ابن الراوندي

حياته:

يعتبر أبو الحسن أحمد بن يحيى بن اسحاق الراوندي، المشهور بـ ابن الراوندي، من الشخصيات المثيرة والجريئة. وقد مرَّ بمراحل عقائدية مختلفة بدأت من موطنه، قرية راوند الواقعة في إيران وطلبه العلم في مدينة الري. يقال إنه ولد في العام 210 هجرية، وإنه كان في البداية مسلمًا شيعيًا من حيث العقيدة والقناعة، كما يقال، أيضًا، إنه كان من المعتزلة الذين سرعان ما هجرهم وطرد من صفوفهم، فكتب ضدهم أحد أهم كتبه الذي هو فضيحة المعتزلة وكان في ذلك الحين ما يزال شيعيًا. هجر الإسلام نهائيًا بتأثير من صديقه ومعلمه أبو عيسى الوراق فكتب في تلك المرحلة الأخيرة من حياته أهم كتبه في نقد الإسلام ألا وهو الزمرذ[1]. هناك جدل حول عمره عند وفاته، حيث تشير بعض المصادر[2] إلى أنه كان يبلغ 36 أو 40 عامًا (أي ما بين عامي 245 و250 هجرية)، في حين تشير مصادر أخرى[3] إلى أنه بلغ 80 سنة من العمر (ما بين الأعوام 298 و301 هجرية)[4].

أعماله:

من المؤلفات الكثيرة التي تنسب إليه: الابتداء والإعادة، الأسماء والأحكام، فضيحة المعتزلة، الإمامة، الدامغ والفريد، التاج، عبث الحكمة، الدامق، الفرند، والزمرذ… لكن من هذه الكتب، سنتطرق خاصةً إلى كتابين أساسيين (ومثبتين) له هما: فضيحة المعتزلة، وكتاب الزمرذ الذي سنتناوله بمزيد من التفصيل، وذلك من أجل توضيح…

فكر الراوندي وتطوره:

لأنه إن كان، في كتابه فضيحة المعتزلة، قد حلل، وبشكل نقدي، عقيدة المعتزلة من وجهة نظر شيعية، وأجاب على كتاب الجاحظ حول هذا الموضوع، فإنه في كتاب الزمرذ، الذي هو أهم كتبه على الإطلاق، يبلور أفكارًا جرئية وسمها البعض بالإلحاد، حيث بوسعنا، من خلال هذا الكتاب، تحديد ما يورده الراوندي من نقد للإسلام:

أولاً: التأكيد على سمو العقل على النقل: يقول، وإن على لسان سواه (البراهمة):

إن البراهمة يقولون إنه ثبت عندنا، وعند خصومنا، أن العقل أعظم نعم الله على خلقه، وأنه هو الذي يعرف به الربّ ونعمه، ومن أجله صحّ الأمر والنهي والترغيب والترهيب. فإن كان الرسول يأتي مؤكدًا لما فيه من التحسين والتقبيح والإيجاب والحظر، فأسقط عنّا النظر في حجته وإجابة دعوته. إذ قد غنينا بما في العقل عنه. والإرسال على هذا الوجه خطأ. وإن كان يخالف ما في العقل من التحسين والتقبيح والإطلاق والحظر، فحينئذٍ يسقط عنّا الإقرار بنبوته.

… إن الرسول شهد للعقل برفعته، فلمَ أتى بما يناقضه إن كان صادقًا…

ثانيًا: نقد الشريعة الإسلامية وما ينسب إلى محمد من معجزات: حيث يؤكد على:

1- إثبات أن الشريعة الإسلامية تتناقض مع العقل، حيث جاء:

… إن الرسول أتى بما كان منافرًا للعقول مثل الصلاة، وغسل الجنابة، ورمي الحجارة، والطواف حول بيت لا يسمع ولا يبصر، والعدو بين حجرين لا ينفعان ولا يضران: وهذا كلّه مما لا يقتضيه عقل، فما الفرق بين الصفا والمروة إلاّ كالفرق بين أبي قبيس وحرى، وما الطواف حول البيت إلاّ كالطواف على غيره من البيوت…

2- تفنيد المعجزات ومن بينها إعجاز القرآن، حيث قال:

… إن المخاريق شتى، وإن فيها ما يبعد الوصول إلى معرفته، ويدق على المعارف لدقته، وإن أورد أخبارها بعد ذلك عن شرذمة قليلة يجوز عليها المواطأة في الكذب…

… وأمّا تسبيح الحصى، وكلام الذئب، وما يجري مجراها فلا تنكره العقول…

… إنه لا يمتنع أن تكون قبيلة من العرب أفصح من القبائل كلها، وتكون عدة من تلك القبيلة أفصح من تلك القبيلة، ويكون واحد من تلك العدة أفصح من تلك العدة… وهب أن باع فصاحته طالت على العرب، فما حكمه على العجم الذين لا يعرفون اللسان وما حجته عليهم؟

… إن الملائكة الذين أنزلهم الله تعالى في يوم بدر لنصرة النبي بزعمكم، كانوا مفلولي الشوكة قليلي البطشة على كثرة عددهم، واجتماع أيديهم وأيدي المسلمين، فلم يقدروا أن يقتلوا زيادةً على سبعين رجلاً… أين كانت الملائكة في يوم أحد لما توارى النبي ما بين القتلى فزعًا، وما بالهم لم ينصروه في ذلك المقام؟!

3- وأخيرًا نقد التواترالذي يعتبره “مواطأة على الكذب”، حيث قال:

… إن المخاريق شتى. وأن فيها ما يبعد الوصول إلى معرفته، ويدق عن المعارف لدقته، وإن أورد أخبارها بعد ذلك شرزمة قليلة يجوز عليها المواطأة على الكذب…

ثالثاً: نقد النبوة ومحاولة إثبات تعارضها مع العلم: وذلك من خلال التأكيد على:

1- الكلام الإنساني حادث بطبعه ولا يرجع في أصله إلى الأنبياء. فـ…

الكلام مستملى عن الوالدين صاعدًا قرنًا فقرن إلى ما لا نهاية له، فليس للخلق أول…

2- وكذلك على أن علمي الفلك والموسيقى لا يرجعان إلى الأنبياء، لأن:

… الناس هم الذين وضعوا الأرصاد عليها حتى عرفوا مطالعها ومغاربها، ولا حاجة لهم إلى الأنبياء في ذلك…

ومن باب الهزء…

… إنه يلزم من يقول بالنبوة، أن ربهم أمر الرسول أن يعلمهم صوت العيدان. وإلاّ فمن أين يعرف أن أمعاء الشاة إذا جفّت وعلقت على خشبة فضربت، جاء منها صوت طيب…

الخلاصة:

نجد أنفسنا من خلال ابن الراوندي أمام ظاهرة طبعت القرنين الثالث والرابع من الإسلام، ففي هذه المرحلة، وكما يقول عبد الرحمن بدوي:

كان طابع الرجل الإسلامي ما يزال في تطور تتنازعه القوى المتعارضة لتطبعه بطابعها الخاص…[5]

حيث

… كانت مسألة المسائل تشكل الإسلام من ناحية الكلام والعقيدة…

ففي هذه المرحلة كانت العقيدة الإسلامية، التي انتشرت في بلدان ومناطق كانت تسود فيها ديانات عريقة، موضوع نقاش. كما أصبحت اليوم في أيامنا هذه كل الديانات والعقائد. من هذا المنطلق علينا اليوم، وبكل عمق، دراسة ظاهرة ابن الراوندي وأمثاله من كبار الفلاسفة.

—-

بمعنى الخزف المكسور.

[2] المسعودي، ابن خالكان وابن عقيل.

[3] ابن الجوزي وغيره…

[4] عبد الرحمن بدوي، تاريخ الإلحاد في الإسلام.

[5] عبد الرحمن بدوي، تاريخ الإلحاد في الإسلام، ص 89.

عن موقع معابر

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق