ابن خلدون بين البيروني ومسكويه


 

 مقدمة البحث :


   إن القارئ لكتاب العبر بكتبه الثلاثة وبالتعريف ينبهر بالكميّة الهائلة من المصادر التي استعملها ابن خلدون وبتنوّعها. فقد أشار إلى أكثر من 487 شخصيّة، منها 368 مفكّرا : أديبا ومؤرّخا وشاعرا وفقيها… ذكرهم بالمقدّمة، و إلى حوالي 119 ببقيّة كتاب العبر، دون الأخذ بعين الاعتبار مصادره الشفويّة. كما نصّ حرفيّا على 137 عنوان كتاب في مختلف أبواب المعرفة.

    بيُسر وتمكّن، ينتقل ابن خلدون بين الطبري والمسعودي وابن الأثير وابن حزم، بين البكري والإدريسي وابن حوقل، بين الآيات القرآنية والبخاري ومسلم… لم يترك شاردة ولا واردة، وعبّر عن تواصل معرفي عميق وقديم، فبذل جهدا ضخما في كتابة هذا التاريخ وأفنى فيه حوالي ثلاثين سنة من سني حياته، أي منذ انزوائه بقلعة بني سلامة سنة 776ه‍ (1375م) إلى تاريخ إهدائه نسخة من مؤلّفه إلى السلطان برقوق في شهر محرّم 797ه‍ (نوفمبر 1394م)1 ثم إلى سنة وفاته. (808? / 1406م).

   إن استجلاء مصادره والبحث في إمكانيّة ذِكْرِهِ لها بدقّة وأمانة، أو تجاهله لها؛ من شأنه أن يساعدنا على معرفة موقفه من هذه المؤلفات السابقة له. هل اقتصر دورها على أن تكون بالنسبة إليه مجرّد معلومات معرفيّة، أم ساعدته على بلورة نظريّة خاصّة به ومكّنته من إعادة النظر في دورها، وبالتالي توظيف معارفه المستقاة من أجل صياغة التنظير؟ أم أنها ظلّت تلعب دور الشواهد لدعم التنظير المسبق؟ هل كتب بكل أمانة وموضوعية وحياديّة عبّرت عن فكر تاريخي جديد، أم قام بعمليّة انتقاء لتوظيف الوقائع والأحداث لرؤيا إيديولوجية وسياسيّة مسبقة؟ ماذا حذف وعمّن تغافل وماذا تجاهل ومن استنكر وعلى من أكّد؟

   1. ابن خلدون و مسكويه:

 

    مسكويه : ( ت : 421 ﻫ/ 1030 م ) أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب، و”مسكويه” هو لقبه الشخصي وليس اسم جدّه الأعلى. شغل وظيفة كاتب سرّ الوزير المهلّبي (340-352ﻫ) وأمين خزانة كتبه، صاحب الحظوة لدى ابن العميد (353-360ﻫ) وابنه أبي الفتح (360-366ﻫ) في عهد عضد الدولة البويهي (366-372ﻫ) كان له نفوذ كبير في مدينة الريّ. من مؤلفاته : “تجارب الأمم” و”تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق”. له عدة رسائل مع التوحيدي(ت : 414ه‍ / 1010م)، (الهوامل والشوامل). وله مجموعة من الحِكَم التي نقلها عن حكماء فارس والهند والعرب والإغريق معتمدا على الكتاب الفارسي «جاويدان خرد» (العقل الأزلي).3

   شكّك ابن خلدون في كتاباته وانتقده عند سياقة خبر بني بويه وأصل نسبهم، قائلا أن مسكويه زعم أن نسب بني بويه يعود إلى يزدجر بن شهريار آخر ملوك الفرس « والحق أن هذا النسب مصنوع تقرّب إليهم به من لا يعرف طبائع الأنساب في الوجود.» (4/563)4 ويتغافل ابن خلدون هنا عمّا قام به هو شخصيّا عندما وصل الحفصيين بسلالة عمر بن الخطّاب مزكّيا بذلك ابن نخيل5 الذي كان أوّل من صنع هذه المعلومة، ثم يوظّف صاحب العبر هذه الوصلة لنفسه من خلال القصيدة التي أهداها إلى أبي العبّاس الحفصي.6 لكننا عند اطّلاعنا على كتاب “تجارب الأمم” لم نجد أثرا لاتهامات ابن خلدون، بل أن مآخذ صاحب العبر وجدناها لدى ابن العبري في كتابه “مختصر تاريخ الدول”7 ومن الأكيد أن ابن خلدون كان ينقل هنا عن ابن العبري فاختلطت عليه المصادر واعتقد أن مسكويه هو الذي نسب البوهيين إلى ملوك الفرس.

     رغم اعتناقه للمذهب الشيعي8 ودخوله في الخدمة الإداريّة للدولة البويهيّة الشيعيّة، فقد تأثّر مسكويه تأثّرا عميقا بالطّبري الذي كان سنيّا وعاش في ظل دولة سنيّة، وهذه المفارقة الظاهرة لا تعبّر في الحقيقة إلاّ عن تفتّح كبير لديه، إذ عُرف بتكوينه الفلسفي واليوناني المتين9 وبتحكّمه في اللغة العربيّة والفارسيّة التي كان يكتب بها دون فرق، كما ترك لنا شعرا عربيّا بليغا أثنى عليه التوحيدي قائلا : « فهو ذكيّ حسن الشعر نقيّ اللفظ10… رطب الأطراف رقيق الحواشي، سهل المأخذ، قليل السكب، بطيء السّبْكِ، مشهور المعاني، كثير التواني، شديد التوقّي…»11

    ألّف مسكويه في عديد الميادين الفلسفيّة والتاريخيّة، إلا أنه « لا يعتبر أحد كبار المصنفين العرب… والواقع أن أعماله قد فرضت نفسها على التراث العربي بواسطة مضمونها ونوعيّتها أكثر مما فرضتها بواسطة اتساعها أو تنوّعها أو كثرتها.»12

     ترك لنا مسكويه خاصّة كتابه “تجارب الأمم وعواقب الهمم” الذي كتبه لعضد الدولة البويهي، تناول فيه خاصة تاريخ الدولة العباسيّة بداية من أواخر القرن الثالث مع خلافة المقتدر، وهو « ليس من الكتب التاريخيّة الكونيّة، إذ حذف كليّا كل ما يخصّ تاريخ الأنبياء والحكايات الأسطوريّة والتقديسيّة أو التبجيليّة المحضة.»13

     تمكّن مسكويه من الحصول على مصادره عند كتابته لحوادث عصره من مصدرين هامين وهما : المهلّبي أبو محمد الحسن وزير معزّ الدولة البويهي ووزير الخليفة المطيع لله (ت : 363á/ 974م) العبّاسي، فاجتمعت له وزارة الخليفة ووزارة السلطان البويهي فسُمِّي بذي الوزارتين، وظلّ على هذه الحالة 13 سنة يدير أكبر ديوان في الدولة. فعند سرده للأحداث بداية من سنة 340 هجري يقول مسكويه : « أكثر ما أحكيه بداية من هذه السنة فهو عن مشاهدة وعيان أو خبر محصّل يجري عندي خبره مجرى ما عاينته، وذلك أن مثل الأستاذ الرئيس أبي الفضل محمد بن الحسين بن العميد رضي الله عنه، خبرني عن هذه الواقعة وغيرها بما دبّره وما اتّفق له فيها، فلم يكن إخباره لي دون مشاهدتي في الثقة به والسكون إلى صدقه. ومثل أبي محمد المهلّبي رحمه الله، خبرني بأكثر ما جرى في أيّامه وذلك بطول الصحبة وكثرة المجالسة. وحدّثني كثير من المشايخ في عصرهما بما يستفاد منه تجربة. وأنا أذكر جميع ما يحضرني ذكره منه وما شاهدته وجرّبته بنفسي فأحكيه أيضا بمشيئة الله.»14

     بفضل موقعه الإداري وإضافة إلى أمانة مكتبة الوزير ركن الدولة15، تمكّن مسكويه من الحصول على المعلومات من مصادرها الأصليّة وأصبح عارفا بمختلف دواليبها وبمصادر الخراج وطرقه والمداخيل المالية والنفقات،16 واستطاع شرح أسباب الوقائع وأخطاء بعض رجال السياسة، وانفرد بعدم تحفّظه في أحكامه وبابتعاده عن التحيّز،17 فدوّن الفضائح والمؤامرات والخيانات والابتزاز والحيل وكل الطرق الوضيعة التي وصل بها رجال السلطة إلى النفوذ، إضافة إلى الأوهام والسلوكيات الغيبيّة في إدارة شؤون الدولة، وقام بتحريّات ميدانيّة عن السياسة الماليّة والعقاريّة لمعزّ الدولة سمحت له بتشكيل « أوّل بلورة لمفهوم التاريخ عنده، فقد كان يؤسس علم التاريخ على الملاحظة العيانيّة المباشرة وعلى التأمّل النظري في المعنى الأخلاقي-السياسي للشهادات والملاحظات المتجمّعة لديه.»18 كما استقى مسكويه معلوماته من أبي الفضل بن العميد وزير ركن الدولة، الذي نوّه ابن خلدون به قائلا : « … وكان أبو الفضل بن العميد كاتبا بليغا وعالما في عدّة فنون مجيدا فيها ومطّلعا على علوم الأوائل وقائما بسياسة الملك مع حُسن الحُلق ولين العشرة والشجاعة المعروفة بتدبير الحروب، ومنه تعلّم عضد الدولة السياسة وبه تأدّب.» (4/591) لذلك فإننا لا نستغرب أن يكون ابن خلدون قد أخذ البعض من معلوماته عن مسكويه في “تجارب الأمم” رغم عدم ذكره لمصدره. ويتأكّد لدينا هذا الاستنتاج عندما نلاحظ أن صاحب العبر عند سرده لأخبار الخلفاء من بني العبّاس منذ ظهور البويهيين؛(3/475-537) فإنه يتتبّع نفس الأحداث الواردة في “تجارب الأمم”19 ملخّصا إيّاها ومستغنيا عن عديد الأخبار المدقّقة من قبل مسكويه. لكننا نجده يستطرد في نفس المكان الذي استطرد فيه صاحب “تجارب الأمم”، مقدّما رأيه الشخصي الذي يبدو متوافقا معه فيه حول سياسة معزّ الدولة، والمقارنة التالية تبرز هذا التوافق :
ابن خلدون : العبر، ج 3، ص 522-523.     مسكويه، تجارب الأمم، ج 2، ص 99.
« انقلاب حال الدولة بما تجدّد في الجباية والإقطاع : لمّا استولى معزّ الدولة، طلب الجند أرزاقهم على عادتهم وأكثر لسبب ما تجدّد من الاستيلاء الذي لم يكن له، فاضطّر إلى ضرب المكوس وأخذ أموال الناس من غير وجهها، وأقطع قوّاده وأصحابه من أهل عصبيته وغير المساهمين له في الأمر جميع القرى التي بجانب السلطان، فارتفعت عنها أيدي العمّال، وبطلت الدواوين واختلف حال القرى في العمارة عما كان في أيدي القوّاد والرؤساء… وما كان بأيدي العامّة والأتباع عظم خرابه لمّا كان يعدم من الغلاء والنهب واختلاف الأيدي وما يزيد الآن من الظلم ومصادرات الرعايا والحيف في الجباية … فإذا خربت قراهم ردّوها وطلبوا العوض عنها فيصير الآخر منها لمّا صار إليه الأول. … وصارت الجبايات لنظرهم والتعويل في المرتفع على أخبارهم… فبطلت الأموال وصار جمعها من المكوس والظلامات، وعجز معزّ الدولة عن ذخيرة يعدّها لنوائب سلطانه.     «… فبطُل أن ترفع الدواوين جماعة أو تعمل لعامل مؤامرة، أو يسمع لأحد ظلامة، أو يُقبل من كاتب نصيحة، واقتصر في محاسبة الضمناء على ذكر أصول العقد وما صحّ منه وبقي من غير تفتيش عمّا عوملت به الرعيّة وأجريت عليه أحوالها من جور أو نصفة من غير إشراف على احتراس من الخراب، أو خراب يعاد إلى العمارة. وجبايات تحدث على غير رسم، ومصادرات تُرفع على محض الظلم، وإضافات إلى الارتفاع ليست بعبرة، وحسبانات في النفقات لا حقيقة لشيء منها. ومتى تكلّم كاتب من الكتّاب في شيء من ذلك  فكان ذا حال ضمن ونكب واجتيح وقُتِل وباعه السلطان بالتطفيف… فهذه جملة الحال في ضياع الدخل، فأما الخرج فإن النفقات تضاعفت وسوق الدواوين أُزيلت… ثم ركب معز الدولة الهوى في أمور غلمانه فتوسّع في اقطاعاتهم وزياداتهم وأسرف في تمويلهم وتخويلهم فتعذّر عليه أن يذخر ذخيرة لنوائبه.»
 

   لكنّني أودّ أن أشير هنا إلى إمكانيّة أن يكون ابن خلدون قد نقل معطياته هذه عن ابن الأثير لأننا نجد نفس هذه الفكرة في “الكامل في التاريخ”.20

   إن عنوان كتاب مسكويه “تجارب الأمم” دليل على ما أراد مؤلّفه لفت نظر قرّائه إليه، وهو أهميّة التجربة الإنسانيّة في بناء الحضارة عموما واستخلاص الدروس والعبر باستعمال العقل. وهذا الهمّ التاريخي الذي حمله مسكويه جعله « يدين أسلافه من المؤرخين الآخرين الذين يصدقون هذه الحكايات الشعبيّة ويفسحون لها مجالا واسعا في كتبهم. يقول : “ووجدت هذا النمط من الأخبار مغمورا بالأخبار التي تجري مجرى الأسمار والخرافات التي لا فائدة فيها غير استجلاب النوم بها والاستمتاع بأنس المستطرف منها حتى ضاع بينها وتبدّد في أثنائها فبطل الانتفاع به”.»21 وكان مسكويه أوّل من لفت الانتباه إلى أن سياسة الاضطهاد والإقصاء والابتزاز، هي العوامل الأصليّة في خراب العمران والثورات. فبعد استعراضه لجملة أسباب خراب البلاد في عهد معز الدولة البويهي، يقول مسكويه : « فهذه جملة الحال في ضياع الدخل، فأما الخرج، فإن النفقات تضاعفت وسوق الدواويين أُزيلت والأزمة بطلت.»22 وقد أشار محمد الطالبي في كتابه الصادر باللغة الفرنسيّة بعنوان «ابن خلدون والتاريخ»، إلى أن صاحب العبر قد أخذ فكرة التطوّر البشري أو «مراتب الموجودات» كما عبّر عنها صاحبها، من مجموع أفكار إخوان الصفا ومسكويه.23 ويبدو لنا من خلال القراءة الموازية لكل من “تجارب الأمم” و”العبر” أن كتابة التاريخ التي أصبحت ذات نزعة تحليليّة ونقدية وتفسيريّة تنحو نحو الموضوعيّة لدى مسكويه، قد رسّخها ابن خلدون نحو هذا الاتجاه وأصبحت أكثر دلالة لديه.24 فعندما نقرأ لابن خلدون الفقرة التالية حول أسباب سوء فهم الأحداث التاريخيّة من قِبل المؤرخين السابقين « ومن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الأعصار ومرور الأيام وهو داء دوي شديد الخفاء إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة وذلك أن أحوال العالم والأمم و عوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاح مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول.»(1/37) قلت عندما نقرأ هذه الفقرة المعبّرة، فكأننا نقرأ ما كتبه مسكويه في تجارب الأمم حيث يقول : « أن التدبير إذا بُنِي على أصول خارجة عن الصواب، وإن خفِيَ في الابتداء، ظهر على طول الزمان. ومثل ذلك مثل من ينحرف عن جادة الطريق انحرافا يسيرا ولا يظهر انحرافه في المبدأ حتى إذا طال به المسير بَعُدَ عن السّمت، وكلّما ازداد إمعانا في السير زاد بعده عن الجادة وظهر خطأه وتفاوت أمره.»25

   ورغم تفنيد ابن خلدون لآراء مسكويه عندما يصفه بالمتملّق والمتزلّف السّاعي إلى التقرّب من بني بويه (4/563)، فإننا نلاحظ أخذه عنه دراسته حول دور المعاش في تحليل النتائج السلبيّة على الدولة وعلى الحياة الاقتصادية والثقافية وعلى المجتمع عموما فيما يخصّ ظاهرة استيلاء أصحاب اليد القاهرة والجاه والسلطان على مصادر عيش العامّة. (1/353) فيقول في فصل “في أن الظلم مؤذن بخراب العمران” : « … فان كان الاعتداء كثيرا عامّا من جميع أبواب المعاش، كان القعود عن الكسب كذلك لذهابه بالآمال جملة.«(1/354) ويؤكّد على » من كان فاقدا للجراءة والإقدام من نفسه، فاقد الجاه من الحكّام، فينبغي له أن يجتنب الاحتراف بالتجارة.« (1/495) ونجد نفس الملاحظات بكامل الفصل 40 من الكتاب الأوّل : “في أن التجارة من السلطان مضرّة بالرّعايا ومفسدة للجباية”(1/346-349). هذا الفصل يتطابق مع ما يقوله مسكويه في « ذكر ما انتهى إليه التدبير من سوء العاقبة وخراب البلاد وفساد العساكر وسوء النظام.»(تجارب الأمم، 2/96-100).26

     نحن لا نطرح هنا إشكاليّة تأثّر ابن خلدون بمسكويه، إذ يبدو ذلك بيّنا، لكننا نلاحظ أيضا أن أفكار صاحب العبر كانت في صياغتها وفي عمق تعابيرها أكثر دلالة ووضوحا، وهنا تكمن إضافاته للمعرفة العربيّة الإسلاميّة. ويمكن أن تتبلور لنا هذه الفرضية عندما نعمّق المقارنة والبحث في كتابات أحد كبار مؤرّخي وعلماء أواخر القرن الرابع ومنتصف القرن الخامس وهو البيروني.

   2. ابن خلدون و البيروني:

 

   يعترف ابن خلدون أن مصادر تأليفه والبعض من مسائله قد وردت عرضا في كتب العلماء والفلاسفة والفقهاء قبله(1/50-51) لكنه يعتبر أن طرحها لهذه المسائل كان متفرّقا، مقتضبا، غير مقصود بذاته، أي أنه يعترف هنا بصفة مباشرة باطّلاعه على كتب من سبقه ويعطي أمثلة على ذلك.

   فمن بين الشخصيّات الهامة التي تغافل عنها ابن خلدون نجد العالم أبي الريحان البيروني (ت : 440ﻫ/ 1048م). 27 فالملفت للانتباه حقا، أنه لم يشر إليه ولو مرّة واحدة، بل نعتقد أنه غضّ الطرف عنه كلّيّا؛ ذلك أن أهمّ ما أتى به صاحب «العبر» من نظريات في “فضل علم التاريخ” لا نجد لها أثرا إلاّ لدى البيروني. ورغم القراءات التي قمت بها للعشرات من الكتب والمقالات حول ابن خلدون وفكره، لم أجد من الباحثين من أشار إلى هذه العلاقة المفقودة ظاهريّا بينه وبين البيروني.

   لا يمكن لابن خلدون أن يكون عن غير عِلمٍ بصاحب “الآثار الباقية” وبمؤلّفاته الأخرى، لأن العديد من المؤرّخين الذين استشهد بهم صاحب العِبرْ قد أشاروا إلى فضله وسعة معرفته؛ من بينهم ابن العبري28 وياقوت الحموي29 وأبو الفداء،30 كما نقل عنه القفطي،31 ثم فيما بعد تلميذ ابن خلدون وهو المقريزي.32

   لذلك أردنا أن نتساءل : هل أن الفكر الخلدوني في القرن الثامن للهجرة كان يسعى إلى استرجاع الفكر المنطقي العقلاني الذي ساد خلال القرن الرابع؟

   هو محمد بن أحمد، أبو الريحان. ولد في «بيرون» من مدن «خوارزم»، وإليها ينتسب، درس الطب و الفلسفة والرياضيات والفلك والجغرافيا… ثم التحق ببلاط أحد أمراء جرجان وطبرستان، الذي كان بلاطه يحفل بالعلماء، من بينهم ابن سينا (ت : 429ﻫ/ 1037م)، وقد تبادل معه البيروني مجموعة رسائل. ولما استولى محمود الغزنوي على جرجان، كان البيروني بين الأسرى الذين حملهم السلطان محمود بن سبُكتكين الغزنوي (ت : 420ﻫ/ 1030م) إلى “غزنة”33 ثم رافقه في غزواته، فتعلم اللغة السنسكريتية ودرس ديانات الهند، كما درس الفلسفة الهندية بلغة أهلها، وعرف البيروني اللغة اليونانية. وفي سنة 400 هجري عاد إلى خوارزم، وعمل مدرّسا في مجمع العلوم رفقة ابن سينا ومسكويه.

   إنه الاسم الذي ملأ الدنيا وشغل العلماء. خطا بالفكر التاريخي العربي الإسلامي خطوة عظيمة على مستوى التفسير والتنظير والكتابة. وكان واعيا وعيا تامّا بنوعيّة كتابته. فعندما عاب عليه بعض أصدقائه صعوبة الأسلوب الذي توخّاه في الكتابة، أجاب قائلا :

       « سبب ذلك أني أخلو تصانيفي عن المثالات ليجتهد الناظر فيما أودعته فيها، من كان له دربة واجتهاد وهو محبّ للعلم، ومن كان من الناس على غير هذه الصفة فلست أبالي به، فَهِمَ أم لم يَفْهَمْ، فعندي سواء.»34

   مثله مثل مسكويه والمسعودي، اعتبر البيروني شيعيّا زيديّا ذو معرفة موسوعيّة شملت عديد المجالات. لكن العديد ممن درس بعمق مصنّفات البيروني قد أكّدوا أن عواطفه نحو الشيعة التي انعكست في كتابه “الآثار الباقية” قد خبت بمرور الزمن، « فمنهجه في التفكير يدل على أن مثل هذه المسألة لم تمسّه كثيرا وأن بعض الميول التي عرفها أيّام شبابه قد حلّ محلّها عدم الاكتراث بها.»35

   كتب عديد المؤلّفات منها كتاب « تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة» وكتاب «الآثار الباقية عن القرون الخالية» الذي ألفه وهو شاب، وكتاب « القانون المسعودي في الحياة والنجوم» وهو موسوعة في علم الفلك والجغرافيا والهندسة، أهداها إلى السلطان مسعود بن محمود الغزنوي الذي تولّى حكم غزنة سنة 421ﻫ (1030م). كما كتب كتابا آخر يستعرض فيه أصول وتركيبة المعادن بعنوان «الجماهر في معرفة الجواهر».

   ينبئ الكتاب الأوّل بمدى تفتّح الآفاق المعرفيّة للمؤلّف ورؤيته لمختلف الشعوب ضمن وجود مشترك إنساني عام في القيم والحضارة، فهو كتاب في التاريخ العام يتناول التواريخ والتقاويم التي كانت تستخدمها العرب قبل الإسلام واليهود والروم والهنود، وفيه جداول تفصيلية للأشهر الفارسية والعبريّة والروميّة والهنديّة، ويبيّن كيفية استخراج التواريخ بعضها من بعض. كما « استعرض فيه النظام الطائفي والفلسفة والعلوم الصحيحة والدين والقانون والعادات والأساطير ونظام المكاييل والمقاييس والموازين.»36 وكان البيروني من أوائل من نظّر لكيفيّة قيام الدول والذي لا يتحقّق إلاّ « باجتماع الملك والدين »37 وهذه الفكرة تبنّاها ابن خلدون عندما يقول في فصل : « إن الدول العامّة الاستيلاء العظيمة الملك أصلها الدين، أما من نبوّة أو دعوة حق»، وكذلك بالفصل الذي يليه مباشرة : « في أن الدعوة الدينيّة تزيد الدولة في أصلها قوّة على قوّة العصبيّة» (1/197-199) وكان البيروني على وعي تام بما وصل إليه من تنظير في هذا المضمار فتقدّم للمؤرّخين بمقترحات عمليّة لتفادي الوقوع في الأخطاء عند الكتابة التاريخيّة بضبط شروطها وإشكاليّاتها ومرجعيّاتها ومناهجها قائلا :

       « … وللخبر آفات … وفيه الصدق والكذب» ويعزو الكذب إلى « تفاوت الهمم وغلبة الهراش والنزاع على الأمم. فمن مخبر عن أمر كذب يقصد فيه نفسه فيعظّم به جنسه … ومن مخبر عنه متقرّبا إلى خير بدناءة الطبع أو متّقيا لشرّ من فشل وفزع… ومن مخبر عنه جهلا وهو المقلّد للمخبرين… »38

   ويكرّر البيروني تقريبا نفس هذا الرأي في كتابه الآثار الباقية حيث يقول :

       « إن أقرب الأسباب المؤدّية إلى ما سُئِلتُ عنه هو معرفة أخبار الأمم السالفة وأنباء القرون الماضية… ولا سبيل إلى التوصّل إلى ذلك من جهة الاستدلال بالمعقولات والقياس بما يُشاهد من المحسوسات، سوى التقليد لأهل الكتب والملل وأصحاب الآراء والنحل… ثم قياس أقاويلهم وآرائهم في إثبات ذلك بعضها ببعض بعد تنزيه النفس عن العوارض المُردِية لأكثر الخلق والأسباب المعمية لصاحبها عن الحق وهي : كالعادة المألوفة، والتعصّب والتظافر، واتّباع الهوى والتغالب بالرئاسة وأشباه ذلك.»39

   وكان البارون كارا دي ڤو من بين الأوائل الذين أشاروا إلى أن البيروني وضع ستّ مبادئ في الكتابة التاريخيّة الموضوعيّة40 دون أن يتفطّن البارون إلى أن هذه المبادئ قد كرّرها ابن خلدون في الكتاب الأوّل مضيفا إليها المبدأ السّابع وهو « الجهل بطبائع العمران »، وهو سابق على الأسباب الستة الأولى حسب رأيه. فيقول مشيرا إلى أسباب تطرّق الكذب إلى الخبر :

       « فمنها التشيّعات للآراء والمذاهب… الثقة بالناقلين… الذهول عن المقاصد… توهّم الصدق وهو كثير… الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع… تقرّب الناس في الأكثر لأصحاب التجلّة والمراتب بالثناء والمدح… الجهل بطبائع الأحوال في العمران.» (1/46-47)

   أما الكتاب الثاني للبيروني، أي «الآثار الباقية»، فقد صنّفه في التاريخ العالمي، قدّم فيه صورة للتاريخ البشري وللحضارة الإنسانيّة وفق منهج يرصد النتائج المهمّة والآثار العميقة التي وجّهت التاريخ الإنساني كلّه41 حيث يدعو إلى وجوب تجاوز روايات المؤرّخين التي تصف « أعمال الملوك وأفاعيلهم المشهورة عنهم ما تستنفر عن استماعه القلوب وتمجُّه الآذان ولا تقبله العقول»42 وعندما نقرأ لابن خلدون تنديده بالمؤرّخين عند ذكرهم « الدول ونسق ملوكها فيذكرون اسمه ونسبه وأباه وأمه ونساءه ولقبه وخاتمه وقاضيه وحاجبه ووزيره، كل ذلك تقليد لمؤرخي الدولتين من غير تفطن لمقاصدهم… فما الفائدة للمصنف في هذا العهد في ذكر الأنباء والنساء ونقش الخاتم واللقب والقاضي والوزير والحاجب من دولة قديمة لا يعرف فيها أصولهم ولا أنسابهم ولا مقاماتهم؟ إنما حملهم على ذلك التقليد والغفلة.» (1/41-42) أقول، عندما نقرأ هذا التنديد الخلدوني، فكأنّنا تقرأ ما دعا إليه البيروني ثلاثة قرون قبل صاحب العبر. وعندما يميّز ابن خلدون بين العصبيّة الإيجابيّة (المحمودة) في بداية الإسلام، والعصبيّة السلبيّة (المذمومة) أو «على الباطل» في الجاهليّة، فإنه لا يتّفق مع العديد من فطاحل الفكر العربي الإسلامي. فعندما يستعرض الجاحظ (ت : 255ه‍ / 869م) السياسة الأمويّة المتّبعة خلال القرن الأوّل للهجرة تجاه القبائل العربيّة، والقائمة على مبدأ “فرّق تسُد”، فإننا نجده مندّدا بسياستهم قائلا :

       «… وبلغوا غايات البدع، ثم قرنوا بذلك العصبيّة التي هلك بها عالم بعد عالم، والحميّة التي لا تبقي دينا إلاّ أفسدته، ولا دنيا إلاّ أهلكتها، وهو ما صارت إليه العجم من مذهب الشعوبيّة، وما قد صار إليه الموالي من الفخر على العجم والعرب.»43

    ثم نجد التوحيدي قد ندّد هو أيضا بالعصبيّة سواء في الحقّ أو في الباطل قائلا :

       « فإن العصبية في الحق ربما خذلت صاحبها وأسلمته وأبدت عورته واجتلبت مساءته، فكيف إذا كانت في الباطل… فإن جاحد الحق يدل على من نفسه على مهانة وجاهل النقص يدل من نفسه على قصور.»44

   أما البيروني فلا يرى في هذه الظاهرة سوى أنها « تعمي الأعين البواصر وتصمّ الآذان السوامع وتدعو إلى ارتكاب ما لا تسمح باعتقاده العقول.»45 واستعمال الجاحظ والتوحيدي والبيروني لهذا المفهوم [العصبيّة] ينفي ما أكّده ريشار والزر من أن هذا المصطلح من ابتكارات ابن خلدون وأن لا أحد قبله قد توصّل إليه.46

   لقد حظي البيروني باهتمام المستشرقين مبكّرا، من بينهم كراتشكوڤسكي الذي خصّص له دراسة وافية بكتابه ” تاريخ الأدب الجغرافي العربي”47 حيث يؤكّد على عظمة وسموّ هذا العالم الذي « اتجه اهتمامه إلى نواح من العلم لم تكن معهودة للدارسين في العصور الوسيطة الإسلاميّة … وقد كانت معروفة لديه بلدان إفريقيا الواقعة إلى الجنوب من خط الاستواء، فهو يذكر أن هنالك أصقاعا جنوبيّة “يكون فيها الوقت شتاء عندما يكون لدينا صيفا”»48

   لقد تغافل ابن خلدون عن ذكر البيروني لأنه كان يعتبر هذا العالم العظيم في الصفّ المقابل : الشيعي الزيدي أو الاسماعيلي الذي يجب تجاهله كي لا يُتَّهم من قبل أوساط العلماء والفقهاء من أهل السنّة “بالمروق عن الدين القويم”. وعندما نعمّق المقارنات بين ما كُتب في المعرفة خلال القرن الثالث والرابع للهجرة مع ما تطرّق إليه ابن خلدون خاصّة في المقدّمة، فإننا سنلاحظ أن كل الأفكار التي بدت للبعض، خلدونيّة أصيلة فذّة ومبتكرة، لم تكن في الحقيقة جديدة على الفكر العربي الإسلامي، لكننا نجد ابن خلدون مسترجعا إيّاها في عصر تدهور الثقافة العربيّة، متحاشيا الإشارة إلى أصحابها، منكرا تأثّره بالبعض منهم.

    فنظريته المشهورة التي قام بتدريسها لتلامذته والمتمثّلة في اعتبار المدى الزمني الأقصى للجيل الواحد لا يتجاوز 120 سنة، وهو مدى امتداد الدول قبل سقوطها حسب رأيه، فإننا نجد هذه النظريّة أيضا لدى البيروني الذي يقول : « وأن العمر الطبيعي هو مائة وعشرون سنة لأن قوام العالم بالشمس.»49 حسب رأي الفلكيين والمنجمين، لكنّه لا يعتقد في هذه الفكرة فيقول : « … ولو اتبع الحق أهوائهم، لفسدت السموات والأرض.»50 وبالتالي فإنّنا نستشفّ أن « موقفه من التنجيم كان موقف المستريب، بل المتهكّم أحيانا.»51 في حين أن هذه المدّة لعمر الدولة حسب المفهوم الخلدوني تتناقض مع الحقيقة التاريخيّة للامتداد الزمني للدولة الحفصيّة التي تواصلت لأكثر من ثلاثة قرون.52

   إن « رسالة التحذير من الترك » التي أوردها البيروني بكتابه الآثار الباقية  ضمن إطار القصص التي « تجري مجرى الأحماض من الهزل والسخف»53 أخذها ابن خلدون بكلّ جدّيّة ودرّسها لتلامذته مشدّدا على القول أن لا مخافة على ملك مصر إلاّ من العثمانيين الترك، إذ يقول العسقلاني حول المراسلات التي كتبها الظاهر برقوق إلى السلطان العثماني مراد الأوّل54 :

   « … وكاتبه الظاهر وهادنه وأرسل إليه أميرا بعد أمير ولم يبق أحد من الملوك حتى كاتبه وهاداه، حتى كان الظاهر يخاف من غائلته ويقول : لا أخاف من اللنك فإن كل أحد يساعدني عليه وإنما أخاف عثمان. وسمعت ابن خلدون مرارا يقول : ما يخشى على ملك مصر إلا من ابن عثمان، ولما مات الملك الظاهر كثرت الأراجيف بأنه سيقدم لأخذ مصر.»55

   فتحميض التأليف لدى البيروني، أصبح جدّيّة وتنظيرا لدى ابن خلدون، ودعوة للحذر في إطار دروس تُلقى، مع العلم أن البيروني لم يقم إلاّ بإتّباع طريقة في التأليف انتهجها الجاحظ قبله بحوالي قرنين من الزمن، تتمثّل في إقحام بعض النوادر للترفيه عن القارئ حتّى لا يملّ الكتاب.56 والبيروني نفسه يعترف بصلاحيّة هذه الطريقة فيقول في الآثار الباقية :

   « … ونحن، وإن صرنا في بعض المواضع نتردّد في فنون، ونخوض فيما اتّصاله بالنظم اتصال بعيد، فليس ذلك منّا طلب تطويل، ولا إكثار، بل إرادة تبعيد الناظر فيه عن الملال، فإن النظر إذا دام في فنّ واحد دعا إلى الإملال وقلّة الصبر، وإذا خرج من فنّ إلى فنّ فكأنه متردّد في حدائق…»57

   إن الاستنتاجات المذكورة أعلاه لا تستنقص شيئا من مجهود ابن خلدون ومساهمته الإيجابيّة في استحضار أفكار التراث العربي الإسلامي، فصاحب العبر يظل مثل الشجرة المثمرة الوارفة التي أينعت بفضل جذورها الممتدّة في عمق الحضارة الإنسانيّة. وقد تفطّن فعلا إلى أن « كل شيء هو بالضرورة تاريخي متحوّل، خاضع بطبعه للتحوير، ومثلما يقول ميشال فوكو : لن نجد أبدا موضوعا على حالته الأوّليّة البدائيّة أبدا.»58 ونفس هذه الفكرة عبّر عنها ضياء الدين بن الأثير59 في كتابه “المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر” حيث يقول : « ليس لقائل أن يقول إني لا أجد من المتأخّرين معنى مبتدعا، وإنّه لم يبق معنى من المعاني إلاّ وقد طُرق مرارا، والصحيح أن باب الابتداع للمعاني مفتوح إلى يوم القيامة، ومن الذي يعجز عن الخواطر وهي أذفة لما لا نهاية له.»60 ونجد هذه الفكرة بعينها لدى ابن خلدون عندما يقول :

        « ولا يقاس شيء من أحوال العمران على الآخر كما اشتبها في أمر واحد، فلعلهما اختلفا في أمور، فتكون العلماء لأجل ما تعوّدوه من تعميم الأحكام وقياس الأمور بعضها على بعض إذا نظروا في السياسة افرغوا ذلك في قالب أنظارهم ونوع استدلالاتهم فيقعون في الغلط كثيرا ولا يؤمن عليهم.»(1/746)

   خاتمة البحث :

  

   إن المتتبّع للكتب التي درسها ابن خلدون سواء على يد شيوخه أو تبعا لمطالعاته الخاصة؛ والمتعمّق في حياة هؤلاء الفقهاء والعلماء يستنتج أن أغلبها قد كُتِب خلال القرن الرابع للهجرة، فيبدو أنه قد اعتمد اتجاها معاكسا لمعاصريه، ينحو نحو منهجيّة مؤرّخي العهد الكلاسيكي للحضارة العربية الإسلاميّة، متجاوزا أحيانا الكتابات التاريخية التي تلت هذه المدة، ولا سيما كتابات مؤرّخي عصره.

   ويمكن أن نستوعب حجم وضخامة هذا الجهد عندما نعلم أن ابن خلدون لم يكتف بسرد تاريخ الشعوب الإسلاميّة مثلما كان التقليد جاريا خلال القرون التي سبقته، بل سعى إلى إدماج تاريخ الأمم غير الإسلاميّة والعودة إلى تاريخها القديم محاولا تتبّع الأحداث زمنيّا دون إغفال فترة أو حقبة تجاهلها الذين سبقوه لعدم توفّر المصادر لديهم، أو بسبب اعتقاد ديني أو سياسي دفعهم إلى غضّ النظر عمّا يمكن أن يثير بعض التساؤلات، أو حتّى بسبب انحسار الرؤى. فسعة اطّلاعه هذه دفعتنا إلى التحرّي في تأكيده على هذا الكمّ المعرفي وفي كيفيّة تأليفه بين مختلف هذه المصادر في زمن انحسار المعرفة وتقهقرها./.
 

الهوامش:

1- بعد هذا التاريخ، واصل ابن خلدون كتابة بعض الفصول من “التعريف” إلى الشهر الخامس قبل وفاته أي سنة 808ﻫ / 1406م.
2-  محمد أركون، نزعة الأنسنة في الفكر العربي : جيل مسكويه والتوحيدي، ترجمة وتعليق هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، 1998،  ص 145، هامش رقم 11.
3-  مسكويه : ترجم له العديد منهم ياقوت الحموي، في معجم الأدباء، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1993. 2/175-185. وابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ضبطه وصحّحه محمد باسل عيون السود، بيروت، دار الكتب العلميّة، ط 1، 1998، ص 305. وأنظر “محاولة” محمد أركون في كتابة سيرته الذاتيّة. نزعة الأنسنة في الفكر العربي، ص 137-201. وجملة أعماله بنفس المرجع ص 203-242.
4-  (4/563) : = الجزء 4 والصفحة 563 من كتاب العبر وديوان المبتدأ و الخبر في أيام العرب و العجم و البربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، ضبط المتن ووضع الحواشي والفهارس خليل شحادة، مراجعة سهيل زكار، بيروت،  دار الفكر، ط 1، 2001، 8 أجزاء.
5-  ابن نخيل : أبو عبد الله محمد بن أحمد (ت : 618 ه‍/1221 م) كاتب عبد الواحد ابن أبي حفص، نقل عنه التجاني وابن خلدون والزركشي. أنظر : الفارسية في مبادئ الدولة الحفصيّة، تحقيق وتقديم محمد الشاذلي النيفر وعبد المجيد التركي، تونس، الدار التونسية للنشر، 1968، ص 105. وأنظر كذلك الزركشي، تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية، تحقيق وتقديم الحسين اليعقوبي، المكتبة العتيقة، تونس، ط 1، 1998، ص 40.
6-  عند عودته إلى تونس في شعبان سنة 780 (نوفمبر 1378)، قام ابن خلدون بكلّ ما أُوتي من ذكاء وفطنة للتقرّب من السلطان أبي العباس الحفصي، فأهداه كتابه العبر ملحقا نسب الحفصيين بالخليفة عمر بن الخطّاب مثلما فعل قبله حازم القرطاجني. وابن نخيل؛ ويُحِلَّهم أكرم محلّ من قريش قائلا : «… وقد كلفني بالإكباب على تأليف هذا الكتاب لتشوقه إلى المعارف والأخبار، واقتناء الفضائل … وأكملت منها نسخة رفعتها إلى خزانته … فلما رفعت له الكتاب وتوّجته باسمه، أنشدت في ذلك اليوم هذه القصيدة امتدحه، وأذكر سيره وفتوحاته وأعتذر عن انتحال الشعر واستعطفه بهدية الكتاب إليه فقلت :
قوم أبو حفص أب لهم وما    {    أدراك والفاروق جدّ أول
هذا أمير المؤمنين إمامنا    {    في الدين والدنيا إليه المؤول
هذا أبو العباس خير خليفة    {    شهدت له الشيم التي لا تجهل
يا مالكا ومع الزمان وأهله    {    عدلا وأمنا فوق ما قد أمّلوا»(7/640-647)
وقد مدح الحسن حازم القرطاجني ( ت : 684 ﻫ / 1285 م ) السلطان أبا زكرياء الحفصي قائلا :
خليفة الله، أوليت الورى مننا    {    فما استقلّ بها شكر ولا اضطلعا
مضريّة أعراقه عدويّة    {    تنمى إلى الفاروق منه مناسب
هو الناصر المنصور والملك الذي    {    أعاد شباب الدهر من بعد ما اشمطّا
فبوركت سبطا جدّه عمر الرضى    {    وبورك من جدٍّ غدوت له سبطا
حازم القرطاجني، قصائد ومقطعات، تحقيق وتقديم محمد الحبيب ابن الخوجة، تونس، الدار التونسية للنشر، 1972، ص 89 و 157 و159 و163. وأنظر : مخلوف محمد بن محمد، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، بيروت، دار الفكر،  دون تاريخ، مجلّد واحد، ص 197.
7-  يقول ابن العبري : « وفي أيام القاهر كان ابتداء دولة بني بويه، وهم ثلاثة … أولاد أبي شجاع بويه بن فناخسرو من ولد يزدجر بن شهريار آخر ملوك الفرس. وهذا نسب عريق في الفرس.» تاريخ مختصر الدول، بيروت، دار الآفاق العربيّة، 2001، ص 160.
8-  يشير محمد أركون إلى أن اعتناق مسكويه للإسلام الشيعي كان فاترا جدا، … وبالتالي فان شيعيّته كانت نظريّة وتأمّليّة أوّلا وقبل كل شيء، تماما كشيعيّة الفرابي أو إخوان الصفا . ويبدو أن مسكويه « كان مجوسيّا وأسلم وكان عارفا بعلوم الأوائل معرفة جيّدة » حسبما ذكر ذلك ياقوت الحموي. [أنظر ياقوت الحموي، معجم الأدباء، 2/179، ونزعة الأنسنة، ص 132 و198.]
9-  علي أومليل، الخطاب التاريخي، ص 39.
10-  التوحيدي، الامتاع والمؤانسة، الليلة 2، 1/31.
11-  مص. ن، الليلة 8، 1/96.
12-  محمد أركون،  نزعة الأنسنة في الفكر العربي، ص 203. ويتناقض أركون هنا مع ما كتبه في “الإسلام الأخلاق والسياسة، حيث يعتبر كتاب “تجارب الأمم” كتاب تاريخ كوني. أنظر، الكتاب الأخير، ص 99.
13-  محمد أركون،  نزعة الأنسنة في الفكر العربي، ص 237.
14-  تجارب الأمم، بور سعيد-الظاهر (مصر)، مكتبة الثقافة الدينيّة، دون تاريخ، ثلاثة أجزاء. 2/136-137.
15-  ‏الحسن بن بويه (284-366 ﻫ/ 897-976 م) أحد الأخوة الثلاثة الذين أسسوا الدولة البويهية في فارس ومن كبار ملوكها (حكم حتى سنة 366 ﻫ/976 م)، بسط نفوذه على إصفهان والري وهمذان.‏
16-  أنظر التفاصيل التي أوردها مسكويه حول تبذير أموال الدولة. تجارب الأمم، 1/238-241.
17-  أنظر المآخذ التي سجلها مسكويه على معز الدولة البويهي. مص، ن. 2/ 146 و 173-176، حيث يستنتج أخيرا « أن هذا الفساد كان في أيّام معزّ الدولة كالطفل الناشيء لهيبته وبقيّة حشمته، ثم ظهر الإفراط بعد على أولاده، ولما أتى عليه الزمان بعد وفاته.» وأنظر ملاحظاته حول سياسة بختيار ابن معز الدولة. مص، ن. 2/234-238، فصل : “ذكر سوء تدبير بختيار لمملكته ولنفسه”.
18-  محمد أركون،  نزعة الأنسنة في الفكر العربي، ص 150-151.
19-  تجارب الأمم، 2/37-238.
20-  الكامل في التاريخ، ص، 1225-1226، طبعة بيت الأفكار الدوليّة، عمان/الرياض، د. ت.، 2000 ص.
21-  محمد أركون،  نزعة الأنسنة في الفكر العربي، ص 567.
22-  مسكويه،  تجارب الأمم، 2/99.
23-  يقول محمد الطالبي :    
« Ses idées étaient exactement celles des Ihwan al-Safa … mais l’auteur qui a donné, à nôtre sens,  à la théorie de l’évolutionnisme le développement le plus complet et le plus systématique, et auquel Ibn Haldun, sans le citer nommément, emprunte indubitablement l’essentiel de ses idées dans ce domaine,  est incontestablement Miskawayh… Si nous nous sommes attardés à relater les idées de Miskawayh,  c’est que nous retrouvons la même vision du monde chez Ibn Haldun… Comme les Ihwan al-Safa et Miskawayh,  il (Ibn Haldun) distingue des différents règnes, qui,  grâce à des transitions progressives constituent en fait une même et indissoluble chaîne d’évolution et cite les mêmes exemples.» Talbi, M,  Ibn Haldun et l’Histoire, Maison Tunisienne de l’Edition, Tunis, 1973, p 100,  102 & 103.
ويكرّر الطالبي نفس هذا المعطى في مقاله الذي شارك به خلال ندوة ابن خلدون المنعقدة في شهر فيفري 1979 بالرباط، فيقول : « إن ابن خلدون كعادته عموما، لا يذكر مصادره غير أن الذي نستفيده من دراسة المقدمة هو أنه كان قد تأثر خاصة… برسائل إخوان الصفا ومؤلفات مسكويه وذلك يتضح جليّا.» [النظريّة الإرتقائيّة، جذورها في التفكير العربي الإسلامي وأثرها في مقدمة ابن خلدون، أعمال ندوة ابن خلدون، الرباط من 14 إلى 17 فيفري 1979، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة، الرباط، (1981)، ص 207-208.
24-  أنظر المقارنة التي يطرحها محمد أركون بين مسكويه وابن خلدون حول معالجتهما للكتابة التاريخيّة وتطوّرها من التوجه الأخلاقي الفلسفي إلى التوجه التحليلي والموضوعي : « فالناموس المعياري لدى مسكويه وابن خلدون يظل إما مختبئا وراء عمليّة الانتقاء والحذف … وإما موحى به من خلال التحليلات ذات النمط السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي. وهذا النوع من التحليلات مقتصر على كتب مسكويه وابن خلدون، ولهذا السبب يشكّلان مرحلة متقدّمة بالنسبة لمن سبقهما.» الإسلام الأخلاق والسياسة، ص 99-100.
25-  تجارب الأمم، 2/96-97.
26-  أوحى لنا بهذه المقارنة محمد أركون في ” نزعة الأنسنة، ص 302-308، فصل الاقتصاد والمجتمع : الانعكاسات الاجتماعيّة-الاقتصاديّة لصعود البويهيين. وأنظر في نفس الكتاب فصل : “التاريخ الاقتصادي والاجتماعي في تجارب الأمم”، ص 574-575.
27-  البيروني : ترجم له العديد، منهم البيهقي علي بن زيد بن محمد، تتمّة صِوان الحكمة، تحقيق وضبط وتعليق رفيق العجم، بيروت، دار الفكر اللبناني، 1994، ص 74-75. وابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء، ص 421. ياقوت الحموي، معجم الأدباء، 1993، 6/377-385. وأنظر الدراسات التالية :
    مارتن بلسنر M. PLESSNER. ، في كتاب جماعي بعنوان : تراث الإسلام، تصنيف جوزيف شاخت وكليفورد بوزورث، سلسلة عالم المعرفة، طبعة 3، ج 2، الكويت، 1998، ص 150-153.
    كراتشكوڤسكي أغناطيوس يوليان

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق