء نفسه عن راوندا او الصومال حيث ترابط حروب أهلية يستبعد أن تنتج أنظمة من أي نوع. ذلك يطرح سؤالاً صعباً، إما الحرب الأهلية وإما النظام، سؤال صعب إن لم يكن معضلاً، فهذه الأنظمة التي جثمت على الحياة السياسية والاجتماعية عقوداً متوالية من السنوات ليست أنظمة إلا بالمعنى البدائي للكلمة. نستطيع غالباً وبدون حرج أن نعتبرها هكذا واثقين من أنها في تربعها على البلاد طوال هذه السنين لم تقم بخطوة واحدة تخرج الصراع من بؤرته الأهلية، بل يمكن القول أن الصراع الأهلي كان حجتها الأولى للبقاء في الحكم، فالصراع الأهلي يغلب الحاجة إلى نظام أي نظام حتى ولو لم يكن سوى قوة كابحة وعنف مجرد. قد تكون كتائب القذافي وفدائيو صدام حسين مثلين على هذه القوة التي تتربى في الكنف العائلي وتغدو قوة شخصية للحاكم وحرساً خاصاً له. الحروب الأهلية في راوندا والصومال لا تؤدي إلى نظام بقدر ما تؤدي إلى تفسخ متزايد وتفتت يتفاقم يوماً بعد يوم، ولا يمكن الأمل بنهاية وشيكة لهذا التدهور أو الحلم بخروج من الحفرة أو تأسيس لبناء من أي نوع. تتدخل في الحرب الأهلية عناصر من داخل وخارج ويمكن أن تكون الحرب نفسها استطراداً لحروب اقليمية او دولية لكن الأكيد انها تفقد شيئا فشيئا معناها أو معانيها وتتحول مع الوقت إلى استيلاد العنف من العنف وعلى نحو أعمى ومسدود. حيال أمر كهذا تبدو الديكتاتورية نفسها مقبولة بل ويمكن ان تغدو مطلوبة إذ يخيل لكثيرين ان مطلق شيء أفضل من الفوضى الدموية، وربما فكر كثيرون بأن الفلتان الأعمى لا يتوقف إلا بقبضة حديدية.

كثيرون سيفكرون كذلك، حتى هؤلاء الذين يعلمون تمام العلم بأن هذا هو رهان الاستبداد. فالخيار بين الاستبداد والفوضى لصالح الاستبداد غالباً. نختار الاستبداد على الفوضى رغم علمنا بأن الاستبداد هو الذي يجعل هذا الخيار مطروحاً. الاستبداد الذي يجوّف الحياة السياسية ويأكل لبّها ولا يترك منها سوى العظم هو الذي يضع الناس أمام خيارات بهذا السوء ويجعلهم في حقيقة الأمر أمام اللاخيار. ليس في إيثار احدهما على الآخر أي قدر من الحرية، فمن الواضح ان في تفضيل السيء على الأسوأ اضطرارا وجبراً، بل ان في التخيير بين السيء والأسوأ عسفاً، حتى حين يتخايل السيء إيجاباً وخيراً فإن استمراره طويلاً على حاله قد لا يترك مناصاً الا للأسوأ، وعندئذ يضيق الاختيار حتى يبدو قسراً وأحادياً ولا مجال بعد ذلك للكلام عن حرية من أي نوع.

خلاصة ذلك ان السيء مقدمة للأسوأ. الاستبداد لا يبقي سوى الحرب الأهلية خياراً مفتوحاً وجهنمياً. ان استلاب الجميع وتشتيتهم وقطعهم عن كل صفة أو هوية سوى كونهم موضوعات للحكم وتذريرهم وتحويلهم هملاً وطحيناً اجتماعياً، أمور تنتهي بتثبيتهم عند نعرات موروثة متأرثة. حين يبنى الاستبداد على نعرات فإنه يدفع المجتمع إلى حافة ليس هناك ما بعدها، انه يضع الجميع أمام حرب موقوفة ومعلقة. إذا كانت تهديده المقيم فلأنه يحملها في داخله ولأنه مؤسس عليها، انه تقريبا شكلها المنظم وعنفها الموقوت والبارد وصورتها ما قبل الانفجار.

إما النظام وإما الحرب الأهلية. تهديد فعلي رغم أن النظام قد يتأسس على الانقسام الأهلي، رغم أن الحرب الأهلية لا تطيح بالمجتمع فحسب لكنها تفقد النظام أي شرعية من أي نوع. رغم ان الحرب تكشف المجتمع والنظام وتجردهما من أي حصانة. لكن المجازفة بالقفز عل الحافة التي ينقل النظام المجتمع اليها هي حقا مجازفة، وهي حقا قفزة إلى الجحيم. ان النموذج الصومالي ماثل أمامنا والخوف منه والسعي إلى تجنبه، بأي ثمن، حكمة. لكن التهديد بالحرب الأهلية مخيف وليس للمجتمع وحده بل للنظام أيضاً. في اللحظة التي تنفجر فيها الحرب الأهلية لا يعود للنظام أي شرعية ويكون مصيره قد قدّر ولا يمكن ان يعود شرعياً حتى ولو انتصر. اما المجتمع فلا يخرج من حلقة عنف إلا إلى حلقة أخرى وما يصيبه، أياً كان النظام، سيكون أسوأ من أي نظام بل سيكون أسوأ من الاستبداد نفسه. لا يعرف أحد إلى أين تتدهور الأحداث لكن مصيراً كهذا ينبغي أن يتبصر به لا الشعب وحده ولكن النظام أيضاً. سيكون النظام مجرداً من أي ذكاء أو حصافة أو وعي لمصلحته إذا ألقى بالتبعة على المجتمع. إذا أعفى نفسه من أي مسؤولية عن الحرب وإذا اكتفى بالتهديد بها، على الجميع ان يخافوا من مصير كهذا وعلى الجميع أن يصدّوه. يخطئ النظام إذا حسب أنه يربح من الحرب الأهلية وان الشعب هو الخاسر الوحيد. يخطئ إذا ألقى باللائمة على المجتمع وإذا اكتفى بالتهديد. إذا أراد أن يدافع عن نفسه فإن التعنت ليس دفاعاً. قد يكون من جرائر التعنت أن يبدو النظام مساويا للحرب الأهلية، وأن لا يتبصر المجتمع بمصير كهذا وهو مدفوع إلى حافة اليأس. قد يكون من جرائر التعنت ان لا يختار المجتمع وأن يترك الأمور لتلقائها. على النظام أن يخاف من الحرب قبل المجتمع. على النظام ان يزن مصالحه قبل المجتمع، موقع النظام يسمح له بحساب أفضل، والحساب ليس موازنة عددية بين من يهتفون له ويهتفون ضده. حساب كهذا قد يتبدل في لحظة، حساب كهذا ينسى تقاليد التعبئة الجماهيرية التي يتقنها أتباع النظام والتي غالبا ما تتبخر عندما يجد الجد. حساب كهذا هو ابن لحظته العابرة ولا يأخذ في الاعتبار التطورات والاحتمالات المقبلة. حساب كهذا يمكن بلا ذكائه ان يدفع المجتمع إلى ان يخرج أسوأ ما عنده، حينئذ يتعاون النظام والمجتمع على تقرير الحرب والسير فيها. من الشطط أن تأخذ السلطة الكبرياء والغرور وأن يظن ان تنازلا حقيقيا سيؤدي إلى مزيد من التنازلات. يعرف المجتمع شرور الحرب وأمامه أمثلة حية وشاخصة عنها، يعرف المجتمع ولا ينجر بسهولة إلى الحرب وعلى الحكومات ان لا تدفعه برعونة اليها. لسنا في لعبة مسرحية, وليست المسألة مسألة أداء فحسب، انها مسألة حياة أو موت ولا ينجح التظاهر او الأداء الحسن في تجنبها او مواجهتها. ينبغي للنظام ان يقدم للمجتمع ما يعتبره مكاسب حقيقية، أن لا يكتفي بتجميلات وأن يقدم للمجتمع أشياء في الأساس وفي العمق. على النظام ان يفكر حقاً بوجه ديموقراطي، ولو أن في ذلك المجازفة بسلطته او ديمومتها على الأقل. إنها مسؤوليته أكثر مما هي مسؤولية الشعب وهو مصيره قبل ان يكون مصير المجتمع.

 

 عن ملحق السفير الثقافي 1/4/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق