إنّ الله معنا؟؟؟


ربّما تكون جملة النّبي محمّد لأبي بكر في غار ثور وقد لحق بهما فرسان قريش وكانوا قاب قوسين أو أدنى من الإمساك بهما: “لا تحزن إنّ الله معنا” الجملة الافتتاحيّة التي بشّرت بقرار إلهي حاسم ينهي مرحلة بيانات الشّجب والإدانة والحثّ على الصّبر، ويدشّن حقبة “التدخّل الخارجي” في الرّقعة الجغرافيّة التي ستدين بالإسلام.

التدخّل في واقعة الغار كان “تدخلاً ناعمًا” على هيئة عنكبوت صغير نسج شبكته، وحمامة عشّشت على مدخل الغار فظنّ القوم أنّه خالٍ، وارتباك فرس واحد من صيّادي الجوائز الذي كان يسعى وراء محمّد وصديقه، أمّا التدخّلات الخارجيّة اللاحقة فكانت أكثر غلاظة وأشدّ وطأة. صار الاصطفاف الإلهي تكوينًا بنيويًا في أيّ خطب ينشأ بين المسلمين وبين الكفّار أو المشركين. في غزوة أحد التي هزم فيها المسلمون رغم أنّ موازين القوى، نظرًا لاحتكارهم المدى العمودي، يفترض أن تكون لصالحهم، كان ثمّة دفقات من العون الذي قنّن الهزيمة، إذ روى الشّيخان من حديث سعد – رضي الله عنه – قال: “رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه، -عليهما ثياب بيض- أشدِّ القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد”.

 

كذلك الأمر في غزوة الخندق إذ أرسل الله الرّيح العاتية التي قلبت قدور المشركين، وأمدّ المسلمين بجند من عنده. ينسحب ذلك الدّعم الذي يتنوّع ما بين لوجستي (تكثير الطعام) واستراتيجي (بشرى فتح فارس) على غالب الإشكالات المسلّحة التي خاضها المسلمون الأوائل، ويخوضها اليوم ورثتهم، إذ روى، على سبيل الذّكر لا الحصر، منتمون لحركة المقاومة الإسلاميّة حماس بعد انتهاء هجمة “الرّصاص المصبوب” التي شنّتها إسرائيل على غزّة عام 2008/2009 أن مقاتلين بثياب بيضاء كانوا يقاتلون إلى جانبهم، وصرّح حسن نصرالله، الأمين العام لحزب الله، بعد انتهاء حرب تمّوز بما يفيد أنّ النّصر كان “إلهيًّا” بكلّ المقاييس، وليس من باب الصّدفة أن تبدأ كل بيانات تبنّي العمليات المقاومة التي تنفّذها حركات إسلامية بالآية: وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى.

 

تظلّ خيارات الإله وتحالفاته العسكريّة جليّة واضحة لعموم المسلمين، موسومة باليقين الذي لا يعيبه شكّ حتّى تطلّ “الفتنة” التي انتهت بمقتل الخليفة عثمان بن عفّان برأسها في العام الخامس والثلاثين للهجرة. الفتنة التي تعتبر “مفتاح كل الصّراعات السياسيّة والاقتصاديّة في المجتمع الاسلامي” تعيد توزيع الأوراق، وتدقّ مسمارًا في نعش الحسابات البسيطة. يهزم عليّ بن أبي طالب ومن معه طلحةَ والزبيرَ وعائشةَ في موقعة “الجمل” فيبدو للسّواد الأعظم أنّ الله قد اختار ابن عمّ رسول الله، وفاتح حصن خيبر، كحليف جديد، غير أنّ تطورات لاحقة تبيّن خلاف ذلك.


معاوية بن ابي سفيان الذي احتفظ بنفسه وبجنده في حالة حياد استمرّت طيلة فترة الحنق على عثمان، حتى قُتل، وفي الاحتدام المسلّح بين علي وطلحة والزبير وعائشة، يخرج بعد انتصار عليّ مطالبًا بالثأر للخليفة المقتول وقد ضمن أنّه سيواجه قوّة واحدة هي قوّة الإمام علي ومن معه. يشير عمرو بن العاص على أحد قادة الجيش الأموي وقد رجحت الكفّة لعليّ وجيشه بتعليق المصاحف على رؤوس السّيوف والرّماح ومطالبة الجميع بالاحتكام “لشرع الله”. يقبل عليّ ذلك التّحكيم احترامًا للقرآن ورغبة في حقن الدّماء فينسلخ عنه جزء غير يسير من قوّاته الذين سيعرفون بالخوارج، ويصنفونه ومعاويةً في خانة واحدة، ويسمّون أنفسهم بالجماعة المؤمنة، ويدّعون، كنتيجة لذلك، أنّ “الله” بالضرورة معهم. المحصّلة: صار الله مع غير طرف من أطراف الصّراع، وانتهى إلى غير رجعة زمن الوضوح.

 

يَسهل فهم الحاجة إلى الدّين، وإلى الله، عندما يكون المؤمن في حالة دفاع أمام هول الكون، وبؤس الواقع، مجرّدًا من الطمأنينة، عاريًا في مواجهة عدوّ صريح. يقول ماركس في “نقد فلسفة الحقّ عند هيغل”: “إنّ التّعاسة الدينيّة هي، في شطرٍ منها، تعبيرٌ عن التّعاسة الواقعيّة؛ وهي، من جهةٍ أخرى، احتجاجٌ على التّعاسة الواقعيّة. الدّين زفرةُ الإنسان المسحوق، روحُ عالمٍ لا قلبَ له؛ كما أنّه روحُ الظروف الاجتماعيّة التي طُرد منها الرّوح. إنّه أفيون الشّعب”. يتجاوز الدّين علّته الدفاعيّة إذ يدخل في حسابات موازين القوى والتوازنات العسكريّة؛ ويكتسي صبغة هجوميّة. غيّرت الإدارة الأمريكيّة في أوج مواجهتها مع “الشيوعيّة الكافرة” الشّعار المطبوع على العملة النقديّة الخضراء إلى ” In God We Trust ” للتّدليل على وجود الله في المعسكر الغربيّ، جنبًا إلى جنب مع الرّؤوس النوويّة والطائرات والأساطيل البحريّة ووكالات التجسّس والعملاء السريين.

 

مدعّمًا بيقين وشجاعة يتعارضان مع أبسط أساسات المعرفة التي تقوم، حسبما يرى القاضي عبد الجبار ومعه أغلب المعتزلة، على الخوف والشّك؛ الخوف من الوقوع في الخطإ باعتباره أساسًا نفسيًا، والشّك بالنتائج واحتمالها انفصالها عن الواقع باعتباره أساسًا معرفيًا، يعتبر المسلم المعاصر اليوم اللهَ حليفًا، بل وقائدًا للمعركة، تتمّ الاستعاضة عنه في حالات الاكتظاظ المطلبي بتعاليم النبيّ محمّد؛ الجنرال الأكبر. تتجلّى عبثيّة ذلك اليقين، وتتّضح أبعاده الضّاربة في السّخريّة، إذا ما تمّ بثّه على بساط تعدّد الطّوائف: الله مع إيران، لكنّه أيضًا مع السّعودية.

 

الله مع حزب الله، لكنّه أيضًا مع تيّار المستقبل والجماعة الاسلاميّة. ورغم أنّ الشواهد القديمة والحديثة تدلل، بلا استثناء، على أنّ “النصر” حليف الجهة الأكثر حفاظًا على التّماسك الأخلاقي، والأكثر رغبة في الظفر، حسبما يشرح المنظّر العسكري الرّوسي كلاوسفيتش، إلّا أنّ هذا العبث يستمر. حتّى التّساؤل المنطقي الذي يمكن صياغته على الشّكل التّالي: لو كان الله “معنا”، لماذا لم ننتصر؟ تتمّ مجابته بألعوبة عَقَديّة يدلل عليها بحديث النّبي “إعقلها وتوكّل”.

 

تعبّر شريحة كبيرة من ثوّار سوريا عن يقينها بالنّصر من خلال المجال المقدّس، وتتشكّل ردّة الفعل إزاء إجحاف العالم بأسره لثورة السّوريين الحقّة من خلال استجلاب “التدخّل الخارجي” العمودي/المقدّس ليملأ الفراغ. يبدو شعار “يا الله ما النا غيرك يا الله” الأكثر تدليلاً على ذلك. لا يرى كاتب هذا المقال ضرورة سلب السّوريين هذه “الزّفرة”، ما دامت متمركزة في حيّز الدّفاع، وتدعيم أساسا الثّبوت السّيكولوجي، عبر استهلاك “أفيون” حلال. يدقّ ناقوس الخطر عندما يتمّ استدعاء الله، الذي هو “معنا”، إلى ساحات الوغى. ربّما يخفّف الله، أيّها الثّائر السّوري، من أوجاعك النفسيّة. ربّما يستطيع، أو تستطيع الطريق إليه، أن تهدِّئ من روعك، لكن عليك أن تعلم أنّ براميل الـTNT، وبنادق الـAK-47، وطائرات الـ MIG-29، كلّها من صنع البشر، وتتمّ مواجهتها -بالضّرورة- عبر أدوات البشر، ولك، إن ساورك الشكّ الذي يُفضّل أن يساورك، أن تقرأ عن كربلاء، وتتذكّر فيتنام، وتسأل الفلسطينيين.

 


 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق