إنه الخريف / عزت القمحاوي

كانت سيارة أجرة تعبر الجسر. خلف مقود السيارة الأجرة التي تعبر الجسر جلس سائق ينظر إلى الأفق الرمادي حوله. فكر سائق السيارة الأجرة: ‘إنه الخريف’!

منذ ثلاثة عقود يقطع هذه الشوارع وهذا الجسر تحديداً، وينظر إلى الأفق من خلف هذا المقود. كان يعرف الخريف بلسعة برد خفيفة تداعب زغب ذراعية الأسود فيحس بقشعريرة لذيذة. لكن الأفق لم يكن يتحول في مثل هذه الساعة من مثل تلك الأيام إلى الرمادي. كان بعض السحاب الأبيض يتجمع في سماء زرقاء تحت الشمس البرتقالية الكبيرة القريبة السارحة جهة الغرب. منذ أكثر من عقد صار زغب ذراعية أبيض، وصار الجسر أسود والأفق رمادياً. لم تغادر هذه المدينة موقعها الجنوبي إلى الشمال حتى تحصل على خريف رمادي، لكنها اتخذت هذا اللون الجديد من الدخان. لا يعرفون لهذا الدخان سبباً. البعض يقول إنه بسبب حرق المزارعين لقش الأرز الذي ينضج محصوله هذه الأيام، والفلاحون في القرى المطوقة للمدينة يأخذون الحبة ويشعلون النار في القش. البعض يقول إن الفلاحين يزرعون الأرز ويحرقون القش منذ الأسلاف الموغلين في القدم، وأن دخان قمامة المدينة الشرهة يعلق فوقها بسبب اختلاف في توازنات الضغط الجوي في هذا الوقت بالذات. البعض يقول لا هذا ولا ذاك. هو محض سواد الأيام.

نظر إلى الراكب السارح بجواره، أراد أن يقول له عبارة من تلك التي بلا معنى، ويكسر بها الغرباء صمت الغربة بينهم. فكر أن يقول له: ‘إنه الخريف’. اختلس سائق السيارة الأجرة نظرة أخرى إلى الراكب السارح بجواره. كان على وشك أن يقول له: ‘إنه الخريف’ لكنه تراجع. كان يفعل ذلك منذ ثلاثة عقود، لكنه كف عن ذلك لأن الاحتفاظ بالغموض يمنحه قوة تفاوضية أكبر حول السعر في نهاية الرحلة. لو قال للراكب عبارة من قبيل: إنه الخريف أو إنه الشتاء يعني أنه يتودد إليه بعبارة ليس لها معنى. وسيفهم الراكب أنه يتودد إليه بعبارة ليست لها معنى، وعندما تنتهي الرحلة سينتظر حتى يغادر السيارة، ويلقي إليه من موقع القوة نصف ما يستحق من أجر على هذه الرحلة التي قطعتها السيارة العجوز زحفاً. السيارة العجوز ليست ضعيفة، لكنها تزحف لأن سيارات أخرى تزحف أمامها وحولها.

فكر: ‘إنه الخريف’ ولكن الراكب يعرف ذلك، وسيكون من السخف أن يقول له شيئاً كهذا، شيئاً تبدو منه إشارة ضعف، سيفهم الراكب منها أنه يعتذر بطريقة ملتوية عن رائحة الدخان داخل السيارة.

‘علي أن أعترف أن دخان الاحتراق في سيارتي القديمة يزيد من كثافة دخان الشارع. والراكب لا بد يشعر بهذا، وسيعتبرني أحايله لكي يدفع كما لو كانت السيارة جديدة تماماً’ فكر السائق وقال: ‘رغم الحر الخانق هو يعرف أنه الخريف’.

صار الجو خانقاً في السيارة الأجرة التي توقف زحفها فوق الجسر. فكر ‘إنه الصيف يراوغ’ أعجبته العبارة. نظر إلى الراكب نافد الصبر بجواره. فكر للحظة أن يقول له: ‘إنه الصيف يراوغ’ وقبل أن ينطق اكتشف أن العبارة بلا معنى. وأنه لو قالها سيظن الراكب أنه يحاول أن يستميله. لا بد أنه يعرف أن الصيف يراوغ ليستمر طوال العام. وأن الفصول الأخرى تنسى زيارة هذه المدينة إلا ببعض المظاهر التي تشبه الخريف والشتاء والربيع، لكنها ليست هي. هذا الرمادي هو لون الأيام لا الجو. القضية محسومة وليست مجالاً للمماحكة مع راكب عليه أن يدفع في نهاية الرحلة بما يتناسب مع هذا الزحام. سيارتي ليست ضعيفة، ولا خربة، لكن المدينة صارت جحيماً منذ سنوات طويلة. زمجر بنفاد صبر ليعطي الراكب المتحفظ إشارة ضيق، عليه أن يراعيها، عندما يغادر السيارة ويصبح طليقاً في الشارع، يلقي إليه بالأجرة التي يحددها من الشباك.

***

كانت سيارة أجرة تعبر الجسر. في المقعد الأمامي من السيارة الأجرة التي تعبر الجسر جلس راكب. طوى الراكب الجريدة التي لم يعد بوسعه مطالعة سطورها. نظر إلى الأفق الرمادي حوله. فكر راكب السيارة الأجرة: ‘إنه الخريف’!

منذ ثلاثة عقود يقطع هذه الشوارع وهذا الجسر، ويقرأ هذه الصحيفة وينظر إلى الأفق. كان يعرف الخريف بلسعة برد خفيفة تداعب زغب ذراعية الأسود فيحس بقشعريرة لذيذة. كان بعض السحاب الأبيض يتجمع في سماء زرقاء. وكانت عناوين الجريدة تعد دائماً بأشياء سعيدة لا تتحقق. لكن الأفق لم يكن يتحول إلى الرمادي في أي فصل من فصول السنة. منذ أكثر من عقد صار زغب ذراعية أبيض، وصار الجسر أسود والأفق رمادياً وصارت عناوين الصحيفة تنفي أشياء حزينة تتحقق. لم تغادر هذه المدينة موقعها الجنوبي إلى الشمال حتى تحصل على خريف رمادي، لكنها اتخذت هذا اللون الجديد من الدخان ومن التغيير في عناوين الجريدة. فكر أن المدينة هي المدينة، لا شيء تغير. هو محض سواد الأيام.

نظر إلى السائق السارح بجواره، أراد أن يقول له عبارة من تلك التي بلا معنى، ويكسر بها الغرباء صمت الغربة بينهم. فكر أن يسب القواد الذي تصدرت صورته الصفحة الأولى، لكنه دائماً كان في الموضع ذاته، منذ كان متهماً في قضية قوادة إلى أن صار مرموقاً إلى هذا الحد. لكنه فكر أن السائق سيعتبرها إشارة تودد منه. كأنه يريد أن يقول له: أنا مثلك، أنتمي إليك وليس إليهم. وأن ذلك لن يكون حلواً. سيظن السائق الذي تعلم الارتياب أنه ضعيف ويحاول أن يستعطفه حتى يكون رحيماً به عندما تنتهي الرحلة ويتساومان على الأجرة. فكر أن يقول له إن الرجل الذي ألهمته صورته كل هذا اليأس لن يموت، ولن يتبقى منه شيء، سيتبخر مع الدخان الأسود. ‘لقد رأيته. لم يعد يزن أكثر من أربعين كيلوغراماً، لا تتناسب أبداً مع جلجلة صوته عندما يدلي بالبيانات، وأنهم حتى يسندون فراغ إليتيه وفقرات أسفل عموده الفقري بمؤخرة صناعية يضعونها له قبل أن يخرج من مكتبه إلى غرفة الاجتماعات’ فكر الراكب، لكنه تراجع حتى لا يتصور السائق أنه منهم، وأنه يخيفه بالتلميح بمعرفة الرجل الضئيل من هذا القرب. فكر أن يكتفي بعبارة عامة لا تعني شيئاً: ‘إنه الخريف’.

اختلس راكب السيارة الأجرة نظرة إلى السائق السارح بجواره. وكان على وشك أن ينفذ خطته ويقول له: ‘إنه الخريف’ لكنه تراجع. كان يفعل ذلك منذ ثلاثة عقود، لكنه كف عن ذلك لأن الاحتفاظ بالغموض يمنحه قوة تفاوضية أكبر حول السعر في نهاية الرحلة. لو قال للسائق عبارة من قبيل: إنه الخريف أو إنه الشتاء يعني أنه يتودد إليه بعبارة ليس لها معنى. وسيفهم السائق أنه يتودد إليه بعبارة ليس لها معنى، وعندما تنتهي الرحلة لن يدعه يغادر السيارة، ويطلب، من موقع القوة، ضعف ما يستحق من أجر على هذه الرحلة التي قطعتها السيارة العجوز زحفاً. السيارة العجوز ليست ضعيفة، لكنها قذرة وصوتها عال ورائحتها ليست جيدة، وليس من العدل أن يدفع له كما لو كانت جديدة.

فكر: ‘إنه الخريف’ والسائق يعرف ذلك، وسيكون من السخف أن يقول له شيئاً كهذا، شيئاً تبدو منه إشارة ضعف، سيتصور الراكب أنه يعتذر بطريقة ملتوية عن رحلة في طريق مزدحم قاده إليها، وعليه أن يدفع ما يعوضه عن التأخير.

‘علي أن أعترف أن دخان الاحتراق في سيارته يخنقني. والسائق لا بد يشعر بهذا، وألا يطلب كما لو كانت السيارة جديدة تماماً’ فكر الراكب وقال: ‘رغم كل شيء هو يعرف أنه الخريف’.

صار الجو خانقاً في السيارة الأجرة التي توقف زحفها فوق الجسر. فكر ‘إنه الصيف يراوغ’ أعجبته العبارة. نظر إلى السائق نافد الصبر بجواره. فكر للحظة أن يقول له: ‘إنه الصيف يراوغ’ وقبل أن ينطق اكتشف أن العبارة بلا معنى. وأنه لو قالها سيظن السائق أنه يحاول أن يستميله. لا بد أنه يعرف أن الصيف يراوغ ليستمر طوال العام. وأن الفصول الأخرى تنسى زيارة هذه المدينة إلا ببعض المظاهر التي تشبه الخريف والشتاء والربيع، لكنها ليست هي. هذا الرمادي هو لون الأيام لا السماء. القضية محسومة وليست مجالاً للمماحكة مع سائق عليه أن يطلب في نهاية الرحلة ما يتناسب مع حال سيارته. سيارته ليست ضعيفة، ولا خربة، لكن المدينة صارت جحيماً منذ سنوات طويلة. زمجر بنفاد صبر ليعطي السائق المتحفظ إشارة ضيق.

نظر كلاهما في عيني الآخر، ثم إلى الأفق. كان واضحاً لكليهما أنه الخريف.

عن جريدة القدس العربي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق