اتجار بالبشر.. من نوع آخر / سمر المقرن

أبتهج حين أسمع أو أقرأ خبرا عن أحد المتدينين المستنيرين، لأنه وللأسف مثل هؤلاء قد رَش عليهم وعلينا المتشددون الغبار العميم، فالمتشددون وكما نرى ونسمع هم ذوو الصوت العالي الذي يحاول جاهدا الوصول إلى معظم المنابر على طريقة (خذوهم بالصوت لا يغلبوكم) فالصوت هو أداتهم الحادة.

هذه الإضاءة التي أسعدتني اليوم هي ما قام بها رئيس محاكم الخبر ومأذون الأنكحة الشيخ الدكتور صالح بن عبدالرحمن اليوسف، عندما رفض تزويج طفلة عمرها عشر سنوات وأخرى عمرها أحد عشر عاما. وبحسب قراءتي للخبر الذي نشرته الصحف المحلية فقد تبين لي أن هذا الشيخ قد تحرك وأوقف هذا (المنكر الشنيع) بدافع ديني وإنساني لم يمر -وللأسف- على آباء الطفلات، لكن الله سلّم وأوقف في طريقهن هذا الشيخ المستنير لينقذ الطفولة من الانتهاك والبراءة من القتل (الطويل الأمد).

قضية تزويج الفتيات الصغيرات باتت شائكة ومعقدة في مجتمعاتنا، ولكي نقف على المشكلة بطريقة موضوعية ونتصورها بشكل علمي ثم نبحث عن الحلول بأساليب منهجية لا بد أن نجمع حولها بحوثا ودراسات سابقة، ونحث الباحثات والباحثين على إجراء بحوث ودراسات جديدة. هذه الإشكالية صادفتني قبل ثلاثة أشهر وأنا أقوم بعمل حملة إعلامية خاصة بهذه القضية، وكانت الحملة كأحد متطلبات منهج مادة حملات العلاقات العامة والحملات الإعلامية، وحاولت أن أقوم بهذه الحملة باستحضار التناغم مع همّي الكبير، مع مجتمعي، وفوجئت بعدم وجود أي إحصائيات أو دراسات أستند إليها، ولجأت إلى عرض نسبة عن برنامج «آدم» الذي تبثه قناة الـMBC والذي خصص مشكورا حلقة حول هذه القضية أوضح فيها أن الحالات التي تم فيها عقد قران فتيات دون سن الثامنة عشرة بلغ تسعمئة حالة خلال العام 2007. هذه الأرقام المرعبة تدعونا لنكون أكثر إنسانية وأن نبحث في هذه القضية بطريقة منظمة، فكما أرى جهودا ملموسة من بعض الوسائل الإعلامية ومن هيئة حقوق الإنسان الحكومية إلا أنها مازالت جهودا مبعثرة وغير منظمة.

من المهم، أن يكون هناك تحديد لسن الطفولة وأن نلتزم بالسن الذي أقرته الأمم المتحدة وهو ثمانية عشر عاما وذلك في اتفاقية حقوق الطفل التي وقعتها المملكة منذ العام 1996، فمثلا المادة رقم 19 من هذه الاتفاقية تصرح بوجوب اتخاذ الدول الأطراف جميع التدابير سواء التشريعية أو الإدارية أو الاجتماعية أو التعليمية لحماية الطفل من كافة أشكال العنف. ومن المعلوم أن الإساءة الجنسية هي أحد أبشع صور العنف التي تدمر الطفولة وتلغي ملامح الشخصية السوية في المستقبل، ولا أتصور أن تزويج الفتيات مجبرات أو بموافقتهن تحت السن القانوني يخرج عن كونه أحد أنواع العنف إن لم يكن أخطرها، وقد أصنفه تحت بند الاتجار بالبشر، وإن كان من نوع آخر!
أيضا في المادة 24 من نفس الاتفاقية تأكيد على ضرورة تمتع الطفل بأعلى مستوى صحي، والأضرار الصحية لهذا النوع من الزواج يتنافى جملة وتفصيلا مع هذه المادة، وعلينا أن نعود إلى الدراسات الطبية التي خرجت في السياق ذاته وأكدت على ارتفاع نسبة الوفيات بين الحوامل والأمهات الصغيرات وبين المواليد الآتين من هذه الأرحام الصغيرة. أيضا هناك شبه إجماع بين الدراسات الطبية التي اطلعت عليه تفيد بتعرض الصغيرات عند الحمل والولادة إلى العمليات الجراحية أو التمزيق الجسدي لتسهيل عملية الولادة وقد تدفع تلك الطفلة حياتها أثناء ذلك.

هناك الكثير والكثير الذي لا يتسع ذكره في مقال واحد، لكن ما أردت قوله تحديدا بعد شكر الشيخ اليوسف على مواقفه أن المسألة تحتاج إلى أنظمة وقوانين، فتلك الفتيات وجدن الشيخ اليوسف لكن غيرهن لن يجدن شيخا أو مأذونا برحمته وإنسانيته التي أحترمها وأجلها له وأقدرها كثيراً وأتمنى أن يكثر الله من أمثاله.

عن جريدة أوان

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق