إيران: خطأ أول في مسيرة طويلة / نجم والي

يوم الأحد الماضي شهدت العاصمة الإيرانية طهران ومعها المدينة الشيعية المقدسة قم أكبر التظاهرات التي نظمتها حركة المعارضة الإيرانية «الحركة الخضراء». وكالات الأنباء العالمية تحدثت عن قرابة المليون متظاهر من النساء والرجال الذين خرجوا للشوارع يهتفون بسقوط النظام الديكتاتوري في إيران، رغم رد الفعل العنيف من قبل قوات الشرطة الحكومية، التي أطلقت النار على المتظاهرين. بعض المراقبين الأجانب، خصوصاً من الديبلوماسيين القادمين من أوروبا الشرقية العاملين في طهران قارنوا ما يجري فيها بما جرى في الأيام الأخيرة قبل سقوط الأنظمة الشيوعية الديكتاتورية في أوروبا الشرقية، خصوصاً سقوط الديكتاتور الروماني شاوشيسكو والألماني الشرقي أريش هونيكر. فيما يلي ننقل عن الألمانية وبتصرف تحليلاً ظهر في الصحافة الألمانية للمفكر الكاتب الإيراني بهروز خوسروزادة، الذي يعيش في منفاه بمدينة غوتينغين الألمانية.

«الموت للديكتاتور»، «خامئيني قاتل، سلطته غير شرعية»، تلك هي الهتافات التي رددها المتظاهرون ضد المرشد الديني الإيراني في قم وطهران بمناسبة وفاة آية الله العظمى حسين علي منتظري. في يوم الأحد الماضي شهدت طهران أكبر المسيرات الإحتجاجية حتى الآن أثناء تأدية طقوس عاشوراء الشيعية في العاصمة وفي مدن إيرانية أخرى. في طهران أطلقت القوات الحكومية النار على المتظاهرين، الأمر الذي تسبب بسقوط عدد كبير من القتلى (من بينهم أبن أخ قائد المعارضة مير حسين موسوي)، ناهيك عن الجرحى.

حتى أسابيع قليلة ماضية كانت الجماهير (بسبب نتائج الإنتخابات المتنازع عليها والتي جرت في يونيو/حزيران الماضي)، تخرج إلى الشوارع تتظاهر محتجة رافعة شعار «ماذا حدث لصوتي الإنتخابي؟». تحول الشعارات تلك هو دليل على الخطأ الإستراتيجي الفاحش الذي ارتكبته الحكومة الملتفة حول أية الله خامئيني والرئيس أحمدي نجاد، ذاك لأن هؤلاء اعتقدوا بأنهم سيكونون، وفي فترة قصيرة سادة الموقف يستطيعون السيطرة على مسار الإحتجاجات.

منتظري أشهر رجال الدين الذين انتقدوا الحكومة علناً وفي مناسبات عديدة، والذي كان يوماً على شفا أن يحل خليفة لآية الله خميني، توفى في صباح 20 كانون الأول الماضي. قبل أيام قليلة من وفاته كان منتظري قد صرح بان مطالب الإيرانيين بدأت الآن بالذهاب أبعد من مبدأ إلغاء الإنتخابات الأخيرة. في نهاية الثمانينات، وبسبب نقده للإعدامات التي حدثت للمعارضين السياسيين وبأمر من آية الله خميني، أُستبعد منتظري من منصب الوريث لخميني. لكن علينا ألا ننسى، بأن تحدي منتظري لقائد الثورة الإيرانية (خميني)، مع علمه بأن ذلك سيكلفه التنازل عن العرش، بالرغم من معرفته في حينه، بأن خميني لن يعمر طويلاً، حوله إلى نموذج لا يسير على خطاه كل أولئك الذين لم يترددوا بنقد السلطة وحسب بل نموذج يحتذي به عدد كبير من الإيرانيين، كما حدث لاحقاً. عن طريق إستقالته أنقذ منتظري آلاف المحكومين بالإعدام من موتهم المحقق، وذلك عندما إستطاع فرض لجنة قادها بنفسه، تفحص الأحكام الصادرة بحق المتهمين.

موت منتظري ـ الذي أعلن قبل وفاته بيومين بأن خامنئي ليس معصوماً عن الخطأ أبداً ـ منح الحركة الخضراء بالتأكيد طاقة جديدة. أنها إنتفاضة شعب يملك ثقافة عمرها 3000 سنة، ثقافة ذات خلفية حضارية، شعب خضع للذل على مدى 30 عاماً عبر وصاية مطلقة، شعب ُسرقت حياته بطرق مختلفة، من التخويف والتهديد الدائم بالإعتقال إلى الموت المحقق المتربص بكل من يعارض.

في مراسيم دفن آية الله منتظري أثبتت الحركة الخضراء نفسها عن طريق تحشيدها قرابة المليون متظاهر خرجوا في قم يهتفون بإسمها في ذلك اليوم. رد الفعل العنيف الذي إختارته السلطة الإيرانية بين كيف أن زعماء السلطة في طهران إختاورا ضرب المعارضة بعنف حتى النهاية، ليتمموا عملياتهم الإجرامية. الجرائم التي إرتكبوها في السنوات الثلاثين الأخيرة عديدة، لدرجة أن من الصعب على المرء أن يسامحهم. أن حجم العنف المنطلق نحو الخارج والداخل والخديعة التي تمارسها السلطات، كل ذلك يشير بشكل واضح إلى خوف رجال الدولة، بأنهم إذا كانوا أنقذوا جلدهم بعد تزوير الإنتخابات بشكل مؤقت، فإن الأمر الآن وصل بهم إلى طريق مسدود: وهذا ما جعلهم يلجأون إلى هذا العنف الوحشي، لأن من المستحيل عليهم هذه المرة إنقاذ جلدهم بطريقة أخرى!

خامئني وأحمد نجادي بينوا بأنهما لا يزالان قارئين متعلمين للفيلسوف الفرنسي أليكس توكفيل، الذي كتب في عام 1856: «التجربة تعلم، بأن أكثر اللحظات خطورة لحكومة سيئة، هي اللحظات التي تبدأ فيها بالإصلاح. فقط عبقرية إستثنائية تستطيع إنقاذ ذلك الإقطاعي الذي يخطط لجعل حياة رعيته أكثر رغدا بعد ظلم طويل». وهو خوف السلطات الإيرانية هذه ما جعلها تقف دائماً ضد الإصلاحات، لأنها تعرف سلفاً النهاية التي ستتهي إليها؛ وإذا كانوا سينجون بجلدهم هذه المرة، ذلك ما يظل في علم الغيب!. عندما أمرت القيادة الإيرانية بتنحية السياسي الإصلاحي ميرحسين موسوي من منصب رئاسة أكاديمية الفنون الإيرانية في الأسبوع الماضي، صرح عضو البرلمان المحافظ سيد أبوطالب: «لقد خسر السادة (أحمدي نجاد & وجماعته) اللعبة منذ زمن ويريدون الآن إعدام ثقافة البلد ايضاً».

في مراسيم دفن منتظري جاء عدد كبير من الطبقة الوسطى الإيرانية من مختلف أنحاء البلاد لزيارة المدينة الشيعية المقدسة قم. أغلبهم لم يكونوا من زوار الجوامع التقليديين. هذا يعني، أن الحركة الخضراء وصلت إلى مختلف طبقات المجتمع. عدد من المراجع الدينية الكبرى الذين فضلوا الصمت حتى الآن، رغم شهرتهم بأنهم من أكثر نقاد الحكومة، كانوا شهود عيان على الإحترام الملفت للنظر الذي منحه الشعب الإيراني لمنتظري، وهو ما سيشجعهم في الأغلب على كسر صمتهم. مراجع دين مؤثرون، مثل رافسنجاني وآية الله ساناي (الذي كان المدعى العام في زمن خميني) وآخرين، إختاروا الوقوف إلى جانب المتظاهرين منذ شهور. «الإيرانيون مسلمون ومؤمنون بالله. إذا أرادوا منا البقاء والحكم سنبقى. إذا لم يرغبوا بذلك، علينا التنحي»، صرح رافسنجاني بوضوح قبل ايام. من يسأل الدبلوماسيين الغربيين العاملين في طهران الآن، ستبقى الجواب السريع، بأنهم لا يشكون لحظة بقوة الحركة الخضراء من أجل إحداث التغيير في إيران، طبعاً سيؤثر ذلك التغيير على المنطقة كلها. الدبلوماسيون من أوروبا الشرقية العاملون في طهران على وجه الخصوص، يستحضرون في الحركة الجماهيرية التي يرونها تندفع في الشوارع اشباح الأيام الأخيرة من حكم الديكتاتور الروماني شاوسيسكو والألماني الشرقي أريش هونيكير.

نتائج ذلك ستظهر في وقت قريب وبأشكال مختلفة. فبسبب الأزمة الداخلية من الممكن أن يغير أحمدي نجاد وصفته للقنبلة الذرية. على أية حال وزير الخارجية الإيراني منوشهير متقي أطلق إشارات في هذا الإتجاه. المطلوب من الحكومات الغربية هو ممارسة دبلوماسية ذكية. عليهم ان يعرفوا، بأن أي إتفاق مع إيران لا يأخذ المطالب الشرعية للمتظاهرين هناك بعين الإعتبار، سخرج منه منتصر واحد: أحمدي نجاد. فضلاً عن ذلك، أن أي تشديد للحصار على إيران، أو ممارسة أية ضربة عسكرية ضدها، سيقود فقط، إلى تأجيج المشاعر القومية وسيساعد الحكومة على ضرب المعارضة.

على الغرب أن يكون واضحاً ومقنعاً، إذا كان يريد الوقوف إلى جانب الحركة الخضراء. أمر مثل هذا يفوق في أهميته أي إتفاق نووي مع حكومة ميتة. كل مؤتمر عالمي يجب أن يكون على أولويات أجندته موضوع إيران. وليس أخيراً على إدارة أوباما أن تستيقظ من موقعها الدفاعي: فهي حتى الآن لم تستطع تقديم حلول مبدعة لإشكالية إيران. علينا ألا ننسى، ما حدث قبل أكثر من 30 عاماً عندما كانت الإدارة الأميركية غير حازمة في سياستها إزاء إيران. في ذلك الوقت عجل الرئيس الأميركي «الملتبس» جيمي كارتر وبشكل حازم بتثبيت دولة الملالي. الديموقراطيون مدينون للإيرانيين بالتكفير عن خطئهم.

وحدهم الفرنسيون أثبتوا بأنهم الرائدون في موقفهم. فبينما فضلت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركيل، الصمت في ما يخص موقفها من إيران، أطلقت فرنسا عن طريق وزير خارجيتها بيرنار كوشنير رسالة واضحة: «لن نترك الإيرانيين لوحدهم!». وهو على حق. إنتفاضة الحركة الخضراء في إيران هي أكثر التطورات بعثاً للآمال في الشرق الأوسط منذ عقود. أن تحولاً ديموقراطياً في إيران سيحمل تأثيراً في عموم المنطقة لن يكون اقل من سقوط جدار برلين بالنسبة لأوروبا!

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق