ابن رشد، محاولة قراءة تحليلية

{{تقديم:}}

تحاول هذه المداخلة مقاربة إشكالية تتجلّى في كيفية تعامل ابن رشد مع موضوع المرأة، وكيفية إشكال أوضاع النساء ومفهوم النسوية، انطلاقا من عملين مهمّين ضمن متنه الغزير، وهما “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” و”الضروري في السياسة”.

والهدف من هذا العمل هو محاولة لتأصيل النسائية/النسائيات على الأرض العربية المسلمة، وذلك عبر إعادة تملّك إحدى المحطات الأساس وأحد جذور التنوير الغربي، إنها لحظة ابن رشد.

أما منهج المعالجة المعتمد، فهوالمنهج النسائي féministe الذي يرتكز على المقولات والثنائيات التحليلية الآتية: الميزوجينية(1) la misogynie؛ المركزية الذكورية(2) l’androcentrisme؛ التمييز الجنسي أو الجنسانوية(3) le sexisme؛ الثنائيات المتقابلة مرأة/رجل، الفضاء الخاص/الفضاء العامّ، تبعية النساء/سلطة الرجال، الطبيعيّ/الثقافيّ، الجنسانية sexualité/الجسد.

يعتبر ابن رشد بحقّ، فيلسوفا متنوّرا قبل التنوير، وإحدى القمم التي ألهمته بل وألهبته مع الاعتراف بالإرث التنويري للنسائية من حيث جذورها التاريخية وإطارها المطلبيّ، وكذلك مع استحضار النقد النسائي لصفته الذكورية machiste ومركزيته الذكورية منذ أعمال النسائية البريطانية ماري وولستنكرافت Mary Wollstoncraft إلى يومنا هذا.

فمن زاوية النظر النسائية يستحقّ ابن رشد أن يشكّل موضوعا للدراسة والتحليل، لأنه قام بعمل مساءلة الثقافة الاجتماعية لعصره معتبرا إيّاها المسؤول الوحيد عن الأوضاع المتردّية للنساء وتبعيتهنّ للرجال، لم يسبقه في ذلك أحدٌ في الشرق ولا في الغرب الذي كان يرزح تحت ظلام القرون الوسطى. إذ تقول سيليا أمروس، الفيلسوفة الإسبانية صاحبة كتاب ” نحو نقد نسائي للعقل الأبوي”Hacia una crítica feminista de la razón patriarcal: ” انطلاقا من الموقف النسائي التنويري الذي ننتمي له، نؤكد أن الثقافات التي ساءلت الأدوار النمطية للنساء وتبعيتهن تبقى مفضلة عن تلك التي لم تقم قط بمثل العمل”. إن ابن رشد لا يستحق فقط الاهتمام من طرف البحث النسائيّ، لأنه يعتبر من بين أهمّ المؤسّسين للفكر العقلانيّ التنويريّ الذي سيطلق صيرورة الحداثة والديمقراطية، نظرا للدور الذي قام به الرشديون اللاتين في ذلك طيلة القرن الثالث عشر، بل لأنه ساءل أيضا وبشكل أصيل شرط تبعية النساء في محيط سوسيوثقافي يغلب عليه المشروع السياسي للغزالي المعادي للعقل والنساء.

يمكن اعتبار ابن رشد أحد الأصول الأساسية في جنيالوجيا النسائية العربية التي لم تنجز بعد، لأنه اعتبر بوضوح وصفاء لم يسبقه فيهما أحد، عامل التربية والتنشئة التمييزية ضدّ النساء المسؤول الوحيد عن دونية النساء التي ستجعل منهنّ مجرّد كائنات لا تعدو أن تتغذّى وتتوالد كالنبات. وتشكّل النساء أيضا جزءا من المشروع السياسي والاجتماعيّ لابن رشد عندما اعتبر أوضاع تدجين domesticité النساء سببا في تفقير المجتمع الأندلسي لعصره. وأنّ عددهنّ الذي يتجاوز عدد الرجال، مع أوضاع التدجين وعدم الاستفادة من طاقاتهن العقلية، عائق أمام تحقيق المدينة الفاضلة.

إننا ونحن نتناول اليوم بالتحليل خطاب ابن رشد من زاوية العلاقات الاجتماعية بين النساء والرجال، لا نتوهم بل ولا ننتظر أن نجد الإجابات الشافية لإشكالات عجزنا على حلّها اليوم، عند رجل، مهما كانت فرادته، عاش في مرحلة بعيدة عنا بأزيد من ثمانية قرون. إن هذا المسعى يحاول أوّلا إغناء وتنويع مصادر النسائية ومراجعها المحسوبة على الغرب، وثانيا محاولة لإعادة الثقة في النفس الجمعية العربية عموما والنسوية féminine على وجه الخصوص، لما تتعرّض له يوميا من هجوم اجتماعي وثقافي.

أولا- لماذا ابن رشد بالنسبة للنسائية العربية الإسلامية؟ لا نريده أن يأتينا نسائيا من الغرب، نريد استعادته شرقيا.

{{ أ) ابن رشد متنوّر avant la lettre قبل التنوير: }}

لقد دافع ابن رشد عن الفلسفة انطلاقا من الدين ليوطّنها في تربة الإسلام اعتبارا من أنها غريبة عنه. فظلّ وفيّا للعقل أيّما وفاء دون أن يمسّ بحقيقته ولا بالحقيقة الدينية، وقد اعتبرهما غير متناقضتين بل الحقّ عنده لا يضادّ الحق بل يوافقه ويشهد له.غير أنه ميّز بين مستويين منهما، كلّ واحد موجّه لفئة معيّنة من الناس، إذ الحقيقة العقلية ليست ممكنة إلا للخاصة من الناس، أي علماؤها. والثانية أي الدينية لعامّة الناس تخاطبهم في مستوى قدراتهم الإدراكية. ومردّ هذا التقسيم أنّ معرفة العامة من الناس معرفة حسّية لاترتقي لمستوى التجريد. وحتى لا تسبّب الحقيقة الأولى الفتنة للذين يعجزون عن فهمها، حرص ابن رشد على عدم تعميم المعرفة العقلية، وقد يكون ذلك أحد أسباب عدم النجاح في توطين العقلانية في التربة العربية الإسلامية. إن العقل الإنساني عند فيلسوفنا قادر على الوصول للحقيقة الدينية دون مروره بالطريق الشرعي.

فما علاقة النسائية كحركة اجتماعية وكفكر، بابن رشد؟ أليست عملية الربط هذه مجرّد ليّ عنق فكر ابن رشد جراء هوس نسائيّ؟ إنّ الإرث النسائي السياسي والفكري يمتح جذوره من رحيق الحركة التنويرية بكل مشاربها، بل هو نتاج له لأنه ما كان إنها عبارة عن حركة عقلانية.

والمقصود بالعقل والعقلانية المتداولة هاهنا ليس الدخول في التفاصيل الفلسفية كما تناولها ابن رشد. العقل الخالص أوالقبلي à priori أي المولود فينا قبل التجربة، والعقل التجريبي الحسي à postériori. وأين يتساوى الرجل والمرأة على هذا المستوى؟ هل في العقل الموهوب/الهيولي والذي يتوحد فيه الجنس البشري. أم في العقل المكتسب والذي يختلف فيه الناس؛ ليس حسب الجنس لأنّ كل من الرجل والمرأة ينتميان لنفس النوع وبالتالي فهما موهوبان نفس العقل، ولكن حسب الدرجة كما يقول بذلك فيلسوف قرطبة. وهوما سنعود له بالتفصيل.

ماذا يعني العقل بالنسبة لابن رشد؟ لقد سبق ابن رشد المفكرين المتنورين في تعريفه للعقل بأنه ليس إلا إدراك العلاقة بين الأسباب والمسببات، ومن رفع الأسباب بالنسبة له فقد رفع العقل. إن عقلانية ابن رشد عقلانية واقعية. وهو ما سيتمّ تداوله في القرن الثامن عشرعلى أن العقل هو القدرة على إدراك العلاقة بين الحقائق رغم قصر النظر الذي ميّز عقلانية التنوير هذه من حيث النوع. فالنسائية كفكر شديدة النقد لعقلانية التنوير الاصطفائية من حيث الجنس.

إن الاشتغال على هذا المستوى ذو أهمية بالغة بالنسبة للنسائية لفهم كيف فكّر القدماء، فالقديم دائم الحضور في ميكانزمات اشتغال الذهن البشريّ من أجل معرفة كيفية انتاج اللامساواة على مستوى الأفكار والتمثّلات المنحرفة من حيث النوع.

إنّ المقصود بالعقل هي تلك المرحلة التي بلغ فيها الإنسان سنّ الرشد في علاقته بالطبيعة وقرّر أن يتحمّل المسؤولية الكاملة في أفعاله وأقواله النابعة من قوّة كامنة فيه وليست صادرة عن قوة إلهية. مع استحضار الحركة الفكرية التصحيحية، التي تزعمتها النساء الغربيات، للمركزية الذكورية l’androcentrismeللتنوير، كأعمال أولامب دو كوج Olympe de Gouge وماري وولستن كرافت Mary Wolltoncraft وبولان دو لبار Poulain de la Barre .

فما كان بالإمكان ولادة النسائية كفكر وكحركة سياسية خارج أجواء التنوير السياسية والفكرية. غير أن ذلك لا ينفي ظهور بوادرلها قبل ذلك، مع التأكيد على أن النسائية حركة معاصرة. إذ ظهر المفهوم مع بداية القرن التاسع عشر. فبنفس القدر الذي أكّدت فيه النسائية انتماءها للتنوير وعقلانيته، انتقدت عقلانيته المركزية الذكورية.

فلقد أبدعت مادم دو ستايل Madame de Stael (1766-1817)عندما قالت: “لا يتداوى التنوير إلا بمزيد من الأنوار”، وبذلك تكون النسائية باعتبارها حركة نقدية أنوارا تداوي التنوير من مركزيته الذكورية الإقصائية للنساء.

مرّ ما يقارب خمسة قرون على الثورة الكوبرنيكية التي سيعرف فيها العقل البشري أكبر ارتجاج سيفقد فيه مرتكزه الثابث، إذ سيصبح هذا العقل المتمركز حول نفسه والذي جعل من الأرض مركزا للكون، مع كوبرنيك مجرد وهم في اللاعقل، وهو ما سيشكّل تصدّعا حقيقيّا في بنية التفكير المتمركز حول الأرض وبالتالي حول الإنسان الذي هو في آخر المطاف ليس إلا رجلا. اليوم نعيش ثورة كوبرنيكية ثانية، إنّها ثورة تهزّ بشكل ناعم تمركز الحياة حول الرجل بما أنّ المقولة الأساس للنوع هي نقد المركزية الذكورية.

إنّ النسائية تشكّل براديكما جديدا للقياس والتحليل، بما أنّ لها تصوّرا جديدا للحياة ومقولات خاصة بها للتحليل والتفكيك. فإذا كان تصوّرها هو تفكيك الاعتقاد بأنّ العالم يدور حول الرجل، فإنّ أفقها هو أنّ العالم يدور حول الإنسان الذي هو المرأة والرجل. وانطلاقا من ذلك فالنسائية تطرح أسئلة جديدة في تعاملها مع الظاهرة التي تقوم بتحليلها. فمساءلة ابن رشد ستكون بأدوات وأسئلة جديدة.

إن انتقاد براديكم النسائية باعتباره مجرد آراء أيدلوجية فاقدة للموضوعية المطلوبة في أيّ علم مردود عليه مع وجود المفهوم ومع الانتقاد للموضوعية العلمية المزعومة. إن النسائية ليست أقل موضوعية ولا أكثر من مجالات المعرفة الأخرى.

{{ب) ابن رشد ساءل أوضاع النساء المتردية مؤشكلا إياها:}}

هل المرأة كائن عاقل بالنسبة لابن رشد؟ هل عقل المرأة مساو لعقل الرجل؟ يعتبر الشارح الكبير لاستاجيري أن المرأة والرجل متساويان من حيث النوع أي النوع البشري. وأما الاختلاف بينهما فهو بالعرض. فكما نجد الاختلاف داخل نفس الجنس نجده بين الجنسين. إن ابن رشد آمن بقدرة الإنسان على امتلاك المعرفة إلى أبعد حدود فهو يؤمن بالتقدم وبتحقيق الكمالات لدى جنسيه على حد سواء. إن ابن رشد في هذا وإن كان قد أحدث قطيعة سوسيولوجية مع ميزوجينية أرسطو معتبرا المرأة جزءا من مشروعه السياسي الإصلاحي، فإنه فيزيائيا ظل وفيا للمعلم الأكبر. فالمساواة من حيث النوع مصدرها فكرة تمييزية في دور كل من المرأة والرجل في التناسل. إذ ان ابن رشد على خلاف جالينوس Galeno الذي اعتبر لكل من الرجل والمرأة دورا فعالا في التناسل، سيظل متشبتا بالفكرة الأرسطية التي تعتبر الذكر هو الفعال/يعطي الشكل الخالد في هذه العملية بينما المرأة مجرد مستقبلة/تعطي المادة الفاسدة. ولهذا وبما أن الرجل هو الذي يهب الذكور فلا بد أن يكون شيء منه في المخلوق. فالذكر لا يمكن أن يعطي أنثى. فالأنثى عبارة عن تحوّل عارض للمادة. ومن هنا سينطلق أرسطو في أحكامه المحطة بالمرأة بأنها ذكر غير مكتمل…ألخ. وبما أن الذكاء هو صورة الله في خلقه، فلا يمكنه أن يكون سوى رجل.

إن اللامساواة بالنسبة لفيلسوفنا سوسيولوجية وبهذا تصبح عنده عارضة ومؤقتة قابلة للزوال. إن المقاربة الأخلاقية للمرأة داخل الأسرة لا يكفي أنها لم تحظ عنده باهتمام ملحوظ، بل شكلت عنده محلّ انتقاد لاذع واعتبرها معيقا لبلوغ النساء الكمالات العقلية.

{{ثانيا- ما مصلحة النسائية في استعادة ابن رشد؟}}

لماذا التعاطي معه من زاوية التحليل المبنيّ على مفهوم النوع؟ إنّ التحليل النوعيّ للتاريخ ليس ترفا بلاغيا، إن النوع مقولة للتحليل التاريخيّ كما تؤكد على ذلك جوان سكوت، فهو طريقة تمكّن من التفكير في الحياة والسياسة من خلال موشور الاختلاف بين الجنسين. إن تاريخ النساء والنوع علمنا استعمال مقولتين أساسيتن في التحليل: مقولة إقصاء النساء ومقولة حجب النساء invisibilité.

إن نسائية ما بعد الاستعمار التي ننتمي إليها مطروح عليها استيعاب الفكر النسائي الغربي لا بهدف تقليده واجتراره، بل بهدف وضع المسافة معه و معرفة الجسور التي يمكن مدها بين نسائياتنا ونسائياتهم، أي الوقوف عند التقاطعات الموجودة بيننا. وبنفس القدر مطروح علينا استيعاب ثراثنا ووضع المسافة معه لا للإنغماس فيه كما يقول بذلك الجابري.

إن قراءة ابن رشد من زاوية النوع هي محاولة لإعادة قراءته وتجديدها. يعرف ابن رشد صيرورة إعادة تملكه من لدن المفكرين العرب بعدما استحوذ على دراسته اللاتين. يقول الجابري إن الاهتمام بأعماله الأصلية أي تلك التي كتبها هو لأول مرة وليس الكتب التي أعاد كتابتها، من كتب الفقه وتصحيح العقيدة والعلاقة بين الفلسفة والدين (فصل المقال والكشف عن مناهج الأدلة في مناهج الملة) هذه الأعمال ذات أهمية كبرى لتدشين مرحلة جديدة للرشدية في صيرورة النهضة والتجديد العربيين. وبالنسبة للنسائية باعتبارها أرقى مراحل الحداثة، فإن الاشتغال على مجمل المتن الرشدي عبر موشور الاختلاف الجنسي/النوع سيدشن مرحلة جديدة ثانية لا تقل أهمية عما قاله الجابري. إن دراسة ابن رشد من زاوية النسائية ليست عملية جرد لنصوصه حول النساء فحسب، وذلك بالتأكيد له أهميته، بل الأهم من ذلك القيام بالكشف عن الشحنة النقدية فيما يتعلق بأوضاع النساء وربط ذلك بمنهجه التحليلي ومشروعه السياسي. وكذلك القيام بتحليل السياق الاجتماعي والثقافي الذي أنتج فيه مجمل أفكاره. إذا ما أردنا فعلا الاسهام في الفكر النسائي العالمي ليس من تحت ولكن من أعلى. إذا ما أردنا فعلا بناء جنيالوجيا النسائية العربية الإسلامية.

فأفق الاستعادة هو المساهمة في بناء نسائية متعددة الثقافات multiculturel. ومن أجل ذلك نحتاج إلى تنوير متعدد الثقافات وليس تنويرا ممركز إثنيا ethnocentriste. فاستعادة ابن رشد هي محاولة لكسر طوق مركزية الغرب على العقلانية والحداثة والنسائية بإعادة تملك مصادرها وبالتالي إعادة بناء جينيولوجياها. وبهذا نكون قد استعدنا امتلاك الحق في الانتماء لقيم الحداثة ليس من زاوية الانخراط البعدي فيها ولكن من زاوية المساهمة في بنائها.

تهمة النسائية في البلدان العربية والإسلامية أنها حركة برانية، وأنها لازالت لم تنشئ أدواتها الخاصة بها وفي مطلق الأحوال لاتفعل إلا أنها تقلد النسائية الغربية. إن ما نتوق له من خلال ابن رشد هو تأصيل النسائية في تربتنا وإغنائنا لأفق النسائية العالمية عموما التي ننتمي لها.

{{
ثالثا- فيم يمكن أن يفيد ابن رشد النسائية اليوم؟ }}

إن ابن رشد عرف كيف يدافع عن الفلسفة اليونانية في وسط ديني ساد فيه الفقه الرجعي. فقد دافع بشكل خلاق عن الحقيقة العقلية التي لاتكتسي حقيقتها إلا من ذاتها وليس من الحقيقة الدينية. فالعقل لا يحتاج عنده لشفعة.

إن النظر لقاضي القضاة من الزاوية النسائية ذو أهمية علمية في التحليل التاريخي للبناء الاجتماعي للاختلاف الجنسي وذو أهمية سياسية بالنسبة للنسائية/النسائيات على الأرض العربية الإسلامية. أين تكمن الأهمية العلمية؟ وأين تكمن الأهمية السياسية؟

غير أنه إذا اعتبرنا أن ابن رشد سيشكل مدرعتنا ضد الفكر والثقافة الماضويين، فسوف لن نكون أحسن حالا من أولائك الماضويين. إن فهم ابن رشد هدفه أولا رد الاعتبار لإسهامات الثقافات الأخرى في فكر المساواة بين الجنسين. إن ابن رشد لم يجعل من تيمة المساواة بين الجنسين هما له كما نفعل نحن اليوم. بل لم يجعل من المساواة بشكل عام همه. فالمساواة وبالخصوص بين النساء والرجال هم أنواري، إذ أول من سيعبر عنه بالمفهوم الذي نتداوله به اليوم هو Poulain de la Barre ابن الثورة الفرنسية. لكن ابن رشد كان أول من أشكل وضع النساء بالوضوح والجرأة المطلوبين محدثا بذلك قطيعة مع الفكر الأرسطي. إذ تؤكد الفيلسوفة الأسبانية سيليا اموروس قائلة: “انطلاقا من موقعنا النسائي الأنواري، نؤكد أن الثقافات التي التي ساءلت الأدوار النمطية للنساء وتبعيتهن تبقى ثقافات مفضلة مقارنة مع تلك التي لم يسبق لها أن ساءلت هذه الأدوار”.

{{رابعا- النساء في المشروع الفكري لأبن رشد: كيف أشكل الشارح الكبير لأرسطو النسائيّ؟}}

هل كان ابن رشد ميزوجينيا؟ هل ظل وفيا لأرسطو؟ من هو ابن رشد نسائيا؟ ما طبيعة الموقف من النساء، فلسفية أم ثيولوجية؟ ما أصل أفكاره حول الأوضاع المتردية لنساء الأندلس في زمنه؟ كيف رأى الدونية والتبعية؟
لقد جعل ابن رشد من أوضاع النساء سببا في فقر مدن الأندلس. فأصبحت النساء جزءا لايتجزأ من مشروعه المجتمعي. لأن النساء بالنسبة له لم يتم إعدادهن للكمالات والفضائل الأخرى والتي بالنسبة له لاتعني إلا فضائل العقل، إنها الحكمة. إن الضعف الذي تعاني منه النساء ليست عنده راجعة لطبيعتها كما قام بمعيرتها أرسطو، ولكنه فعل اجتماعي محض. وهكذا يكون ابن رشد قد أشكل وضع النساء العربيات المسلمات كما لم يفعل ذلك أحد من قبل. محيدا ومبرئا الطبيعة من أية مسؤولية في دونية النساء وتبعيتهن للرجال. فالطبيعة لم تخلق عبيدا ولاسادة.
يقول الجابري: “كيف أجاب ابن رشد عن سؤال أفلاطون فيما إذا كان من الواجب أن تشارك النساء الرجال مهام حفظ المدينة، فيكون منهن جنديات ومسيرات ورئيسات أم أنه من الأفضل جعل مهمتهن مقصورة على الإنجاب وتدبير البيت وكل مهام الرعاية ، ويجمل تدخل ابن رشد من خلال أربع ملاحظات، يقول ابن رشد في الضروري في السياسة، مختصر كتاب أفلاطون:

1) من الناحية المبدئية:
“قلت، إن النساء من جهة أنهن والرجال نوع واحد في الغاية الإنسانية، فإنهن بالضرورة يشتركن وإياهم فيها (الأفعال الإنسانية) وإن اختلفن عنهم بعض الاختلاف. أعني أن الرجال أكثر كدا في الأعمال الإنسانية من النساء. وإن لم يكن من غير الممتنع أن تكون النساء أكثر حذقا في بعض الأعمال، كما يظن ذلك في فن الموسيقى العملية، ولذلك يقال أن الألحان تبلغ كمالها إذا أنشأها الرجال وعملتها النساء. فإذا كان ذلك كذلك، وكان طبع النساء والرجال طبعا واحدا في النوع، وكان الطبع الواحد بالنوع إنما يقصد به في المدينة العمل الواحد، فمن البين إذن أن النساء يقمن في هذه المدينة بالأعمال نفسها التي يقوم بها الرجال، إلا أنه بما أنهن أضعف منهم فقد ينبغي أن يكلفن من الأعمال بأقلها مشقة”.

2) من الناحية العملية:
“إنا نرى نساء يشاركن الرجال في الصنائع، إلا أنهن في هذا أقل منهم قوة، وإن كان معظم النساء أشد حذقا من الرجال في بعض الصنائع، كما في صناعة النسج والخياطة وغيرهما. وأما اشتراكهن في صناعة الحرب وغيرها فذلك بين من حال ساكني البراري وأهل الثغور. ومثل هذا ما جبلت عليه بعض من النساء من الذكاء وحسن الاستعداد، فلا يمتنع أن يكون لذلك بينهن حكيمات أوصاحبات رياسة”.

3) ومن الناحية الشرعية والمقصود الفكر الإسلامي فإنه:

” لما ظن أن يكون هذا الصنف نادرا في النساء، منعت بعض الشرائع أن يجعل فيهن الإمامة، أعني الإمامة الكبرى، ولإمكان وجود هذا بينهن أبعدت ذلك بعض الشرائع”.

” وقد تبين ذلك بالفحص في الحيوان. أعني أنه ينبغي أن يكون هناك في النساء حافظات، وذلك حاصل عند الحيوانات التي شبهنا بها الحافظ فيما تقدم. ونرى هذا في أنثى الكلاب، فهي تحميه الذكور منها ، وتصارع من الضباع ما تصارعه ذكورها، غير أنها أضعف منها في ذلك. وقد جعلت الطبيعة أحيانا أحيانا للذكر- وهذا نادر- آلة بها يحارب ولم تضعها للأنثى، كما هو عليه الحال في الخنزير(الوحشي). ولما كانت الآلات (كالأنياب والمخالب) التي بها تهاجم الحيوانات التي من شأنها أن تهاجم، هي في الذكر منها والأنثى في الأغلب على حد سواء، فذلك دليل على أن الأنثى تفعل هي أيضا ما يفعله الذكر”.

4) أما الملاحظة الرابعة فتتعلق بوضعية المرأة في المجتمع العربي، وفي الأندلس بصفة خاصة. يقول:
” وإنما زالت كفاية النساء في هذه المدن (مدن زماننا) لأنهن اتخذن للنسل دون غيره وللقيام بأزواجهن، وكذا للإنجاب والرضاعة والتربية، فكان ذلك مبطلا لأفعالهن (الأخرى). ولما لم تكن النساء في هذه المدن مهيئات على نحو من الفضائل الإنسانية، كان الغالب عليهن فيها أن يشبهن الأعشاب. ولكونهن حملا ثقيلا على الرجال صرن سببا من أسباب فقر هذه المدن. وبالرغم من أن الأحياء منهن فيها ضعف عدد الرجال، فإنهن لايقمن بجلائل الأعمال الضرورية ، وإنما ينتدبن في الغالب لأقل الأعمال، كما في صناعة الغزل والنسج، عندما تدعو الحاجة إلى الأموال بسبب الإنفاق، وهذا كله بين بنفسه”.

{{خامسا- هل ظل ابن رشد الفقيه منسجما مع الفيلسوف؟ هل ظل وفيا لعقلانيته؟ نعم ولكن}}

ففي المجال الفقهي قام ابن رشد بعملين، الأول وهو الضروري في أصول الفقه: مختصر كتاب المستصفى للغزالي ؛ والثاني بداية المجتهد ونهاية المقتصد وهوعمل موسوعي ترجم مؤخرا إلى الإنجليزية غير أنه على حد علمي لازال لم يترجم إلى الفرنسية باستثناء بعض الترجمات الجزئية. يقول Urvoy إن هذا الكتاب لايحتوي على أية إحالة فلسفية مباشرة، إلا شبه إشارة في خاتمته وهو ما ليس مألوف في هذا النوع الأدبي.

فمن حيث المنهج ظل وفيا للمنهج الفلسفي والذي لايعني بالنسبة له إلا معرفة الأسباب. إذ عرض في كتاب البداية أسباب الاختلاف بين المذاهب الفقهية السنية بمنهج مقارن وأعطى في كثير من الأحيان آراءه بل أبدع نسائيا بشكل منقطع النظير في بعض القضايا المرتبطة بالمرأة. أنظر رأيه في الولاية وفي الصداق الذي سنعود له لاحقا. وسكت بشكل مريب بعد أن عرض آراء المذاهب في بعض القضايا، على سبيل المثال مسألة الإمامة.
غير أن ما يميز ابن رشد هو حفاظه على خصوصية الخطاب الديني بشكل مستقل عن الخطاب الفلسفي. فلكل منطقه الخاص به. غير أن المنطق العقلاني يبقى حاضرا في تحليل أسباب الاختلاف بين مختلف المذاهب الفقهية.

إن الروح الفلسفية التي يتحلّى بها ابن رشد وإيمانه بإمكانية تحقيق المدينة الفاضلة حيث يحكم الحكماء جعلاه متيقظا دائم النقد ضدا على جبروث الحكام وترسيم العقيدة. فكان همه الكبير هو وضع أسس منهجية بديلة للاجتهاد. فكيف بنى منهجه الهرمنوطقي للنصوص القرآنية والحديث؟ كيف عالج تعارض المعنى الظاهر لنص قرآني مع حقيقة فلسفية؟ إن هذه الأسئلة تكتسي أهمية كبرى بالنسبة للنسائية لأنه سادت قراءات وتأويلات ميزوجينية وتمييزية ضد النساء تارة بحجة المعاني الباطنية وتارات أخرى بحجج المعاني الظاهرة لكن قاسمها المشترك الوصاية على المرأة والتبخيس من قيمتها و قدراتها.

فقد كان لابن رشد هدفان: الأول ويتعلق بتصحيح الشريعة من التأويلات غير العقلانية أي ما سماه بالتأويلات البلاغية الجدلية لعلم الكلام؛ والثاني و يتجلى في استماتة الشارح الكبير لأرسطو في الدفاع عن الفلسفة القادرة على بلوغ الحقيقة بذاتها. إذ اعتبر النظر في الفلسفة واجبا بالشرع قائلا: ” إنا معشر المسلمين نعلم على القطع أنه لايؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة الشرع، فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له”، “فالحكمة هي صاحبة الشريعة وأختها الرضيعة”. ويضيف، ” نحن نقطع قطعا أن كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع، أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي”. وهكذا شكلت الملاحظة الإمبريقية والعقل أساسا لاستنباط المعاني لديه وهو ما أنار مواقفه حول النساء رغم الآراء الميزوجينية السائدة آنذاك في وسطه الاجتماعي والثقافي و في الفكر الأرسطي الذي شكل أكبر عمل قام به على الخصوص.
لذلك سيعتبر ابن رشد المعرفة العقلية تتكون وتتطور داخل المجتمع وليس خارجه وبالتالي فهي نتاج عمل جماعي وتاريخي. والمعرفة العقلية هي أرقى الأعمال الإنسانية وغاية كل عمل إنساني هي معرفة الحقيقة.

من هذا المنظور استطاع ابن رشد فهم وتحليل الأوضاع المتردية لنساء الأندلس وأسبابها. فأصبح بالنسبة له الاختلاف بين النساء والرجال ليس اختلافا من حيث النوع، فهما ينتميان لنفس النوع، ولكن الاختلاف يكمن في أشكال اكتساب المعرفة. وعلى هذا المستوى انتقد التصوف الذي يؤمن ببلوغ الكمالات عن طريق الإيمان و في اعتزال تام عن المجتمع؛ مما يؤكد تشبث ابن رشد بالمعرفة الواقعية التاريخية.
فالنساء إذن إذا عزلن عن المجتمع في مهام النسل والتربية والعناية امتنعت عنهن المعرفة وبالتالي انتفى عندهن شرط بلوغ الكمالات. لكن ابن رشد يؤمن بأنه إذا توفرت للنساء نفس تربية الرجال فيمكنهن آنئذ أن يصبحن فيلسوفات أو حاكمات وأن يتمتعن بالفضائل غاية كل حياة.

إن مواقف ابن رشد متقدمة فيما يتعلق بالمرأة، وهذا بالغ الاهمية بالنسبة للنسائية. لكن الأكثر أهمية من المواقف هو اشتغاله ومنهجه في الدفاع عن الفلسفة من أجل توطينها باعتبارها منتوج فكري أجنبي بالنسبة للمجتمع الأندلسي؛ كما هو الشأن اليوم بالنسبة للحداثة والنسائية. فابن رشد يشكل لحظة تتمفصل بشكل سلس مع النسائية وتجعلنا نتمفصل بسلاسة أيضا مع النسائية العالمية المعاصرة.

لقد دافع عن الفلسفة بتحليل عقلاني ومنهجي للنص الديني. إذ أكد في فصل المقال عن التأويل الفلسفي للنص القرآني وبالطبع هذه العملية محظورة على العامة وغير متاحة إلا للفلاسفة. وليدافع عن شرعية المعرفة الفلسفية اعتمد التفكير المنهجي في تعامله مع الأصول الشرعية. فطرح السؤال التالي: “هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع أم محظور أم مأمور به إما على جهة الندب وإما على جهة الوجوب”. ولكي يرد على المعارضين لاستعمال المنطق باعتباره دخيلا على الملة، كما هو الشأن اليوم بالنسبة للنسائية، رد قائلا أنه لا يهم في صحة الذبيحة إن كانت الآلة التي سيتم بها الذبح تنتمي أو لا تنتمي لأصحاب ملتنا. بل يكفي أن تفي بشروط صحتها. وهنا يضع حدا بين استقلالية المنطق وتقنياته عن الشريعة.

{{الجسد والتحكم في الجنسانية:}}

إذا كان ابن رشد أحدث نسائيا قطيعة مع أطروحة الدونية الطبيعية للمرأة عند أرسطو، فإنه وكما هو الشأن بالنسبة لسانتو طوماس، بقي حبيس الإشكالية الأرسطية في ما يتعلق بدور المرأة غير الفعال في التوالد البشري. فالمبدأ الفعال في التوالد يأتي من الأب والمادة من الأم.
كما شكلت مسألة شيوع النساء والأطفال عمادا للمدينة الفاضلة بالنسبة لأفلاطون. فكيف تعامل معها ابن رشد؟ عندما يريد فيلسوفنا التعبير عن رأيه عادة ما يبدأ قوله ب”قلنا”. لكنه في حالة شيوع النساء استعمل “قال” في إشارة منه لأفلاطون اي أن الكلام منسوب لصاحبه. ثم بعد ذلك قام بتفسير موقف أفلاطون …
فعلاقة بهذا الموضوع تمت معالجة كل من مقولات جسد المرأة والرجل، والجنسانية والتوالد في علاقتها بثلاث غايات لتحقيق المدينة الفاضلة: الغاية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فمن أجل ضمان المساواة بين حفظة المدينة لابد من منع الملكية الخاصة. وكل التفسيرات التي علل بها الشيوع لا تتصل بالمبررات الأخلاقية فحسب.

أما فيما يتعلق بكل من جسد المرأة والرجل حفظة المدينة فهما متساويان على المستوى الرمزي والاجتماعي لأن الحفظة يتميزون بالفضيلة وموضوعان معا في خدمة المدينة الفاضلة. ولهذا الغرض يجب على الحفظة التريض معا دون أن يخلق ذلك أي ضررأخلاقي من أجل ضمان القوة الجسدية المطلوبة. وقد جاء في ترجمة Hernández Miguel Cruz أن النساء حافظات المدينة يمكنهن التريض دون ما حاجة لأن يتغطين، لأن عفة الحفظة هي حمايتهم.
وأما بالنسبة للجنسانية، فهي تشكل أساسا لتشييد المدينة الفاضلة، وعليه كانت محط اهتمام خاص. فقد تساوت النساء والرجال في مسألة مراقبتها وتم ربطها بوظيفة التناسل ولا شيء غير ذلك. وقد عمل ابن رشد من النص الأصلي لأفلاطون المكافأة الجنسية للحفظة الذين حققوا انتصارا عسكريا. فقد كان له موقف مجدد على مستوى جنسانية المرأة. إذ نفى أن يكون الرجل يتمتع أكثر من المرأة أثناء الجماع.

وفي غياب معرفة الخلية والجينوم ، لم يكن بوسع لاأرسطو ولا جالينوس ولاابن رشد من بعدهما أن يتعرفا على دور كل من الرجل والمرأة في التناسل. فكان الطريق مفتوحا على مصراعيه ل”موضوعية” الإيديلوجيا. فاستمر ابن رشد في نفس اعتقاد أرسطو. وليتأكد مما كان يقول به جالينوس أن المرأة ما دامت تبلغ الانتعاظ فهي لابد أن تكون تنتج منيا أنثويا يأتي من جميع أجزاء الجسم بالنسبة للجنسين معا، سأل ابن رشد بعض النساء اللواتي بالنسبة له محل ثقة فأكدن له أنه فعلا بعض النساء ودون وصولهن مرحلة الانتعاظ يمكن ان يتم حملهن. فهذه الفكرة التمييزية ستشكل مرتكزا لتأسيس نظري للمساواة عند ابن رشد. فما دامت المرأة لا دور لها في تكوين الجنين بل مصدره هو الرجل، فأن العقل القبلي أوالهيولي لابد أن يكون واحدا وبالتالي وحده العقل البعدي التجريبي هو الذي سيميز بين الناس جميعا ذكورا أو إناثا.

ففي تركيب المادة والشكل، فإن الشكل هو الذي يحدد النوع بينما المادة تشكل مبدأ التفردية l’individuation أي ما يميز الفرد عن فرد آخر. وهكذا فكل تضييق على الشكل سيؤدي إلى اختلاف في النوع. وعلى العكس كل تضييق على المادة لايكون له أي أثر على النوع ولكن فقط تمايز بين الأفراد (مثال، لون البشرة والجنس…). هنا نقف عند الاختلاف بين أرسطوو ابن رشد. فالاختلاف بين الإناث والذكوريأخذ طابع الطبيعة عند الأول، ويأخذ طابع الثقافة عند الثاني. النص الرشدي المشهور: » إنما زالت كفاية النساء في‮ ‬هذه المدن،‮ ‬لأنهن اتخذت للنسل دون‮ ‬غيره وللقيام بأزواجهن،‮ ‬وكذا للإنجاب والرضاعة والتربية،‮ ‬فكان ذلك مبطلا لأفعالهن‮. ‬ولما لم تكن النساء في‮ ‬هذه المدن‮ -‬يعني‮ ‬الأندلس‮- ‬مهيئات على نحو من الفضائل الإنسانية،‮ ‬كان الغالب عليهن فيها أن‮ ‬يشبهن الأعشاب‮. ‬ولكونهن حملا ثقيلا على الرجال صرن سببا من أسباب فقر هذه المدن‮«‬.

إن الطبيعة الأنثوية عبارة عن حادث عارض وبذلك فهي من حيث الجوهر لاتختلف عن الرجل لأنها تاتي من نفس المني الصادر عن الرجل. إنها كائن بشري بامتياز. فعند أرسطو يشكل المني الذكوري القوة الفعالة/النشيطة وهي القوة المحددة، بينما مني الأنثى يشكل المادة أو القدرة المحددة وهذا سيطرح مسألة اختلاف جوهري ويؤسس لتراتبية الذكر والأنثى ولو كانوا دجاجا. يقول ابن رشد: ” فبعدما قرأت كتب ارسطو سألت العديد من النساء حول هذا وأجابتني العديد منهن …وفي نفس الاتجاه رأيت العديد من النساء الحوامل جراء اغتصاب.

فمفهوم الخلق هو الذي سيؤسس لضرورة التشابه في وجه من الأوجه بين النتيجة والسبب وبين الخالق والمخلوق.
ومن هنا يمكننا أن نفهم مصدر الاجتهاد المتقدم لابن رشد عن معلمه. إذ يمكن للمرأة أن تكون صورة لله مثلها مثل الرجل في سياق يمكنها من تنشئة قدراتها الفكرية مثلها مثل الرجل. ويختلف عن رؤية طوماس الأكوني، فالمرأة حسب هذا الأخير كائن غير مكتمل، وإذا كان الله هو رأس الرجل، فلا يمكنه أن يكون رأس المرأة.
لكن سلبية المرأة في التكاثر البشري/التوالد غير معممة في مجمل تصوره حول طبيعة المرأة كما هو الشأن بالنسبة لأرسطو والأكويني من بعده. وبالتالي هو لم يدافع عن دونية وتبعية النساء في المجالات السياسية والاجتماعية.

{{سادسا- السياق النسائي لابن رشد: لماذا كان كتوما تجاه النساء بالتخصيص؟}}

هل ابن رشد معزول عن سياقه التاريخي؟ سوف لن أتكلم عن المحددات التاريخية للحظته، كالشروط السياسية والفكرية والدينية. وسوف لن أتكلم عن الشرط العائلي. ولكنني سأفرد هذا الجزء من العرض للسياق النسائي الذي عاصره فيلسوفنا. وخصو صا وأنه يتميز بمفارقة، إذ أشكل واقع المرأة كما لم يفعل أحد ذلك من قبله ولامن بعده طيلة قرون. ولكن في نفس الآن و لحد علمي المتواضع به، لم يتكلم عن النساء بالتخصيص. وهذا يمكن أن يفسر بكونه كان يتصف بالتكتم ويقال عنه أنه كان قليل الكلام. على عكس ابن عربي الذي لا يتردد في أن يتكلم عن تصوف زوجته وورعها وأن يتكلم عن نساء بأسمائهن عرفن بمساهماتهن الدينية والصوفية. فلا يوجد شيء على الإطلاق حول نساء الأسرة باستثناء ما جاء به يوسف شاهين في فيلم المصير وإشارة لحسن الوزان عن رأي ابن رشد في خطبة رجل لابنته. ما عدا ذلك فلا حديث عن نساء الأسرة لأربعة أجيال في عائلته.
إن ابن رشد لم يكن معزولا عن السياق التاريخي الذي كان يتميز بنشاط علمي و فكري عقلاني مهم في الشرق كما في الغرب الإسلاميين، نذكر على سبيل المثال ابن باجة في الغرب، والكندي والفرابي وابن سينا في الشرق…إذ عرفت الأندلس مساحة واسعة من حرية التعبير في سياق نهوض الدولة الموحدية.

في سياق اشتغاله بالطب لابد وأن يكون تعرف على بنت أبي مروان ابن زهر من أكبر أطباء الأندلس، المسماة أم عمرالتي كانت تلم بحرفة أبيها وهذه كانت العادة العربية في نقل المعارف من الآباء إلى الأبناء والبنات. فصفة الطبيب أو الطبيبة لا تمنح إلا بعد تكوين نظري وحنكة عملية.

عرفت البلاد العربية الإسلامية في الغرب كما في الشرق حضورا نسائيا في مختلف دروب المعرفة آنذاك بين القارن الثامن ميلادي والرابع عشر حسب دراسة قامت بها كلوريا لوبث دي لابلاصا Gloria López de la Plaza ، الأندلس: نساء مجتمع؛ وكذلك دراسة بنمليح عبد الله حول الرق في بلاد المغرب والأندلس. اجمعت على وجود نساء اهتممن بشتى أنواع المعارف من الفقه، إلى اللغة وفنونها و الطب والشراحة وعلم الكلام وعلم الفلك والفلسفة… وأن هؤلاء النساء تعلمن في أحضان أسر كانت تهتم بفرع من فروع المعرفة، إما كبنات أو زوجات او خادمات أوجليسات. وأن العديد منهن مارس ما تعلمه وكانت منهن من تثقن السياسة بحيث كن ينجزن أعمالا ذات نفع عام إما لاستمالة العامة أو للتمتع بنوع من الامتياز…الخ. فلابلاثا في بحثها حول نساء الأندلس بين القرن الثامن والقرن الرابع عشر ستقف على أن القرن الثاني عشر تميز بوجود أكبر عدد من النساء المثقفات إذا جاز التعبير وهو ما أكده أيضا بنمليح عبد الله. إذ تعرفت على حياة 16 عشر امرأة. وأن أغلبهن عاش في قرطبة، أي في زمن ومكان ابن رشد. اجتماعيا تقول أن أغلبهن متزوجات منتميات للفئات المدينية المتوسطة العليا. فكيف يمكن تفسير هذا الصمت؟
ورغم أنه كان مجددا ومبدعا على المستوى الفلسفي والثيولوجي، فقد عرف عليه أنه كان كتوما ومحافظا يما يتعلق بنساء العائلة (Urvoy, 1998). إن الأمر لا يتعلق بعادة عربية لأنه لو كان كذلك لكان الأمر عاما. فقد يكون تقليدا أسريا لأنه لم يتبث لا عن جده أو إبنه من بعده أن تكلموا عن نساء العائلة.

{{أشياء لا بدّ منها}}:

قراءة ابن رشد تأتي في مشروع تفكيك تفوق الغرب وسلطته على الآخر في مجال الحداثة والنسائية اعتبارا من أنها أرقى مراحل. تفكيك سلطة الغرب على التنوير. لأن وكما يقول الجابري:”إن الطريق إلى حداثة عربية يجب أن ينطلق بالضرورة من روح نقدية تم إنتاجها من طرف ثقافتنا العربية”. ومن أجل بلوغ المساواة يجب الرجوع إلى ما أبدعه تراثنا في هذا المجال للانطلاق منه وتطويره وربط جسور التواصل بينه وبين النسائيات الأخرى.
إن ما يميز الحداثة هي روحها وشحنتها النقدية. وابن رشد جعل من الحرية في الاجتهاد ضدا على ترسيم المالكية وهو الفقيه المالكي، وضدا على علم الكلام الذي اعتبره بمثابة تسييس الدين، مبدأ أساسيا كان سيطلق تنويرا عربيا لولا الشروط التاريخية التي غرق فيها العرب المسلمون بعده.

فتراثنا مفعم بأنفاس تنويرية أو كما يحلو لأموروس بتسميته بشرايين التنوير las vetas de Ilustración. ولابد أن تكون هناك جسور بين تنوير وتنوير أو بين شرايين تنوير وشرايين تنوير آخر. لأن لاأحد يعيش أو يمكنه أن يعيش بمعزل عن الآخر. إن لحظة الرشدية تشكل لحظة تمفصل مع الحداثة. تقول أموروس: ” إذا ما أردنا ألا نشيئ الثقافات والهويات، إذا ما أردنا الرهان على ثقافة العقول، من أجل ثقافة مستنيرة نسائية، من أجل سياسة ثقافية ديمقراطية، فإننا يجب أن نتبع قول أفلاطون للفلاسفة في محاورة الفيدرو: “تقطيع الطائر في مستوى المفاصل الطبيعية” . فابن رشد يشكل مفصلا بين الثقافة العربية المسلمة والثقافة العالمية المعاصرة.

يقول الجابري:” كان ابن رشد يدعو لفهم الدين من داخل خطابه الخاص وفهم الفلسفة من داخل جهازها المفهومي ومبادئها وغاياتها. ففقط بهذه الطريقة ، حسب ابن رشد، يمكننا في نفس الوقت تجديد الدين والفلسفة معا. فلنستلهم من هذه الطريقة لنتصور العلاقة الملائمة لتراثنا والفكر العالمي المعاصر، وهذا بالنسبة لنا يشكل ما شكلته الفلسفة اليونانية بالنسبة لابن رشد. لنؤسس علاقتنا بالتراث الثقافي بطريقة تمكننا من استيعابه في سياقه الخاص، وعلاقتنا بالفكر العالمي المعاصر بنفس الطريقة. مما سيمكننا من فهم علمي موضوعي للتراث والفكر المعاصر لنا وسيساعدنا على استعمالهما معا من نفس المنظور: تأسيس اصالتنا على الحداثة وحداتثنا على الأصالة”.

{{هوامش}}

(1)يعطي قاموس المنهل كمقابل لكلمة ميزوجين “بغض النساء” أو “عداوة المرأة” وكلا الترجمتين تحملان شحنة عاطفية تتصل بسلوك أفراد وبالتالي تنتمي لمجال الخلاق الفردية. بينا Petit Robert فيضيف احتقار أو ازدراء النساء إلى معنى العداوة. غير أنني أفضل اقتراض مصطلح الميزوجينية ذي الأصل اليوناني للتداول العربي لتجنب معنى “العداء” والانتقال من سجل الفرد إلى سجل النسق.

(2)المركزية الذكورية وهي مقولة تحليلة يعتمدها الفكر النسائي. وتنتقد مركزية تفكير الإنسان وبالتالي مجمل سلوكياته حول الرجال، بحيث يصبح الرجل مركزا مرجعيا تدور حوله كل الأفكار والسياسات.

(3) الجنسانوية مقولة تعني الرؤية للواقع انطلاقا من موشور التمييز على أساس الجنس في علاقة لامتماثلة ولامتكافئة بين الجنسين حيث تحتل المرأة موقع الجنس الثاني أو النسخة غير المكتملة والرجل الجنس أو النسخة الأصل.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق