إنها حياة واحدة فقط: هنا والآن / زينب عسّاف

في مقالي السابق تحدّثت عن «أزهار شرّ» بودلير مطوّلاً محاولةً استذكار مرحلةٍ احتلّت فيها الثقافة الفرنسية ركناً رئيسياً في قائمة اهتماماتي الثقافية. ما دفعني إلى نقدٍ ذاتي وتفكيرٍ حول تبعية نقّاد ومثقفي الشرق الأوسط للنمط الثقافي الأوروبي مجدداً. وهذا مفهوم ومبرّر إلى حدّ ما حين نعيش في عالم شكّلت الثورة الصناعية فيه مفصلاً لتكوين ملامح قرون وقرون قادمة: غلبة الفكر الغربي في العصر الحديث واضحة لشعوب العالم المتصالحة أو غير المتصالحة مع نفسها، لكن الأمر لن يستمّر كذلك طويلاً.

اليوم وفي حمَّى التطرّف التي ينزلق إليها العالم العربي يعود السؤال بإلحاحٍ أكثر: لماذا لم ننجح في خلق حاضنة ثقافية للثورات القائمة حالياً؟ لماذا سُرقت هذه الثورات – إذا كانت قد سُرقت – كما ندّعي؟ وفي فورة محاكمة الشعوب على جهلها، لا بد من محاكمة النخبة على تكاسلها أو عمالتها… أعود هنا إلى ما قاله الراحل إدوارد سعيد عن الاستشراق، عن تلك الصورة التي رسمتها المخيلة الاستعمارية، «الصورة التي هي خارج التاريخ»، صورة الشرق غير القابل للتقدّم أبداً، للأسف هذه الصورة تسرّبت إلى ثقافاتنا الهجينة ولوّثت رؤية ما تبقى من مثقفين لم يستطع البترودولار شراءهم. نحن لم نصنع دولاً لأننا سوداويون جداً. وها هي ثقافة الندب تسقط أخيراً أمام هذا الجيل الذي سيكتشف عاجلاً أم آجلاً هدف الحياة الأكثر إلحاحاً، ذاك الذي صاغه الدستور الأميركي بسذاجة شعرية: ملاحقة السعادة. لا بد أن تدرك أجيال الربيع العربي أنها حياة واحدة فقط: هنا والآن.

***

حمَّى الدراما: هذا اسم أحد مواقع الدراما التي تحظى بشعبية لدى الجيل الشاب في الولايات المتحدة. ثمة شيء ما يتغيّر في المزاج العام. شبَّان كثر يقبلون على تعلُّم اللغات الآسيوية من أجل مستقبلٍ أفضل: اليابانية والصينية والكورية. أيضاً، زيجات مختلطة كثيرة مع آسيويين باتت شائعة. حان وقت الشرق الأقصى، ليس فقط اقتصادياً بل ثقافياً أيضاً. هؤلاء البشر ليسوا حقاً متشابهين، وتلك الثقافات مذهلة بالفعل. مذهلة لأنها تشبهنا: تشبه قضايانا وآلامنا وأحلامنا وإن عبّرت عنها بغاتٍ أخرى. ما يُفرِّقنا أنها ثقافات فخورة غير مصابة بعقد النقص ونحن ما عدنا نعرف من نحن. هو الكائن البشري المتشابه جداً والمختلف جداً. عربياً، ما يجمعنا بتلك الثقافات أكثر من هولاكو ماضياً واستيراد سلعنا كلها حاضراً وأكثر من قصائد الهايكو: ثمة خطّ عميق يمتدّ بين شعوب هذه القارة الشاسعة. آسيا نموذجاً لعالمٍ جديد؟ وما المانع من طعمٍ شيّق في مطبخ الثقافة العالمية؟

***

في المرض تُحبس داخل جسدك. يختفي العالم خارجاً وتعرّفك الخلايا والدم والعظم إلى حدودك. تُذكِّر الكائن المُتعِب الذي فوق أنه فقط طابق علويّ للهلوسة. يخونك ما ظننته طيّعاً، تستعيد الطبيعة عناصرها، وتتركك معلّقاً في اللامكان، في تلك المساحة غير المؤكدة بين الوعي واللاوعي.

في المرض لا شيء يتحرّك سوى معدةٍ تحاول رمي ما فيها عبثاً، ورأس يبحث عن توازنٍ مفقود، وعضلات تتعرَّض لضربات مطرقةٍ مجهولة. المرض موت صغير يقصُر أو يطول. تخاف أن تغفو فيه خوفاً من ألا تعود وأحياناً تريد فقط أن تذهب. لكن المرض أيضاً تذكير بالعافية، بكل السعادات الصغيرة الممكنة والأماكن التي تنتظرك حين تكون مسيطراً على كيلوغراماتك الفانية.

***

وأنا أيضاً لا أعرف من أنا، لكن ما أهمية ذلك؟ المربّع اللاصق الذي كتبوا عليه اسمي لم يلتصق تماماً بجبيني. البلد الصغير الذي أتيت منه يمّحي قليلاً قليلاً. أشياء كثيرة تتلاشى كقطارٍ يمضي وأنا أشرب الشاي في المكتب الذي دخلته شمس الشتاء على حين غرّة وأفكّر: ثمة أزهارٌ صغيرة تتفتّح في مكان ما.

«الغاوون»، العدد 54، 1 شباط 2013

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق