اختر الرقم المناسب لمشاعرك / سمير عطا الله

تساءل هارولد بنتر في الكلمة التي ألقاها متقبلاً جائزة نوبل للآداب (2005): «كم من البشر ينبغي أن يقتل المرء، ليستحق الوصف بأنه قاتل جماعي ومجرم حرب؟ مئة ألف؟ أعتقد أن هذا رقم أكثر من كاف. لذلك، أعتقد أن من العدل أن تتم مقاضاة بوش وبلير أمام محكمة الجنايات الدولية». يقول بنتر إن «غزو العراق كان عمل عصابة من الأشقياء، وعمل إرهاب دولة فظاً، ينم عن احتقار مطلق وصريح لمفهوم القانون الدولي، وعملاً عسكرياً عدوانياً دفعت إليه سلسلة من الأكاذيب والخدع الإعلامية المكشوفة».

كم هو عدد القتلى في دارفور؟ طرح السؤال خلال نقاش شارك فيه عدد من المثقفين العرب. أكثرية المشاركين قالت إن رقم 300 ألف مبالغ فيه جدا. والأكثرية نفسها اتفقت، كما لو أنها تملك آلة حاسبة واحدة، على أن الرقم هو عشرة آلاف، زائداً قليلاً أو ناقصاً قليلاً. والأكثرية تساءلت: لماذا لا تحال إسرائيل إلى محكمة الجنايات الدولية، وخصوصاً بعد جرائم غزة؟.

أحصى هارولد بنتر عشرات الإبادات الجماعية التي ارتكبتها الولايات المتحدة عبر السنين، في أميركا اللاتينية وفي آسيا. لكن السؤال يبقى واحداً: هل يقتدى بالمرتكبين؟، هل يبرر الارتكاب ارتكاباً في مكان آخر؟، هل يبرر تجاهل واشنطن للأعراف الإنسانية، أن تتجاهلها القمة العربية؟، هل عشرة آلاف قتيل رقم بسيط لا يستحق التوقف عنده، أم أنها الثقافة العربية العامة؟. ألم يسأل صدام حسين السفيرة الأميركية ابريل غلاسبي: «هل تستطيع واشنطن تَحمّل مقتل عشرة آلاف شخص؟». قالها ساخراً متهكماً لقناعته بأن الإنسان أكثر أهمية في أميركا، وبلا أهمية إطلاقاً في العالم العربي.

يقول بنتر: «يعتبر مقتل 2000 أميركي مسألة مثيرة للحرج، لذلك يتم نقلهم إلى قبورهم تحت جنح الظلام، وفي جنازات هادئة. وأما المشوهون، فيتعفنون في الفراش طوال ما بقي من حياتهم. وهكذا يتعفن الميت والمشوه كلاهما في أنواع مختلفة من القبور». استغل بنتر منبر نوبل لكي يعبر عن مشاعر المثقفين الغربيين حيال الجرائم التي ترتكبها حكوماتهم في حق الشعوب الأخرى. أما المثقفون العرب، فلا يزالون يبحثون عن تبريرات لما ترتكبه حكوماتهم في حق شعوبها. ولا يزالون يتساءلون: «ما هو الرقم الذي يستحق الاستنكار: مائة ألف، أم عشرة آلاف؟».

عن جريدة الشرق الأوسط

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق