إن رحلت

 
 إن رَحَلتْ

إن رحلتْ، 
فلن يباركني المكان،
سأترك أغراضي وعلى عادتي معلّقةً،
سأترك الأشياء على حالها.
سيأتي صاحب البيتِ
ليلقي بذاكرتي على رصيفِ اليومْ،
سيعتني المتسوّلون بها،
وقد أجد معطفي على كتفٍ غريبْ.
وربّما قد أقرأ التّاريخ الذي صغته يوماً،
مدوّناً على حائط المبكى 
ووقع تحتهُ المسيحْ.
وربّما أنام مرّةً أخرى على فراشي ذاتهِ 
في مواخير إحدى القرى البعيدة.
و لربّما أرى على لوحة الإعلانِ صورتي القديمةَ المنمّشة. 
***
إن رحَلتْ،
سأغيّر صنعتي،
سأغيّر وجهتي،
سَأُعبّر أقلَ عمّا أريد.
وربّما أرتدي مرّة أخرى من سوق البضائع المستعملة
سترة جنديٍّ كان صاحبي،
أو أخرى لعازفٍ مشهور تركها بعد حفلٍ صاخب على كرسيّ البار،
فباعها النّادل لما تأخّر المشهور.
وربّما لن أعود ثانيةً إلى هنا.
وليس ربّما، بل أكيد 
من قال أن التّاريخ يعيد نفسه يا أغبياء؟
التّاريخ دُونَ قبلنا، 
ولكنّنا نحن العبيد.
أفلس البشر المثاليُ فكرّر عُهرهُ 
فالزّمان مستمرٌ، 
والمكان مستمرٌ،
وأنتم الثّابت الوحيد.
***
إن رحلتْ 
سألفّ أصابعي المتورّمة بباقة البابونج الدافئ وأمضي،
سأسجّل زمرة دمي على كتفي 
وأسميَّ الثلاثي منقوصاً كلّ النقاط…
سأذهب شمالاً كما أوصتني جدّتي، 
قالت إنّ الشّمال باردٌ، وأنا الآن محتاجٌ للصّقيع…
سوف أخطو مرّتين على ذات البلاطة،
سأحني للرّيح قامتي النّحيلة ،
سأهبُ الرّصاصَ المارقَ قدمي اليمينَ 
وأمشي دون وعي للرّصاصِ وللرّمادِ على فمي.
سأمشي مرّتين بذات السّاق الشمالْ.
***
إن رحلتْ.
سيغسل النّهر ما عليَّ من أثرٍ،
فالنّهرُ أقدر على مسح الجروح منّي
هكذا قال المسجى في الأقبية…
هكذا كلّمني النّسر مرّةً 
وهكذا قال السيّدُ للخادمة.
***
إن رحلتْ.
 لا شيء سيعلّمني المسافات إلّا درّاجتي المسروقةَ 
ونبل الطّريق…
* بيروت الكئيبة كما دمشق في أيار عام 2010
16-10-2012

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق