إيران: عواقب حرب – بول روجرز

بول روجرز هو أستاذ دراسات السلام في جامعة برادفورد ومستشار الأمن العالمي لمجموعة أكسفورد للأبحاث، وقد عمل في حقل الأمن الدولي ومراقبة التسلح والعنف السياسي لأكثر من عشرين عاماً. يحاضر في الجامعات وكليات الدفاع في عدة بلدان. وتتضمن أعماله عشرين كتاباً وأكثر من مائة بحث. أما كتابه الأخير، «العراق والحرب على الإرهاب: اثنا عشر شهراً من التمرد»، فقد نشر في تشرين ثاني/نوفمبر 2005. وهو معلق دوري على قضايا الأمن العالمي في وسائل الإعلام الدولية والمحلية. وهو يتناول في هذه الدراسة العواقب المحتملة لحرب تخاض ضد إيران… وهي دراسة تبقى راهنة، رغم صدورها منذ أشهر.

***
{{موجز تنفيذي}}

سيهدف هجوم جوي تشنه القوات الأمريكية أو الإسرائيلية إلى إعاقة برنامج إيران النووي لخمس سنوات على الأقل. أما شنّ هجوم بري لتصفية النظام فهو أمر غير عملي، نظرا للتعهدات الأمريكية في العراق وأفغانستان التي تمنع مجرد المحاولة.

يتضمن الهجوم الجوي تدميراً منظماً لمراكز البحث والتطوير والدعم والتدريب المتعلقة بالبرامج النووي والصاروخي وقتل أكبر عدد من التقنيين. أيضا، يقضي هذا الهجوم الذي سيكون أكبر من أي تصعيد إسرائيلي، بتدمير شامل لقدرات إيران الدفاعية الجوية وهجمات مصممة لمنع ردود إيران الانتقامية. وقد يشمل ذلك تدمير مركز الحرس الثوري القريب من العراق والقوات البحرية النظامية أو غير النظامية التي بوسعها عرقلة طرق نقل نفط الخليج.

ورغم أن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية ستسبّب أضراراً بالغة ببرنامجي إيران النووي والصاروخي، فسيكون لدى إيران وسائل للرد في سياق الشهور أو السنوات القادمة، تتضمن عرقلة إنتاج وتصدير نفط الخليج، بالرغم من محاولات الولايات المتحدة منع تقديم الدعم المنظم للمتمردين في العراق وتشجيع الشركاء في جنوب لبنان على شن هجمات على إسرائيل. إذ ستنشأ في إيران وحدة وطنية كبيرة في مواجهة أي عمل عسكري أمريكي أو إسرائيلي، بما في ذلك إحياء الحرس الثوري.

قد يكون أحد الردود الرئيسة التصميم على إعادة بناء البرنامج النووي وتطويره سريعاً إلى قدرة عسكرية نووية. ويترافق ذلك مع الانسحاب من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، مما يستدعي هجمات إضافية. على هذا، لن تكون العملية العسكرية ضد إيران مسألةً قصيرة الأمد، بل ستتخذ شكل مواجهة معقدة طويلة الأمد، مما يتطلّب تجنبا حازما للعمل العسكري وتطوير استراتيجيات بديلة.

{{مقدمة}}

في تشرين الثاني/نوفمبر 2002، وقبل أربعة أشهر من بدء حرب العراق، نشرت مجموعة أكسفورد للبحوث تقريراً عنوانه، العراق: عواقب الحرب(1). بحث هذا التقرير في النتائج المحتملة لعمل عسكري يستهدف إنهاء نظام صدام حسين، وخلص إلى نتيجتين: اوّلهما أنّ إنهاء النظام كان مناسباً بالتأكيد، لكنّ احتلال قوات التحالف للعراق سيزيد من تأييد العناصر المتطرفة في المنطقة ويحرّض أيضاً على التمرد. وثانيهما أن لدى الولايات المتحدة ما يكفي من القوات لضمان تدمير النظام، لكن ينبغي على النظام البديل – سواء تمثّل بقوات الاحتلال أو بصنيعتها، وحتى لو لم تؤدّ الحرب إلى دمارٍ هائل – أن يتوقع تصاعد المعارضة الإقليمية لتواجد الولايات المتحدة، ومن المحتمل على نحو خاص أن يتزايد تأييد منظمات كالقاعدة وأن يتم تأكيد ما يعاكس هدف السلام والأمن في المنطقة، كما يمكن أيضا أن تتطوّر حركة شبه عسكرية من داخل العراق. وفي حين توجد أدلة وافرة على عدم شعبية نظام صدام حسين، فمن الوارد جداً أن تؤدي المعارضة الداخلية للاحتلال الأمريكي والنظام العميل المعيّن لاحقاً إلى بروز تمردٍ ناشئ، إذ لا تتساوى المعارضة الداخلية للنظام الحالي مع قبول الاحتلال الأجنبي مستقبلاً.

بدت الحرب مع العراق أثناء كتابة التقرير مرجحة. خلافاً لذلك، تبدو الحرب مع إيران في الوقت الحاضر على أرضية طموحات مفترضة للتزود بأسلحة نووية، أقل احتمالاً، ولو أن ذلك قد يتغير. فإيجاد حل للخلافات العميقة بين واشنطن وطهران بوسائل دبلوماسية لا يزال ممكناً، لكنه احتمال يقلّ تدريجياً. وطالما تتواصل المصاعب الرئيسية وربما تشتد، فسيزداد احتمال القيام بعمل عسكري أمريكي أو إسرائيلي. لذلك، وحتى في هذه المرحلة، سيكون ملائماً تحليل نوع العمل العسكري الذي سيُنفَّذ وما يترتب عليه من آثار ونتائج. ففي حال وجود حجج صحيحة حول أن العمل العسكري قد يؤدي إلى عواقب وخيمة تكون ربما أسوأ من المشكلات القائمة الآن في العراق، فإن مثل هذه النتيجة تشير ضمناً إلى أن الملحّ والأساسي هو التشديد على حلول بديلة.

يفترض هذا البحث أن أي عمل عسكري تقوم به الولايات المتحدة أو إسرائيل يهدف لإلحاق ضرر بالغ ببرنامجي إيران للتجهيزات النووية والصواريخ متوسطة المدى، بينما يسعى، في حالة الولايات المتحدة، إلى منع رد إيراني مؤذٍ، ولا يضع في الاعتبار قيام الولايات المتحدة بعمل يستهدف إنهاء النظام الحالي في طهران. وهذا يتطلب نشر قوات برية لا يقل تعدادها عن ألف جندي، سواء أكانت قوات أمريكية أم قوات تحالف مع دول أخرى. في الوقت الراهن، لا تملك الولايات المتحدة مثل هذه القدرة الاحتياطية نظراً لحاجتها الماسة للإبقاء على أكثر من 150 ألف جندي في العراق، و30 ألف في دول غرب الخليج، وحوالي 18 ألف في أفغانستان. فما من دولة أخرى بوسعها تأمين هذه الأعداد من الجنود وتأمين الدعم عن بُعد لعملية بهذا المستوى. لذلك، لا يتعرّض هذا التقرير لعمل عسكري يستهدف إنهاء النظام.

{{السياق الأمريكي}}

على الرغم من المصاعب الرئيسة المتزايدة التي تواجه العمليات العسكرية الأمريكية في العراق، فلا تزال دوائر المحافظين الجدد في واشنطن تعاني من شعور مهيمن بأن إيران كانت ولا تزال، تشكل تهديداً لمصالح الولايات المتحدة إقليمياً وعالمياً، أكثر مما كان يفعل العراق. فقبل بدء حرب آذار/ مارس 2003، كان الرأي الشائع هو التالي: «إن نجحنا في العراق، فليس هنالك ما نخشاه من إيران». بكلمات أخرى، إن أثبتت القوة العسكرية أن بوسعها إنهاء نظام صدام حسين بسهولة واستبداله بحكومة عميلة مستقرة تدعمها قواعد عسكرية أمريكية دائمة، فستخضع إيران لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة بأقل قدر من الإزعاج. لكن حقيقة عدم النجاح في العراق ووجود إمكانية كبيرة لتأثير إيران في العراق، كانا وراء قرار إسقاط نظام صدام حسين.

إن تصور إيران بوصفها تشكل تهديداً رئيساً لمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يتأتى جزئياً من النتائج بعيدة المدى لرؤية نظام الشاه الاستبدادي الآمن والموالي للولايات المتحدة وهو يسقط بسهولة في غضون أسابيع في العام 1979. تم النظر إلى نظام الشاه بوصفه حامياً لمصالح الولايات المتحدة في الخليج ومتراساً في وجه التدخل السوفيتي، وتبع انهيار النظام المفاجئ العجز المؤلم للولايات المتحدة أثناء أزمة الرهائن والعداوة المريرة التي أظهرتها الجمهورية الإسلامية بقيادة آية الله الخميني، ما جعل من إيران عائقاً مباشراً ودائماً أمام المصالح الإقليمية للولايات المتحدة.

تم التركيز، ولا يزال، على منطقة الخليج حيث توجد أضخم احتياطات النفط، في وقت أخذ اعتماد الولايات المتحدة على النفط المستورد يتزايد. وإذ كان عامل النفط هاماً في بداية التسعينات، فقد أضحى شديد الأهمية بعد خمسة عشر عاماً مع تزايد اعتماد الولايات المتحدة على النفط المستورد سنة بعد سنة، ووجود الصين في موقع مشابه، مما يضفي على المنطقة أهمية جيوسياسية فائقة في السنوات الثلاثين القادمة أو أكثر.

في مثل هذه الظروف، من غير المقبول إطلاقاً للولايات المتحدة السماح لدولة «مارقة» مثل إيران بامتلاك قدرة نووية، حتى إن كان ذلك في المدى البعيد. إذ سيحدّ مثل هذا «العائق» من خيارات الولايات المتحدة في المنطقة إلى حد بعيد، وسيشكل تهديداً لحليفها الأقرب. وفي حين لا تعارض واشنطن تصلب الخيارات الدبلوماسية لضمان عدم انزلاق إيران في بناء بنية تحتية نووية رئيسية، فإن عليها الاعتراف في حال فشل تلك الخيارات، بأن تدمير البنية التحتية للأسلحة النووية المشتبه بها وتسهيلاتها المرافقة هو أمر وارد في مرحلة ما.

{{العامل الإسرائيلي}}

حافظت إسرائيل على قدرة نووية منذ نهاية الستينات، ويعتقد بأنها تملك حوالي مائتي رأس نووي محمول أساساً على الطائرات أو بقذائف أرض- أرض. ولربما كانت تطوِّر أيضاً رؤوساً محمولة على صواريخ كروز تطلق من الغواصات. تنظر إسرائيل لكونها الدولة الوحيدة التي تملك قدرة نووية في المنطقة على أنه ضمانة أساسية لأمنها. وقد اعتبرت حكومات إسرائيل المتعاقبة منذ الثورة الإيرانية في نهاية السبعينات، أن إيران تشكل تهديداً إقليمياً بعيد المدى لها.

دمرت وحدات من القوى الجوية الإسرائيلية مفاعل تموز النووي التجريبي العراقي قرب بغداد في العام 1981، قاطعةً الطريق على احتمال استخدام البلوتونيوم في أسلحة نووية. كانت بغداد ضمن مدى الطائرات الإسرائيلية، بينما كانت المنشآت الإيرانية، حتى وقت قريب، على تخوم مدى سلاح الجو الإسرائيلي. وقد تغير الوضع الآن بعد استيراد النماذج بعيدة المدى من الطائرات الهجومية الأمريكية من طراز F-15 و F-16. هنالك 25 طائرة F-15 قيد الاستخدام حالياً، وتجهز إسرائيل قوةً قوامها 102 طائرة من طراز F-16 بدأت باستلامها في العام 2003 (2). تزود سلاح الجو الإسرائيلي أيضاً بـ 500 قنبلة خارقة للأعماق من الولايات المتحدة لاستخدامها ضد المنشآت تحت الأرضية. تشارك أيضاً وحدات عسكرية إسرائيلية في نطاق العمليات داخل العراق، لاسيما في مناطق الأكراد شمال شرقي البلاد حيث تقوم ضمن نشاطات أخرى، بتدريب قوات خاصة.

وبتعميم أوسع، فقد تعززت العلاقة الوثيقة عادة بين الجيش الأمريكي وقوات الدفاع الإسرائيلية (IDF) بصورة أكبر في العامين الماضيين، بفضل التجارب الأمريكية في العراق. فهنالك تبادل خبرات جوهري، لاسيما في مجال التدريب المشترك والعقيدة القيادية(3). وقد زودت شركات الأسلحة الإسرائيلية القوات المسلحة الأمريكية بتشكيلة واسعة من الأسلحة والمعدات الخاصة بمجابهة التمرد، تمّ تطوير معظمها على خلفية الخبرة الإسرائيلية في السيطرة على المناطق الفلسطينية المحتلة. ورغم أن وسائل الإعلام الغربية لم تغطّ هذه العلاقة عموماً، إلا أنها معروفة جداً في الشرق الأوسط وستساهم في افتراض أن أي هجوم تشنه إسرائيل على إيران سيكون بمعرفة وموافقة ومساندة الولايات المتحدة. وهو بالتأكيد حال أي هجوم جوي على إيران يتضمن الطيران في أجواء تسيطر عليها حالياً الولايات المتحدة.

ولأغراض هذا البحث، يفترض أنه في حال قامت القوات الإسرائيلية بعمليات تلحق أضراراً بالغة بمنشآت الأسلحة النووية الإيرانية، فستفعل ذلك بدعم ضمني من الولايات المتحدة، وباستخدام تسهيلات في شمال العراق إن اقتضت الحاجة. سيكون الهدف ببساطة تعطيل برنامج نووي لمدة خمس سنوات أو أكثر، وسيستهدف كذلك منشآت الصواريخ الإيرانية. لن يتعدى الأمر هذين الهدفين طالما تقتضي العملية الأمريكية فعل ذلك لأسباب سنناقشها لاحقاً.

إن الروابط الوثيقة بين إسرائيل والولايات المتحدة معروفة على نطاق أوسع في الشرق الأوسط منه في الولايات المتحدة أو أوروبا. نتيجة لذلك، فسينظر لأي عمل عسكري إسرائيلي ضد إيران بوصفه عملية مشتركة أساساً، تقوم بها إسرائيل نيابة عن الولايات المتحدة وبدعم مباشر من الأخيرة.

{{السياق الإيراني}}

يشمل السياق الإيراني تصور إيران لنفسها بوصفها إحدى القوى العالمية تاريخياً واعتقادها أن مستقبل التقنية المتطورة جزء أساسي من مكانتها العالمية، يقترن ذلك بشعور قوي بكونها منيعة في الوقت الراهن. وكما هو حال الصين، تتطلّع إيران إلى الوراء، إلى تاريخٍ بارزٍ عمره بضعة آلاف من السنين، وتعتقد أن العظمة ممكنة نظراً لمزيج موارد الوقود الهائلة والشعب الشاب والبلاد الشاسعة والمأهولة والموقع الجغرافي الذي يضعها في قلب منطقة هامة جداً.

وعلى الرغم من أن البيئة الاجتماعية – السياسية الإيرانية معقدة ومتغيرة إلى درجة كبيرة، فهنالك قناعة عامة بقيمة التقنية المتقدمة، وتصور للطاقة النووية بوصفها رمزاً للحداثة. وحين تواجَه بحجة أن البلد فاحش الغنى بالنفط والغاز الطبيعي ولا حاجة له بالطاقة النووية، يكون الرد الفوري أن خمس الطاقة الكهربائية للبلاد تولد من الطاقة الكهرمائية، وبحجة أن للنفط والغاز قيمة أثمن من استخدامهما لتوليد الكهرباء، وخاصة بوجود احتياطات طبيعية من خامات اليوارنيوم. أما من ناحية المواقف الرسمية، فمن الواضح أن صناع الرأي من كافة تنوعات الطيف السياسي والديني يعتقدون أن لإيران كل الحق في تطوير وقود نووي. وهنالك أيضاً رأي واسع الانتشار بأن من حق إيران تطوير أسلحة نووية لأن أمن البلاد يتطلب ذلك.

ورغم أن إيران انتهكت بعض مظاهر معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية في التسعينات فهي، وقت كتابة هذا البحث، تتقيد بشروط المعاهدة ويُسمَح لها بالتالي بتطوير برنامج طاقة نووية سلمي يتضمن تخصيب اليورانيوم، ويمكن أن تبقى ضمن شروط المعاهدة إلى حين اتخاذ قرار بتطوير أسلحة نووية. وفي هذه الحالة، تستطيع الانسحاب منها كما فعلت كوريا الشمالية. وباعتبار إيران عضواً في «محور الشر» وفق الرؤية الأمريكية، فلن تسمح لها الإدارة الحالية في واشنطن بفعل ذلك. من الممكن وحسب أن تقبل واشنطن فكرة تطوير برنامج نووي سلمي لا يتضمن تخصيب اليورانيوم المحلي، بل حتى هذا الأمر غير مؤكد.

حول مسألة التصورات الإيرانية عن الأمن، فعلى الرغم من وجود قناعة ذاتية كبيرة بقدرات إيران، هنالك أيضاً إحساس مؤكد بانعدام الأمان. رأت إيران في السنوات الأربع الأخيرة نظامين شرقي حدودها وغربيها، تسقطهما بعمل عسكري واسع النطاق قوةٌ عظمى ترى في إسقاط النظام الإيراني خياراً مرغوباً.

تحتفظ الولايات المتحدة بحوالي 150 ألف جندي غربي إيران وتبني قواعد عسكرية دائمة هناك. لديها انتشار كثيف في الكويت والبحرين وقطر، ويسيطر أسطولها الخامس على مياه الخليج الفارسي وبحر العرب، مشكّلا قوة ساحقة في مواجهة القوة البحرية الإيرانية المحدودة. وعلى حدودها الشرقية، ترى إيران الولايات المتحدة توطد وجودها في أفغانستان بقاعدتين دائمتين في باغرام قرب كابول وقندهار (انظر الملحق A). علاوة على ذلك، يتم توسيع قاعدة جديدة قرب هارات غرب أفغانستان قريباً من الحدود الإيرانية. وأخيراً، لدى الولايات المتحدة ارتباطات عسكرية وثيقة ومتطورة، وفي بعض الحالات تسهيلات إسنادية في بلدان تقع إلى شمال وشرق إيران، لاسيما تلك القريبة من حقول نفط بحر قزوين أو الأنابيب التي تنقل هذا النفط عبر البحر الأسود أو مرافئ البحر الأبيض المتوسط.

{{الظروف الراهنة في إيران}}

تجعل هذه العوامل الفرضية التالية معقولة؛ هنالك حافز قوي لدى إيران إما لتطوير أسلحة نووية أو لامتلاك القدرة على فعل ذلك في مهلة قصيرة حالما يوجب أمنها القومي اتخاذ مثل هذا القرار. على أية حال، لا يتساوى الحافز مع حتمية اتخاذ ذلك القرار. إلى جانب ذلك، البيئة السياسية الراهنة تزيد من تعقيد هذا السياق. فالإدارة الإصلاحية نسبياً للرئيس خاتمي أخفقت في تحقيق ما يكفي من الإصلاحات لإرضاء جيل من الشباب طموح ومحبط، ذلك جزئياً بسبب السلطة الدينية المحافظة التي بوسعها إعاقة العديد من المبادرات دون صعوباتٍ تذكر. فشلت حكومة خاتمي أيضاً في معالجة الانقسامات الاجتماعية – الاقتصادية العميقة، واقترن إخفاقها المزدوج بمنع السلطة الدينية للإصلاحيين من تأييد الحكومة. وكانت الخيارات محدودة في انتخابات العام 2005 لكل من المجلس والرئاسة. يعتقَد أنّ الانتخاب المفاجئ للسيد أحمدي نجاد بدعمٍ هائل من الحرس الثوري، قد حصل جزئياً لأنه تحدث باسم الفقراء.

كانت سياسات الرئيس نجاد منذ وصوله إلى السلطة خارج أي توقع تقريباً، إذ تضمنت هجمات علنية متشددة على إسرائيل، واستبدال المعتدلين والتكنوقراطيين في الوزارات الأساسية والبعثات الدبلوماسية، وإزاحة أولئك الذين خاضوا سابقاً المفاوضات مع لجنة الاتحاد الأوروبي الثلاثية حول القضايا النووية. ومن المرجح أن تؤدي هذه التوترات مجتمعة إلى مزيد من التوتر مع واشنطن. وليست لها بالضرورة شعبية لدى الطيف السياسي الإيراني الذي ربما يحتوي عناصر أساسية من السلطة الدينية القوية. من المحتمل أن تعاني إدارة أحمدي نجاد من مصاعب جدية تتعلق بالاستقرار، لكن ذلك قد يؤدي إلى سياسات متصلبة وتصعيد للأزمة مع الولايات المتحدة.

علاوةً على ذلك، فالظروف الراهنة في العراق المجاور ملائمة جداً للإدارة الحالية في طهران وغير ملائمة للولايات المتحدة. فالتقدم نحو تمثيل أوسع داخل العراق يعني مزيداً من القوة للشيعة، الذين تربط الكثيرين منهم صلات وثيقة بإيران. وبالرغم من مزاعم التأييد الإيراني لبعض الميليشيات الشيعية في العراق، فإن أدلة محدودة تشير إلى تورطٍ إيراني رسمي كبير، لكن إمكانيةً كتلك موجودة بالتأكيد.

أوردت المملكة المتحدة مزاعم محددة حول تورط إيران في نشر بعض تقنيات الأسلحة في العراق. لكن بالمقابل، إيران تلقي اللائمة على بريطانيا والولايات المتحدة لما تقدمانه من دعم للمنشقين، بل أنها تتهمهما بالتورط في بعض حوادث التفجير الأخيرة داخل إيران.

{{طبيعة العمل العسكري الأمريكي}}

هنالك سببان من وجهة النظر الأمريكية للقيام بعمل ضد منشآت إيران النووية. أوّلهما إلحاق أضرار بالغة بالبرنامج النووي تعيق محاولات إنتاج أسلحة نووية لخمس سنوات على الأقل، والأفضل لمدة أطول. لكن ثانيهما هو إظهار أن الولايات المتحدة بصدد القيام بعمل عسكري وقائي يتضمن اتخاذ إجراءات ضد أنشطة إيرانية أخرى غير مقبولة، ليس أقلها تدخل إيران في شؤون العراق.

المشكلة الرئيسية هي أن أي عمل عسكري سيشمل عملياً أكثر من سلسلة من الهجمات المحدودة المباشرة على المواقع النووية. فما إن تبدأ العملية، سيكون محالاً عملياً الإبقاء على أية علاقة مع إيران، عدا تلك المعتمدة على العنف.

بمعزل عن أي أمر آخر، تفترض الأدلة المتوفرة أن أي عمل عسكري سيكون له تأثير توحيدي داخل إيران، وسيدفع نطاقاً واسعاً من الرأي العام الديني والسياسي إلى الوقوف وراء الإدارة، مما يزيد من ركيزة قوتها واستقرارها. وحتى لو كان بوسع الإدارة الحالية توقع أن تكون في بؤرة الدعم، فإن أعضاء من السلطة الدينية المرتابة بالسيد أحمدي نجاد في الوقت الحاضر والمستاءة من نجاحه الانتخابي غير المتوقع، لن تقف في وجه توحيد إيران لمجابهة العمل العسكري الأمريكي.

ورغم وجود مشكلة رئيسة لدى الولايات المتحدة تتعلق بالتأثير المرهق على جيشها وسلاح بحريتها، فإن هجوماً على المنشآت الإيرانية النووية سيقوم به غالباً سلاح الجو والأسطول. ولتحقيق التأثير الأقصى، سيتم الأمر على نحو مفاجئ باستخدام القواعد الجوية الأمريكية في المنطقة للطائرات الهجومية بعيدة المدى العاملة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وقاعدة دييغو غارسيا والقوات البحرية الضاربة، ومن ضمنها طائرات القصف وصواريخ كروز ذات منصات الإطلاق البحرية.

تحتفظ البحرية الأمريكية، أياً كان الوضع، بمجموعة قتالية قوامها الأساسي حاملة طائرات في محطات في الخليج الفارسي أو قربه. تقوم مثل هذه المجموعات بالتجول، وهنالك فترات تتواجد فيها مجموعتان في المحطة التي تزود أكثر من 150 طائرة بعدة مئات من صواريخ كروز(4). وكذلك تستطيع عدة قواعد برية أن تحتشد خلال فترة وجيزة. ناهيك عن نطاق القواعد في المنطقة، فهنالك قاذفات من طراز B-1B وB-2 تستطيع العمل من خارج المنطقة، لاسيما وأن التسهيلات الخاصة التي تتطلبها عمليات القاذفة الشبحية B-2 متوفرة حالياً في القاعدة الجوية فيرفورد في غلوسيستر شاير(5).

سوف تتضمن الضربات الجوية على المرافق النووية تدميراً لمفاعل الأبحاث في طهران، إضافة لمنشأة إنتاج النظائر المشعة ومجموعة المختبرات المتصلة بالأبحاث النووية وشركة كالاي الكهربائية، وجميعها في طهران. كذلك، فإنّ مركز أصفهان للتقنية النووية هو هدفٌ رئيسي، إذ يتضمن سلسلة من المفاعلات التجريبية ومرافق تحويل اليورانيوم ومختبراً لتصنيع الوقود. وستستهدف كذلك مصانع التخصيب التجريبية الشاملة في ناتانز كما هو حال مرافق آراك (انظر الملحق 1) (6). وكذلك مفاعل بوشهر ذي استطاعة 100 ميغا واط الذي سينجز قريباً، على الرغم من أن ذلك قد يكون صعباً حالما يزود المفاعل بالوقود على نحو تام ويصبح خطراً في العام 2006. ما إن يحدث ذلك، فأي تدمير لهيكل محتواه سيؤدي لمشكلات خطيرة بتأثير النشاط الإشعاعي المنتشر، ليس فوق ساحل إيران على الخليج وحسب، بل على تخوم الخليج الغربية في الكويت والسعودية والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة. وكما هو حال التأثيرات البشرية المباشرة، ونظراً لاحتواء المنطقة على أكبر تجمع رئيسي عالمي لمرافق إنتاج النفط، فستكون العواقب وخيمة.(7)

ستحدث الهجمات البدائية على نحو متزامن تقريباً، بغرض قتل أكبر عدد ممكن من الكوادر المدربة تقنياً، وبالتالي إلحاق ضرر بالغ على المدى البعيد. سيكون ذلك جزءاً ضرورياً من أي عمل عسكري، ومن المحتمل أن يمتد إلى تدمير مختبرات الجامعات والمراكز التقنية التي تدعم مباشرة البنية التحتية النووية الإيرانية، تقنياً وعلمياً.

لا يعرف محتوى هذا الهجوم عموماً خارج دوائر التخطيط العسكري، ولو أنه المكون الأساسي للعملية. وبما أن الهدف هو تعطيل الإمكانية النووية الإيرانية لأطول زمن ممكن، فسيكون جوهر النجاح المضيّ أبعد من تدمير المنشآت التي يمكن استبدالها سريعاً. فقتل هؤلاء الخبراء التقنيين سيكون له تأثير مادي هائل على أية جهود لإعادة تطوير قدرات نووية. علاوة على ذلك، فمن المعروف أن تلك الخبرات تتضمن أجانب من جنسيات مختلفة، لذلك سيعمل قتل الذين يعملون في البلد على ردع آخرين من المشاركة في المستقبل.

بالرغم من أن إيران حدت من دفاعاتها وقوتها الجوية الصغيرة والمتخلفة، فسيكون إخماد الدفاع أحد المظاهر الرئيسية للعمل العسكري، وذلك للحد من مخاطر قتل أو أسر الطواقم الجوية في المقام الأول. يتضمن ذلك استهداف مواقع الرادارات ومراكز القيادة والتحكم، مثل قواعد القيادة الجوية الغربية في طهران وتبريز وهمدان وديزفول ويوميديه وشيراز وأصفهان، وكذلك قواعد القيادة الجوية الجنوبية في بوشهر وبندر عباس وشاه بهار(8). ما يقلق القوات الأمريكية خصوصاً، هو نشر إيران المستمر لخمس وأربعين طائرة أمريكية من طراز F-14A الاعتراضية أو أكثر، وأجهزة الرادار بعيدة المدى من طراز AWG9. وهنالك 79 طائرة تم الحصول عليها قبل سقوط الشاه وحوالي 30 طائرة جاهزة عملياتياً في كل الأوقات غير تلك المنتشرة.(9).

سوف يُستهدف كذلك برنامج الصورايخ البالستية الإيرانية متوسطة المدى في مواقع إنتاجها وتطويرها والأبحاث الخاصة بها، وأيضاً القواعد التي تُنشر فيها هذه الصورايخ الجوالة. المباغتة هنا ستكون أيضاً ضرورية.

استخدمت الولايات المتحدة طائرات الاستطلاع بدون طيار لوضع خارطة للمواقع الإيرانية. وبدمجها مع استطلاعات الأقمار الصناعية وتشكيلة المراقبة الإلكترونية، ستقدم معلومات مفصلة عن البنية التحتية النووية وعموم القوات الدفاعية.

تتضمن الهجمات التي وصفت حتى الآن عنصر المباغتة الهام في ما يتعلق بالبنية التحتية النووية الرئيسية ونظام الدفاع الجوي، مما يقتضي عملاً لا يستغرق أكثر من ساعات، حيث تقوم الطائرات الهجومية بأكثر من مائة غارة مدعومة بمئات من غارات إضافية تشنها طائرات الاستطلاع والتزويد بالوقود وإخماد الدفاعات، بمصاحبة مائتين أو أكثر من إطلاقات صواريخ كروز الموجهة.

يلي تقدير أضرار القصف مباشرة جولة جديدة على الأهداف الرئيسية في الأيام التالية، بالتوازي مع هجمات على الأهداف الثانوية. قد تمتد فترة النشاط العسكري المكثف بالنسبة للقوات الأمريكية لأربعة أو خمسة أيام، لكنها قد تتواصل لعدة أيام أخرى وفق الردود الإيرانية.

{{استباق الردود الإيرانية}}

إضافة للبرنامج الأساسي للضربات الجوية والهجمات الصاروخية على المنشآت الدفاعية والصاروخية والنووية الإيرانية، ستستهدف العمليات العسكرية الأمريكية أيضاً استباق أية ردود إيرانية فورية، أهمها فعل انتقامي محتمل لإعاقة نقل النفط والغاز الطبيعي السائل عبر مضيق هرمز. وبافتراض أن يتم ذلك بشكل ثأري واضح المعالم، فمن الضروري تدمير بطاريات الصواريخ الساحلية المضادة للسفن وقوة إيران الصغيرة من السفن الحربية. إن القاعدة الرئيسية وورش إصلاح السفن تقع في بوشهر. أما مقر العمليات، فيقع في بندر عباس، وهو أيضاً قاعدة أسطول إيراني صغير لغواصات من طراز كيلو روسية الصنع، على الرغم من أن شاه بهار هي القاعدة الجديدة المعدة لهذه المراكب. أما بقية قواعد القوات البحرية الخفيفة، فهي موجودة في جزيرة خرج في رأس الخليج وجزر أبو موسى الواقعة جنوب غرب مضيق هرمز، وهي حسنة التجهيز ومهيأة لدفاع مستميت.(10)

بالنسبة لسلاح البحرية الإيراني الصغير الذي عانى من خسائر فادحة في تعاطيه مع البحرية الأمريكية في نهاية «حرب الناقلات» في نيسان 1988، فمن المرجح أن يتم التركيز أساساً على القوات الخفيفة السريعة، بما فيها القوارب السريعة ذات الطواقم المستعدة للموت. قد يكون أولئك من قوات الحرس الثوري الإيراني الذين سيركزون جهودهم على مجابهة خطوط الناقلات أكثر من مهاجمة وحدات البحرية الأمريكية. إذن ستكون هنالك أولوية لمهاجمة القواعد العملياتية لتلك القوات.

سيوضع في الحسبان أيضاً انتقال عناصر من الحرس الثوري إلى أجزاء من العراق لتنضم إلى الميلشيات المتعاطفة مع إيران هناك. ولإظهار أن مثل هذه التحركات قد تحث على الانتقام، فمن المحتمل أن يستهدف العمل العسكري وحدات المشاة ذات القواعد المتقدمة لكلٍ من الحرس الثوري والجيش النظامي. غالباً ما ستكون القواعد العسكرية الإيرانية العديدة القريبة من الحدود العراقية في عبادان وخورمشهر والأهواز وديزفول وربما في مهاباد أهدافاً مرجحة، مثلها مثل مراكز الحرس الثوري الرئيسية. وستكون مواقع الدعم اللوجستي مستهدفة أيضاً، وقد يمتد الأمر لتدمير الجسور. ونظراً لطبيعة الحدود المتداخلة، فالعمل الأخير سيكون رمزياً.

{{الخسائر البشرية}}

من الصعوبة بمكان توقع مستوى الخسائر البشرية بين المدنيين والعسكريين الإيرانيين، لكن يمكن وضع تصورين. أوّلهما أن يكون الأمر كما حدث في العراق أثناء الأسابيع الثلاثة الأولى المركزة من الحرب حيث لم تكن التقارير المبكرة عن إصابات المدنيين كاملةً ولم تكن معرفة المدى الكامل للخسائر البشرية ممكنةً إلا بعد عدة أشهر. لكن وسائل الإعلام الإيرانية ستقوم بنشر أية تقارير تظهر عن الإصابات بين المدنيين على نطاق واسع، وستفعل ذلك أيضاً شبكات الإعلام التجارية مثل الجزيرة في أماكن أخرى من المنطقة. أما ثانيهما، فإنّ أي هجوم مباغت سيصيب كثيرين، عسكريين ومدنيين، من غير المنذرين أو المحميين، ولن تكون متاحة للناس فرصة إخلاء مناطق الأهداف المحتملة، مثلما كان الأمر ممكناً في الأيام والأسابيع التي سبقت غزو العراق.

من المتوقع أن تبلغ أعداد القتلى العسكريين في الموجة الأولى من الهجمات على إيران آلافاً، لاسيما في الهجمات على القواعد الجوية ومواقع الحرس الثوري. أما القتلى المدنيون، فيتوقع أن يبلغوا عدة مئات في الحد الأدنى، خاصة مع مطلب استهداف الدعم التقني للبنية التحتية النووية والصاروخية الإيرانية، وعدداً من المصانع الواقعة في المناطق الحضرية. أما إذا تطورت الحرب إلى نزاع أوسع يهدف لاستباق الردود الإيرانية المضادة، فستكون الإصابات في النهاية أعلى بكثير.

{{الردود الإيرانية}}

آخذين بالاعتبار الحجم الصغير والنوعية المتخلفة لسلاح الجو الإيراني ونظام دفاعها الجوي، فلن يكون بوسع إيران التصدي المباشر للهجوم الأمريكي المذكور أعلاه. علاوة على ذلك، فالعمل الأمريكي مصمَّم لتدمير أية قدرة محدودة متوفرة.

إن العمل الأمريكي لاستباق الردود الإيرانية الواضحة، مثل إعاقة مرور الناقلات عبر مضيق هرمز أو نقل عناصر من الحرس الثوري إلى الأراضي العراقية، قد يعني وجود مؤشرات ظاهرة مباشرة على نجاح الجيش الأمريكي بتحقيق أضرار بالغة لكلٍّ من إمكانية تطوير أسلحة نووية مفترضة لدى إيران ومواجهة الردود الإيرانية المباشرة. وقد ينقلب الأمر، فيكون مشابهاً للنجاحات الأمريكية المضللة المبكرة التي تلت إسقاط النظام في الأسابيع الثلاثة الأولى من بدء الحرب على العراق في آذار/مارس 2003. يتوفر لدى إيران في الحقيقة عدة خيارات للرد، حتى لو لم تكن ذات تأثير فوري.

–إعادة تطوير البرنامج النووي: حتى لو تدمرت البنية التحتية النووية لإيران في أي هجوم، فالرد الفوري سيتجلى في إعادة تأسيس بنية تحتية جديدة والعمل سريعاً وعلى نحو سري، على بناء قدرة تسلح نووية صرفة. ومن المرجح أن يتضمن ذلك تقديم إخطار رسمي بالانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، متبوعاً بإعادة بناء البنية التحتية النووية فوريا، وتطويرها على أفضل نحوٍ يضمن لها البقاء. وربما يتضمن ذلك فصل الأنظمة وتفريق الأبحاث وتطوير وإنتاج القدرات واستخدام منشآت تحت أرضية في المستقبل ما أمكن ذلك.

علاوة على ذلك، فالعديد من عناصر الفصل قد بنيت مؤخراً في برنامج إيران النووي السلمي الحالي، وقد تكون الولايات المتحدة غافلةً عن بعضها. إن كان الأمر كذلك، فسيكون مساعداً على إعادة بناء تلك القدرات. وعلى نحوٍ أكثر تعميماً، سيختفي أي أمل بمفاوضات تبعد إيران عن برنامج التسلح النووي المشكوك فيه في السنوات التي ستعقب الهجوم، مما يقوّض جهود منع انتشار الأسلحة النووية على سطح الكوكب. بدلاً من العيش مع إيران ذات قدرة إنتاج أسلحة نووية، سيتكفل العمل الأمريكي حتماً بوجود إيران مسلحة نووياً وعلى نحو علني في العقود القادمة أو، بدل ذلك، بمزيدٍ من الأعمال العسكرية.

–حزب الله: من المرجح أن تقوم إيران بتشجيع حزب الله على القيام بمزيد من العمليات العسكرية في جنوب لبنان. ونظراً لامتلاك حزب الله لأعداد ضخمة من صواريخ أرض – أرض ذات مدى يكفي لبلوغ حيفا وباقي المراكز السكانية في شمال إسرائيل، فينبغي توقع رد إسرائيلي فعال، يضيف عنصراً جديداً إلى أجواء الأزمة. صحيح أن حزب الله يمر حالياً بفترة من التحول السياسي الأساسي، منتقلاً بمزيد من الثبات إلى الميدانين السياسي والاجتماعي، مما يجعل من أي عمل عسكري رئيس ضد إسرائيل ارتداداً إلى أنماط سابقة، لكن ذلك سيكون متوقعاً مع ذلك، نظراً لمدى التأييد الشعبي المحتمل لإيران تجاه أي عمل عسكري أمريكي ضدها.

إن أي تحرك من حزب الله سيؤدي إلى ردود عسكرية إسرائيلية كبيرة، سوف تتضمن في الحد الأدنى ضربات جوية وقصفاً مدفعياً وصاروخياً وبحرياً. وقد تتوسع إلى اشتباكات حدودية بمشاركة قوات المشاة والوحدات المدرعة.

–مضيق هرمز: بما أن الهدف الرئيسي لأي عمل عسكري أمريكي هو إحباط التدخل الإيراني في صادرات نفط الخليج، فينبغي أن يكون كلي التأثير على القدرات الإيرانية. سيكون تحقيق ذلك صعباً، إن لم يكن مستحيلاً، ويؤدي إلى خوفٍ من هجوم سيكون له بمفرده تأثير هائل على أسواق النفط.

–منشآت النفط الواقعة غرب الخليج: إضافة إلى ذلك، فقد تتمكن الوحدات شبه العسكرية المرتبطة بإيران من تطوير قدرة على تخريب منشآت تصدير النفط في الدول الواقعة غرب الخليج مثل الكويت والسعودية والإمارات العربية المتحدة. يتوجب من دون شك الإبقاء على مستويات عاليةٍ للأمن في تلك الدول، ومع ذلك، فستكون مراقبة مجموعات شبه عسكرية مصمِّمة أمراً بالغ الصعوبة. بل إن حادثة تخريبية أو اثنتين ستصعد التوتر وتؤثر على أسواق النفط.

–الحرس الثوري: يبقى الحرس الثوري المكوِّن القوي، إن لم يكن الأساسي، في منظومة الدفاع الإيرانية. فحتى لو دُمّرت مواقعه الموجودة على ساحل الخليج الفارسي وقرب الحدود العراقية في الموجات المبكرة من الهجمات الأمريكية، فهنالك قاعدة رئيسية لدعم الحرس تجد تعبيرها في رفع المعنويات الفوري، وهي القدرة الهائلة على حشد المتطوعين والتصميم على الرد. ورغم أن العمل العسكري الأمريكي ضد مواقع الحرس سيستهدف منع هذا الأخير من التدخل في العراق، فإن أثر ذلك لن يستمر طويلاً، وسيتم سريعاً تفعيل الصلات القديمة الموجودة بين وحدات الحرس والميلشيات الشيعية العراقية. ومثل هذا التورط الإيراني القابل للإثبات في التمرد العراقي سيؤدي إلى تصعيد ردِّ عسكري أمريكي يتضمن هجمات عبر الحدود تستهدف خطوط الإمداد الإيرانية، مما يزيد من الإصابات بين المدنيين ويسبب عرقلة الاقتصاد الإيراني ومزيداً من التأييد المحلي للنظام الحالي.

عموماً، ونظراً لطبيعة الحدود الإيرانية العراقية، فستكون إيران في موقع قوي لمساعدة عناصر التمرد العراقي بوسائل عديدة، وتزويدهم بتشكيلة واسعة من الأسلحة إضافة إلى الأفراد، مما سيعطي دفعاً كبيراً للتمرد ويبقيه فاعلاً حتى بعد ثلاث سنوات من إسقاط النظام القديم.

–التأييد الدولي: نظراً للاتفاقيات الاقتصادية الرئيسية بعيدة المدى بين إيران والصين وكذلك بين إيران والهند، إضافة للصلات الوثيقة مع روسيا، سيستدعي الهجوم الأمريكي انتقادات واسعة، من بينها انتقادات عضوين من أعضاء مجلس الأمن الخمسة، الصين وروسيا. قد تفضل الإدارة الروسية الحالية على نحو خاص تجنب عمل عسكري أمريكي، ولو أنها ستجد نفسها في موقف صعب حيال حلفائها المجاورين، إن لم تقم بإدانة حازمة لأي عمل عسكري أمريكي موجه ضد إيران، لاسيما إن تحول إلى نزاع طويل الأمد.

{{الردود الأوسع}}

تتصل العواقب الموصوفة أعلاه بالردود الفورية لإيران وشركائها في جنوب لبنان. لكن الأمر البالغ الصعوبة هو التنبؤ بتأثير المواجهة مع إيران على مواقف أو ردود فعل المجتمع الإسلامي الأوسع. وبالرغم من سوء علاقة إيران بحركة القاعدة والعالم العربي، فأي هجوم على مثل هذه الجمهورية الإسلامية البارزة سيعزز حتماً المزاج المناهض لأمريكا في المنطقة وخارجها، معطياً حافزاً عظيماً لحركةٍ أخذت تشكّل ظاهرة عالمية.

كان أحد أبرز التطورات في السنوات الأربع الماضية هو قدرة حركة القاعدة وشركائها على البقاء والازدهار في بيئة شديدة العدائية. فمنذ الحادي عشر من أيلول، عانت الحركة من فقدان العديد من قادتها الرئيسيين، سواء قتلوا أم اعتقلوا، وخسرت مناطق عملياتها الرئيسية في أفغانستان، وشهدت اعتقال أكثر من سبعين ألف شخص لمدة طويلة. ومع ذلك، فقد كان مستوى النشاط في السنوات الأربع الماضية أكبر فعلياً قياساً بالسنوات الأربع التي سبقت هجمات 11 أيلول.

كانت العلامة البارزة هي تطور العمليات الانتحارية. لم يكن انتشار هذه الظاهرة تاريخياً حكراً على المجموعات الإسلامية المتطرفة، لكنّ الحملات الفردية المتضمنة أعمالاً انتحارية كانت مقتصرةً على بؤرتها الجغرافية، مثل نمور التاميل في سريلانكا والانفصاليين الأكراد في تركيا ومؤيدي حزب الله في جنوب لبنان والمتطرفين الفلسطينيين في إسرائيل/ فلسطين، وكانت رداً مباشراً على الاحتلال والاضطهاد الملموس في منطقة محلية.

للمرة الأولى، على نطاق واسع على الأقل، تخطت التفجيرات الانتحارية الحدود القومية، وغالباً ما شارك بها أشخاص متعلمون تحفزوا للرد، ليس على ظروفهم الآنية المعروفة، بل على ظروف إخوتهم في الدين. ساعدهم على ذلك ازدياد هائل في معلوماتٍ وفرتها لهم الأقنية الفضائية الإخبارية والانترنيت والقدرة على السفر لمسافات بعيدة للشروع بأعمالهم.

إن كانت الولايات المتحدة تعد العدة لتوسيع عملياتها العسكرية الحالية في العراق وأفغانستان تجاه إيران، فينبغي لهذا النزوع أن يتوقع اندفاعاً كبيراً ونتائج يصعب التكهن بها. هنالك بالتأكيد مثال آخر على رد فعل قد يلحق أضراراً بالغة بالمصالح الأمنية الأمريكية في المنطقة وخارجها.

{{العمل العسكري الإسرائيلي}}

في حال التزمت إسرائيل بضرب المنشآت النووية الإيرانية نيابةً عن الولايات المتحدة، فسيتم الأمر على نطاق ضيق، ولو أنه أكبر بكثير من ضرب المفاعل النووي العراقي في العام 1981. ستركز الضربة الإسرائيلية على كل منشآت البحث والتطوير والدعم النووية، لاسيما الأشخاص، وعلى القوات الصاروخية الإيرانية ومواقع إنتاج الصورايخ وتطويرها. سيكون هنالك تركيز محدود على الحرس الثوري أو حماية منشآت النفط الخليجية.

من ناحية أخرى، ستنظر إيران إلى أي عمل إسرائيلي بوصفه ثمرة تعاون وثيق مع الولايات المتحدة، وسيكون ردها على الولايات المتحدة ومنشآت النفط الخليجية مشابهاً لردها في حال قامت الولايات المتحدة بنفسها بالعمليات العسكرية. بالمقابل، سيجر ذلك القوات المسلحة الأمريكية إلى مواجهةٍ ترد بها على تلك التحركات. ومثل هذا التصعيد سيكون في مصلحة إسرائيل التي تسعى لإضعاف قدرات إيران العسكرية الواسعة. هكذا، وفي حين تنوي إسرائيل إلحاق ضرر بالغ بالإمكانية النووية الإيرانية، فمن المحتمل أن تُقحم الولايات المتحدة في الصراع.

يمكن لرد الفعل الإيراني المباشر تجاه عمل عسكري إسرائيلي أن يتخذ شكل تشجيع حزب الله على التحرك ضد إسرائيل، ربما عبر هجمات صاروخية على أراضيها الشمالية. سيكون هذا أيضاً مفيداً لحكومة إسرائيل الحالية، أياً كانت طبيعتها، طالما لديها قوات عسكرية بوسعها القيام بعملٍ واسعٍ ضد حزب الله، خصوصاً بواسطة ضرباتٍ جوية على جنوب لبنان. ستستهدف هذه الضربات على نحوٍ خاص مخزونات الصواريخ الأبعد مدىً من طراز كاتيوشا والتي حصل عليها حزب الله مؤخراً.

وفي حين ستكون إسرائيل رابحةً على المدى القصير من توجيه ضربةٍ لإيران، فالعواقب على المدى البعيد ستكون أقل إيجابيةً بكثير. ستواجه إسرائيل، إضافةً للمشكلات التي ستسببها للولايات المتحدة في العراق، والتي ستؤدي إلى توترات بين إسرائيل وبين ألصق حلفائها، تصميماً إيرانياً على تطوير قدرةٍ نووية حربية في أقرب وقتٍ ممكن ضمن مناخٍ إقليمي تتعزز فيه مناهضة دولة إسرائيل.

خلاصة
سيكون أي هجوم عسكري أمريكي على البنية التحتية النووية لإيران بداية مواجهة عسكرية طويلة الأمد، يحتمل أن تتورط فيها العراق وإسرائيل ولبنان، إضافةً للولايات المتحدة وإيران، مع إمكانية تورط الدول الواقعة غربي الخليج أيضاً. وأي هجومٍ تشنه إسرائيل، وإن كان على نطاقٍ أصغر، سيتصاعد بالتأكيد إلى درجة توريط الولايات المتحدة، ويشير أيضاً إلى بداية نزاعٍ مديد.

أياً تكن الدولة التي ستقوم بهجومٍ يلحق ضرراً بالغاً بقدرة إيران النووية المتنامية، فإنّ ردوداً عديدةً ستجعل من احتمال نزاعٍ مديد وغير مستقر أمراً مؤكداً عملياً. علاوةً على ذلك، سيكون متوقعاً من إيران إعلان انسحابها من اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية والانشغال ببرنامج تسلّحٍ نووي في أسرع وقت ممكن. سيؤدي هذا إلى عملٍ عسكري آخر ضد إيران، خالقاً دورةً بالغة الخطورة من العنف.

كان من المتوقع أن يؤدي إسقاط نظام صدام حسين إلى خلق دولةٍ تابعةٍ تمتاز بحرية السوق. لكن يتولد بدلاً من ذلك نزاعٌ باهظ الكلفة وعميق الاضطراب، لا تلوح نهايته في الأفق. وعلى الرغم من وجوب توقّع نتائج وخيمة، فإنّ ذلك قد لا يمنع هجوماً أمريكياً أو إسرائيلياً. ما يخلص إليه هذا التحليل، أنّ الرد العسكري على الأزمة الحالية المتعلقة بإيران هو خيارٌ يتسم بالخطورة على نحوٍ خاص، ويتوجب نبذه. بالأحرى، يتوجب السعي وراء مقارباتٍ بديلة، أياً تكن المصاعب التي تعترضها.

{{الملاحظات والمراجع:}}

1- بول روجرز، العراق: عواقب حرب (أوكسفورد: مجموعة أوكسفورد للأبحاث، 2002)

2- التوازن العسكري 2005 / 2006 (لندن، المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، 2005)

3- بربارا أوبال – روم، «التماس أجوبة حضرية في إسرائيل»، (أخبار الدفاع، 14 حزيران/يونيو 2004)

4- تحمل حاملة الطائرات من طراز نيميتز 72 طائرة ثابتة الجناح و6 حوامات. من بينها 36 طائرة ضاربة من طراز F1A-18E سوبرهورنيت. تحتوي المجموعة القتالية للحاملة عادةً على مدمرتين وغواصة هجومية، وجميعها مزودة بمنصات إطلاق صواريخ كروز.

5- بسبب طبيعة سطوحها التي تمتص أشعة الرادار، فإنّ الطائرة B-2A تتطلب حظائر ذات تحكم خاص بالمناخ، لم تكن متوفرةً إلا في قاعدتها في الولايات المتحدة وقاعدة دييغو غارسيا الأمريكية الموجودة في الجزيرة المرجانية البريطانية الواقعة في المحيطة الهندي. وقد توفر ملجآن في القاعدة الجوية البريطانية في فيرفورد في وقتٍ مبكر من العام 2005. ونظراً لقدرات الطائرة، فكلتا القاعدتين ستكونان موقعين عملياتيين في أي هجوم متوقع على إيران.

6- فرانك برنابي، أنشطة إيران النووية (أوكسفورد: مجموعة أوكسفورد للأبحاث، 2005)

7- سيزداد الأمر خطورةً مع مرور الوقت، حين ينتج المفاعل كميات أكبر من النفايات المشعة.

8- مصدر المعلومات: www.globalsecurity.org

9- مايكل نايتس، «تبقى القوات التقليدية الإيرانية عامل الردع الأساسي في وجه التهديدات المحتملة» (نشرة جين الاستخباراتية، شباط/فبراير 2006).

10- نفس المرجع السابق.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق