ابراهيم نصر الله..الخيول البيضاء تتجه نحو زمن السواد

قد يحتاج الفلسطيني أن يكتب سيرته في المكان والنص كلّ عام، ليس لأنها سيرة اغتراب وفقدان متواصل أو أنها محاولة للتماهي مع مثيولوجيا (الزمن المفقود) بثنائيته المرعبة(الغياب/الحضور، بل لأنها سيرة تستغور الإنسان(التائه) الذي تباغته الأمكنة دائما بهلامية وجودها وغيابها، إذ كلما يتوغل فيها الكائن عبر الزمن الفيزيقي تهرب منه تلك الأمكنة، تصبح بعيدة، شاحبة، لامعة في الأفق، من الصعب إمساك ملامحها السائلة، حتى تبدو هذه الأمكنة الفلسطينية وكأنها أصبحت جزءا من مثيولوجيا غياب هذا الكائن، أو شفرة من شفرات البحث عن عشبة خلوده، تلك التي تصرّ المخيلة الفلسطينية على استحضارها أو استعادتها بإصرار عبر استمراء لعبة استحضار الزمن/التاريخ الذي يستغوره الكاتب/الشاهد كنص عميق الأثر، باحثا فيه عن نصوص غائبة أو حيوات مفقودة، تلك التي أصبحت أيضا جزءا من مثيولوجيا الحضور، والتي تأتي مسرودات الكتابة لتوقظ فيها سيرة كائناتها التي يسكنها الأثر بوصفه لعبة في الاستعادة، أو تعبيرا عنها إذ هي تحتفظ بوهجها العميق، السري، الغائر في مواجهة ذلك الغياب.

ابراهيم نصر الله الشاعر والروائي الفلسطيني يدرك أهمية أن يكون الروائي صانع سيرٍ استثنائية للإنسان الحاضر بأثره المرعوب، والواقف خائفا عند هامش من الماضي الذي يشبه الغياب. تتجوهر عبر ثنائية السرد شفرات متاهته إزاء الأمكنة التي تغيب عنه كلما طاردها، تسكنها ترميزات القوة الغائبة، مثلما يستبطنها الحلم والشغف برغبة التماهي مع تاريخ السيرة بوصفه سردا قصديا تنتجه مخيلة البطل، الكائن المطرود، حيث يجد الروائي في هذه السيرة/ التاريخ، مقاربة تعويضية لقراءة تاريخ الشخصية الفلسطينية باعتبارها كيانا موصوفا يمكن إعادة إنتاج سيرته المتخيلة، أو ترحيله من حالته الفردية/صورة البطل، إلى تاريخ آخر هو تاريخ المكان الغائب عبر غياب بطله، أي إن النص الروائي هنا يصبح جزءا من ظاهرة اجتماعية كما يقول بول ريكور، وهذا ما يمكن إحالته إلى مجموعة وظائف هي اقرب إلى اشتغالات البنيويين.

هذه الخصيصة تجعل من فكرة التماهيات بين الشخص/البطل/صانع السيرة وبين المكان، أو بين الرمز والأثر بمثابة ثنائية القوة/الحضور، والضعف/الغياب والتي يوظفها الروائي بشعرية عالية، حيث يمتزج فيها السرد مع لعبة الإيهام لاستعادة علامات الأمكنة والشواهد والأحداث، لأنّ هذه اللعبة هي لعبة التعرّف الوحيدة التي يمكن من خلالها إمساك المعنى والزمن، إذ هي لعبته الأثيرة في الإثارة والتمرد والتشهي، تلك التي تولّد هيجان التذكر، حيث الفلسطيني الذي لا يحيى خارج ذلك التذكر..

في روايته السيروية(زمن الخيول البيضاء)التي صدرت مؤخرا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، يقترح لنفسه أن يكون صانع معجزات استعادية تمتزج فيها اشتغالات الروائي بسردياته المتخيلة مع صاحب السيرة، إذ هو يدوّن عبر لعبة التخيل السردي سيرة بطله/شعبه، عبر اصطناع فضاء حكواتي يجعل منه (المعادل الحيوي) لفكرة الشعب الذي يواجه كل مهيمنات القمع والغياب، لكنه يظل بالمقابل مالكا لخصائص البطل العاشق والحالم الذي يمكن أن تكرسه أية حكاية، وهذا البطل رغم واقعيته كفكرة وصورة تجسد مقطعا زمنيا يعبّر عن روح السيرة، لكنه محتشد بالكثير من الأزمات والاستعادات، تتمظهر ملامحه وصراعاته في سياق صناعة الثيمة ومبناها الحكائي الذي يجعل من شخوص النص السردي مجذوبين إلى إنتاج المزيد من التخيل الذي يكتسب صفة الاستغوار التعويضي، إذ يكون البطل الواقعي/السيروي فيه هو ذاته بطل المثيولوجيا الذي يصنع من خلالها توليدات إيهامية للأحداث، تلامس الأمكنة، الحيوات عبر تصعيد ثيمات الحب والشجاعة والفروسية، مثلما يصنع لها الروائي نسقا مهيمنا للسرد تتجوهر فيه أحداث وصراعات داخلية لها بعد ترميزي شفروي يوحي دائما باستعادة لعبة الأمكنة التي تسحر بطلها. البطل يصطنع شفرة الاستعادة وكأنها لعبته الأثيرة للاستعادة، تلك التي ترتبط بعشقه للمهرة البيضاء التي اختفت، حيث يواصل البحث عنها، وكأنه يبحث في سياقها الرمزي عن أشيائه الغائبة، أمكنته، هويته ووجوده/معنى بطولته وأنثاه.. وطبعا هذه الأحداث ورمزيتها لا تتكامل بنية هويتها السردية، إلاّ بمقابل مجموعة من الأحداث الخارجية العامة، تلك التي تلعب دور الحافز الذي تؤشر إلى استحضار حوادث تاريخية، لكن الراوي يضعها ضمن مشغله السردي( نهاية الإمبراطورية العثمانية وبداية عصر الانتداب الانكليزي) والتي تمثل في تقابلها السردي فضاء صراعيا يعبّر عن حراك شخوصه/ أبطاله وانشدادهم إلى روح الأمكنة، مثلما تعبّر عن حراك وجودي يلامس تحولات تاريخية صاخبة، تضع الحيوات الروائية/الحكواتية أمام أفق غائم ومشوش لكي تواصل بطولتها ضد الأخر السارق والمحتل والظالم..لكن ما يجمع هذه الأحداث (الخارجية والداخلية) هي إنهما يمثلان عنصرين يحددان الطبيعة القاسية التي عاشها البطل/الشعب وصراعاته وفجائعه وسيرته في البحث عن حقيقته في المكان/الأرض خلال هذين الزمنين. وهذا ما يفترض صيرورة البطل الملحمي الذي يحمل وزر صناعة القوة الأخلاقية والإنسانية والشعبية، تلك التي تواجه الاغترابات العميقة للهوية والوجود. ولا شكّ أن هذا البطل لا يبدو مراقبا سلبيا للأحداث، فهو يرصد ما تركته نهاية الإمبراطورية العثمانية من انهيارات ثقافية واجتماعية وسياسية مهدت للاحتلال الجديد(الانتداب)الذي مهد فيما إلى تكريس مثيوليوجيا الاغتراب ..

هذه الرواية معنية بالتعاطي مع إشكالات سرد سيرة الذات الفلسطينية في الزمن السياسي والنفسي والوجودي، أكثر من استغوارها الواقع ذاته، فهي ترصد ستين عاما من حياة شعب عاش الكثير من الهزات الكونية بكل رعبها وحروبها، لكنه ظل يؤمن بسرية قوته، رغم أن الزمن هنا يسيل أفقيا خارج إرادة أبطاله، إذ هم متمسكون به، يحاولون إن يصنعوا داخله وحدات زمنية صغيرة ترتبط بحيواتهم، عشقهم، أحلامهم، يومياتهم، انتظارهم الاوديسي، مثلما تعكس أيضا الكثير من التحولات الاجتماعية والثقافية التي عاشها الفلسطيني في صراعاته داخل المكان وخارجه، بين النخب التي تقود الريف والفلاحين، وكذلك مع الأتراك والانكليز واليهود المهاجرين، وبما يوحي بأن هذه الصراعات بكل رعبها وتداعيها، تقف عند فضاء مفتوح للتخيلات السردية، تلك التي تحتمل المزيد من السرد الحكائي الذي يضعه الروائي كنسق مفتوح للمزيد مما يمكن أن يؤرشفه الروائي(صانع السيرة) من زمنه الفلسطيني الغائب، ومن ذاكرة الفلسطيني البطل والحالم والمنفي والعاشق، إذ تكون هذه الأرشفة هي اللعبة الصعبة التي من خلالها الروائي أن يعيد إنتاج كائنه، يرسم طريقا لحرير بطله المشدود دائما إلى لحظة وجودية عصية على الغياب، أو ربما هي التي تحرضه باستمرار على اصطناع مسرودات تقابل فكرة الهيجان إزاء الأمكنة، هيجان الذاكرة والجسد والتدوين..

إصرار الكاتب على أن تكون هذه الرواية وغيرها جزءا من مشروع ملحمي صدرت منه على ما أظن ست روايات استغورت حياة الفلسطيني داخل روح المكان، هو تأكيد لنزوع الروائي على استعادة السردي في صناعة المكان الفلسطيني، لأن هذا المكان هو جوهر صيرورة بطله الغائب والراحل، مثلما هو جوهره وهويته..

إن اختيار الروائي للفضاء الزمني الممتد من نهاية القرن التاسع عشر إلى عام 1948 يؤكد قصديته في إعادة قراءة الزمن السياسي والتاريخي الذي صنع المحنة، فهذا الزمن المعتم الذي لم تطله الدراسات التاريخية باستقراءات وافية ،والذي لم تلمسه الأدبيات الفلسطينية بعمق أيضا، تحوّل في رواية (زمن الخيول البيضاء) إلى زمن توليدي تتحرك عبر قراءة مستوياته الكثير من الظواهر والتجليات التي اقترنت بأحداث عامة وتحولات تاريخية صنعت لها بالمقابل ظواهر اجتماعية وثقافية عميقة، استثمرها الروائي ليصنع منها مجاله السردي الموازي للمجال السيروي، وكذلك صنع منها حيواته/بطولاته التي تشكّل موجهات افتراضية للزمن الفلسطيني، مثلما تجسد ملامح الزمن/السيرة وملامح الصراع الظاهر والمستتر داخل هذه السيرة، إذ تبدو هذه الحيوات وكأنها تصنع قوة سرية تقاوم الغياب، تتحرك وتعشق وتتجادل وكأنها داخل عوالم سرية فعلا، لها خصوصيتها في صراعاتها، عواطفها، لكن بطريقة جعل منها الروائي كتابة تدوينية هي الأقرب إلى الفضاء الملحمي الشعبي الذي تلتقي فيه المثيولوجيا مع تمظهرات الواقع ويومياته وصراعاته ومآسيه، مع بطولاته التي تصنع تجاوزا لا يركن لفكرة الموت/الغياب. ولاشك أن هذه البنية الملحمية تعبّر عبر شراهة رمزيتها عن عوالم الإنسان/البطل الفلسطيني ذاته، تلك التي تقترح لحظات قوة مضادة، قوة حلم عميق، قوة تراقب سيولة الزمن، مثلما تقترح لحظات وجودها الضاجة في الحياة والغائرة في الأمكنة، لتضعنا هذه الرواية السيرة أمام تواصل اجترحه الكاتب مع تدوين ملحمته الطويلة التي بدأها مع رواياته الخمس(طفل الممحاة، طيور الحذر، زيتون الشوارع، أعراس آمنة، تحت شمس الضحى) وهذا ما يجعل إبراهيم نصر الله الشاعر الرقيق غربة أخرى قد لغوية سردية قبل آن تكون غربة تدوينية تلامس حكايات حيواته العارمة بالحياة لكنها الواقفة عند أعظم أزمة اغتراب في التاريخ..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق