إيران وإعادة كتابة الديمقراطية / غسان الشهابي

كان لسقوط سبعة من الإيرانيين في المظاهرات التي جرت يوم الاثنين الماضي مناصرة للمرشح الإصلاحي مير حسين موسوي، أثر بالغ السوء في تتويج الحالة التي تمر بها الجمهورية الإسلامية، منذ إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية التي فاز بها المحافظ محمود أحمدي نجاد. ولن تبدو عملية إعادة فرز الأصوات إلا كالنتيجة التي يتوصل إليها الاتحاد الدولي لكرة القدم (أو أي اتحاد محلي)، إذ يتلقى الشكاوى من الخاسرين، وينظر فيها، ويؤنب المخطئ، ولكنه، في الغالب بحسب علمي، لا يغيّر نتيجة أو يلغيها إلا في أوضاع بالغة التعقيد. وهو شبيه بالوضع الذي يمر به الموسوي اليوم، إذ إن فارق الأصوات بينه وبين الرئيس الفعلي يصل إلى النصف تقريباً، وهو الفرق الحسابي الذي يفصل الـ13 مليون صوت التي حصدها موسوي، في مقابل 24 مليون صوت ذهبت إلى نجاد، فأي فارق يمكن لإعادة الفرز أنه يقلصه؟! فالحديث هنا لا يدور على بضعة آلاف، ولا حتى في حدود المليون.

إلا أن الدويّ الذي أحدثه سقوط القتلى، والمواجهات العنيفة بين قوى الأمن والمتظاهرين المحتجين تسوق لنا الأمثلة مجدداً والتي سيكون، بمقتضاها، مخطئاً من يعتقد أنه بتغير الأنظمة يتغير الناس، إذ إن الأنظمة قد تؤثر في طريقة معيشتهم، ولكنها لا تحرف، أو تغير طريقة تفكيرهم. وما دام الاثنان يعيشان البيئة نفسها، ولأن الإنسان ابن بيئته؛ فليس له، أولاً وأخيراً، إلا أن يكون مخلصاً لها، وأن أي تغيير بفعل الطفرة، أو الاحتكاك، سيكون بطيئاً ومحدوداً للغاية.

إن ما كشفت عنه الانتخابات الإيرانية، سواء ما دار قبل الانتخابات أم في أثنائها أو بعدها، يشير إلى أن ذهاب نظام الشاه قبل 30 عاماً قد فك عن رقاب الناس القبضات الحديدية، التي كانت تخنق الكلام في حلوقهم قبل أن يصدر منهم حتى. ولكن هذا الانقلاب لا يعني بالضرورة تحسّن إيران في سجل حقوق الإنسان، والتعامل مع المتغيرات الدولية، ولا يعني تقدماً حتمياً في الأجهزة الأمنية وتعاطيها مع الأفراد والجماعات المحتجّة.. إذن، ما نقاط التشابه والتشابك والالتقاء بين السافاك الذي تأسس في العام 1957 برعاية أميركية صهيونية لقمع المعارضين لشاه إيران، ووضعهم تحت المراقبة، والباسيج، الذي صار يهوي بقوة على المضادّين لنتائج الانتخابات!

فما حصل قبيل الانتخابات من خروقات متعددة، منحت الرئيس الإيراني المعاد انتخابه محمود أحمدي نجاد، أفضليات متعددة، كالظهور على شاشات التلفزيون الرسمي أكثر من غيره من المنافسين، كما ادّعى خصومه، والشكاوى التي تقدم بها المنافسون كقطع الاتصالات على مراقبي سير التصويت من أنصار المعارضين والعاملين في معسكراتهم الانتخابية لمنعهم من الإبلاغ عن حالات الخروقات أو التنسيق فيما بينهم، مع الأخذ في الاعتبار كيدية البعض منها؛ تدل على التحليق في الأجواء نفسها التي تحلق فيها الانتخابات في الدول التي تسير نحو الديمقراطية، أو تلك التي تتوهم السير على الطريق نفسه من مناطق العالم الثالث.
فالفجر لا يزال الوقت الأنسب للمداهمة وإلقاء القبض على المعارضين، وإن كانت معارضتهم سلمية. وهو ما حدث للأكاديمي المعارض محمد رضا خاتمي، شقيق الرئيس الإيراني السابق، لموقفه المتحفظ من المحافظين، إذ كان خاتمي واحداً من عدد من السياسيين الذين انتزعوا من مخادعهم، ورُوِّع أهلوهم، فقط لأنهم معارضون في بلد «ديمقراطي»، أو أنهم يتشككون في نتائج الانتخابات، أو أن لهم رأياً يختلف عن رأي الحاكمين. وهؤلاء إن اقتيدوا إلى التحقيق معهم، فهم ولا شك أفضل حالاً من الذين سُحلوا في الشوارع على ذمة مراسل بي.بي.سي العربية في تقرير حي تم بثه مساء السبت، وكذلك الصور التي جرى توزيعها للضرب المبرّح الذي نال من قالوا إنهم غير راضين عما تمخضت عنه الانتخابات.

إلى جانب كل ما تقدم، فإن دفع وسائل الإعلام الخارجية لسرعة مغادرة البلاد بعيد الانتهاء من الانتخابات، ليست إلا واحدة من «الحركات» التي تقوم بها بقية الدول التي تخشى كشف ما يمور فيها، وذلك بحجة التصدي للاختراق والتجسس وغيرها من الحجج الواهية التي لا يتقبلها من خبر وعاش تجارب هذه الدول.

لقد بيّنت التغطية الإعلامية الغربية، والعربية أيضاً، موقفها من الانتخابات الإيرانية. ولم تخفِ وسائل الإعلام العالمية، بشكل عام، انحيازها لمرشح الإصلاحيين مير حسين موسوي، وتمنياتها له بالفوز على حساب نظيره نجاد، ولكن هذا لا يعني تشغيل أسطوانات المؤامرة وتشويه صورة «الثورة»، واعتبار أن ما حدث من رد فعل شعبي غاضب كان أمراً معزولاً وغير ذي بال.
فما يحدث في إيران ينعكس علينا مباشرة، وبشكل بالتأكيد أكثر تأثيراً من الانتخابات الأميركية ربما، والانتخابات الأخرى التي تجري في أقاصي الأرض، وبما يفوق كآبة المكتئبين، وردح الردّاحين لما تمخضت عنه الانتخابات اللبنانية الأخيرة، وكأن انتصار هذا أو انهزام ذاك، سيكون له الانعكاس الأوضح على ما يجري لدينا. وبالتالي، فإن التجربة الإيرانية لها أكثر من حضور على الساحة الخليجية، وأكثر من شكل من أشكال التأثير، ليس على المستوى السياسي الذي نتعاطى مع خطابه الدبلوماسي أحياناً، ولا فقط في حذرنا من شرارات احتكاكه بالغرب في المسألة النووية، ولا ما يتناثر من أفواه بعض مسؤوليه في المطالبة بهذا البلد في الخليج، أو الإبقاء على احتلال الجزر الإماراتية الثلاث؛ بل يتعدى ذلك أيضاً في مفاهيم المجتمع الديمقراطي وتقبله للاختلاف وسعة صدره في احتواء المعارضين وإفساح المجال لهم من أجل الحركة وإعادة بناء الصفوف.

إن هذا التحدي لا يواجه إيران النظام، ولا إيران الشارع، ولكنه يواجهنا أينما ولينا وجوهنا الشرقية السحنات. يبدأ من أصغر مؤسساتنا، إلى أعلاها وأكبرها، خصوصاً إن لبست الديمقراطية رداء، واتخذت من المركزية والفاشية محوراً لإدارة نظامها وتعاطيها مع من لا يطأطئون رؤوسهم لها.

عن جريدة أوان

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق