إنذار “غورو” الثاني!

في عديد من دول الغرب بات مألوفا دعوة أكابر الجالية الإسلامية، لحضور حفل إفطار بمناسبة دخول شهر رمضان. هذا التقليد السنوي يرعاه في النمسا رئيسها الإشتراكي هانس فيشر. ومن قبيل المبالغة في تقدير المناسبة، يتم الإفطار في القصر الملكي العريق “هوفبورغ” (حاليا مكاتب الرئاسة) الذي كان في الماضي مركز أسرة هابسبورغ التي حكمت المملكة النمساوية الهنغارية وأصقاعا أخرى من أوروبا.

ومن طريف القول أن سكرتارية القصر تضطر لتعرية جدران إحدى الصالات وإبعاد اللوحات الشهيرة عنها وذلك لتهيئة جو مناسب (صحراوي قاحل) لصلاة الجماعة، التي يُصرّ الصائمون على تأديتها في رحاب القصر (اللوحات لا تخلو من حسناوات وسيقان وأثداء قد تؤجج فتوى إرضاع الكبير!).

تذكرت هذه القصة وأنا أقرأ إيميل الدكتور فيرنر الذي تعرفت عليه قبل سنين في ندوة مملّة، استدعى الأمر تقطيعها بين الممرات، حيث تبادلنا التأفف من الندوة، وفي النهاية قدّم لي بطاقة تشير إلى أنه يعمل في إدارة القصر المذكور، ثم إنقطعت الأخبار ولم نلتق بعدها.

ودارت الأيام (ومرت الأيام) وكتب لي أواخر مارس الماضي:
[لدي ترجمة لتصريحات المستشارة “شعبان” وتأكيدها على أن الرئيس الأسد لن يسمح بإراقة قطرة دم واحدة. التصريحات تبدو مشجعة وتشبه كيس بابا نويل المليء بالهدايا والوعود الإصلاحية كإلغاء العمل بقانون الطوارئ وإقرار الحقوق المدنية للأكراد. ما رأيك؟ فيرنر]

قلت في نفسي: ثمة أمر أهم لن يجده فيرنر في الترجمة، أمر لخصته رياح السموم في ملامح المستشارة. فالكلام وحده لا يقول كثيرا، بل ما يختبئ وراءه في اللاوعي. إن إلغاء العمل بقانون الطوارئ وغيره، قضايا أثارها الحكواتية، فالحقيقة أن السلطة والشعب قد نسيا قانون الطوارئ تماما، ومنذ عقود يُعمل بالإستبداد الفصيح الذي يقول في حدّه الأدنى: سكّر بوزك يا كر (اسكت يا جحش) مع بعض الصفعات والركلات إن لزم الأمر.

والحال كذلك لا يستطيع المرء سبر كلمات المستشارة إلا بعد شقلبة معانيها! (شقلب فعل آرامي ويعني قلب) تماما كالشعارات الكبرى التي صدّعت رؤوسنا، فالوحدة مثلا ليست إلا دثارا للعشائرية وتمويها لخطوط التماس بين “أحياء” المدن (وبين أمواتها) وكذا هي الحرية فقد تجلّت أخيرا بأيد مغلولة وأجساد موطوءة بالأحذية، اللهم سوى الإشتراكية فهي الوحيدة التي أنجزت مهمتها بعد أن أشركت عموم الشعب في الفقر والخوف.

لهذا فإن تصريحات المستشارة، وحسب لغة الصم والبكم، تعني رشوة علنية للأكراد، ولعبا سافرا على فسيفساء اللوحة السورية. أما التأكيد على عدم إراقة قطرة دم، فيذكّر بأسطورة حربية تروي أن قائدا حاصر مدينة. وبعد أن إشتد الحصار وافقت المدينة على الإستسلام لقاء عهد أمان يقضي بأن لا يُقتل رجلٌ من المدينة، ولما فُتحت البوابات ودخل الجيش، أمر القائد بقتل كل الرجال بإستثناء رجل واحد. وهكذا برّ بعهده!
عليه فإن عدم السماح بإراقة قطرة دم، لعبة لفظية تمتح من نفس الإناء.

بكلّ الأحوال لم أرو لفيرنر عمّا يجول بخاطري من هواجس، إعتذرت له بلباقة وتذرعت و..و..و.. على أمل لقاء قريب. ومضت الأيام، ودخلنا شهر رمضان، الذي تزامن مع الحملة العسكرية وإقتحام مدينة حماة وغيرها، وإذ به يكتب رسالة حازمة شديدة اللهجة تقول:

أكتب لك بصراحة والمعذرة إن تجاوزت أدب السياسة واللياقة، وأرجو أن تُقدّر حسن النيّة]

إن النظام السوري نسي أننا (نحن) من أنشأ دولكم ورسم حدودها وأسس جيوشها وشرطتها وجامعاتها. ونحن من صنع الأسلحة والذخائر التي يُقتل بها، والنت والتلفون الذي تستخدمونه. ونحن أيضا من يفرض أخلاقيات الحرب والسلم.
منذ العصور الوسطى إلى اليوم، وبرغم وحشية الحروب التي طالت سكان المستعمرات، أو عصفت بملايين المدنيين من ضحايا القصف الجوي إبان الحرب العالمية الثانية. برغم كل ذلك التاريخ الدموي، فإن أخلاق الفروسية لم تغب قط، هذه الأخلاق تمنع الفارس من إغماد سيفه في صدر محارب سقط سيفه. فما بالك إذا غرزه في صدر إنسان أعزل؟ هذه الأخلاق كُرست فيما بعد بإتفاقيات دولية تُلزم حماية المدنيين، وتقديم الغذاء والدواء وإنقاذ الجرحى ولو كانوا من ألد الخصوم.

إن جريمة سيبرينيتسا وإعدام البوسنيين العُزّل على يد ميليشيات صربية، أصابت أوروبا بالذعر وأيقظت ذكريات أليمة ومقززة، فكان لزاما علينا إستخدام القوة وجلب القتلة أمام المحاكم.. للأسف إن حكومتكم إعتمدت عنفا دمويا مفرطا في قمع مواطنيها يفوق بمرات ما إستخدمه نظام بريتوريا ضد الأفارقة السود، وهذا يثير الإشمئزاز لدى ساستنا، إن الوعود التي قدمها وزيركم “المعلم” مدعاة للسخرية، فأية ديمقراطية تلك التي يقليها بزيت الدبابات؟

العقاب الجماعي وقطع الكهرباء والماء والإتصالات عن المناطق المُستباحة عسكريا ومنع الميديا من مواكبة الأحداث؟ يفضح أكذوبة ال “جماعات مسلحة” إلا إذا كانت (الجماعات المسلحة) تعمل بالكهرباء وتُبرّد بالماء؟

لقد شاهدنا أفلاما مروّعة ومهينة لكرامة الإنسان. لذا فإن نظامكم الذي منحنا إنطباعا خادعا بالمدنية، وكونه ضمانة للتعايش في الشرق الأوسط. يعيدنا إلى عهود منسيّة من التوحش. عليه أظن أنه أصبح عبئا على الضمير العالمي، وتغييره بات هماً أخلاقيا قبل أن يكون سياسيا. د. فيرنر 10اغسطس 2011]
لم أجبه لحد الآن. ما أزال أفكر، فالكتابة لأوروبي ذي ثقافة ارستقراطية مسيحية، عملية مزعجة ومُربكة، وتحتاج مُدققا لغويا!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This