اخونجي يوبخ سلفي: عقلية ليبرالية في مواجهة سلوكية الاصطفاء العقائدي

صورة للذكرى ومشهد للمساءلة والاعتبار، وإعادة التأكيد على ضرورة دراسة خلفيات ومستقبل وتأثير فوز التيار الإسلامي عموماً -وبالأخص منه تيار السلفيين- بانتخابات تونس ومصر الأخيرة.. وحصدهما للغالبية التي تؤهلهما في توجيه مسار الدولة والمؤسسات الحكومية في كلا البلدين..

 

وما قصدته بالصورة أو المشهد هي قيام نائب سلفي بإقامة آذان العصر أو المغرب في قلب البرلمان المصري من دون أذن ولا موافقة رئيس البرلمان المصري (الأخواني المتدين) الذي قام بدوره بتوجيه نقد بناء ضد هذا السلوك النشاز وغير الحضاري، وتوبيخ النائب السلفي المخالف، حيث أمره بالذهاب إلى غرفة الصلاة للقيام بواجبه الديني الذي يمليه عليه التزامه الشرعي، مستغرباً ومستهجناً مثل هذا التصرف في سدة البرلمان المخصص لإدارة النقاش والحوار بين ممثلي الشعب.. وموضحاً أنه هو –أي رئيس البرلمان- إنسان متدين وملتزم، رافضاً أن “يزاود” عليه أحد، فالمقام هنا مقام عمل ونقاش وحوار خدمةً للناس، لحل مشاكلهم، وتأمين خدماتهم ومصالحهم، وليس المكان مقام الدين والعبادة والآذان التي لها مكان آخر بإمكان من يريد أن يذهب ليؤدي واجبه الديني فيها.

 

طبعا لو فكرنا قليلاً في هذا السلوك غير العقلاني، لرجل منتخب من جماهير عريضة وواسعة، يقف أمام الشعب وعلى مرأى شاشات التلفزة والفضائيات الدولية في بث حي ومباشر، ومن على منبر برلمان عريق له رئيس ونظام وقانون، وينهض من مكانه مستلماً “الميكروفون” ليطلق صوت الآذان في القاعة البرلمانية من دون أية موافقة أو أذن وبالتعبير العامي من دون “احم ولا دستور”.. هذا السلوك الغبي الأرعن غير الحضاري -الذي هو بالحد الأدنى استفزاز وتحد لمشاعر الآخرين المختلفين عنه- يعطينا صورة واضحة عن طبيعة تفكير ووعي مثل هذا الإنسان، وينم -في واقع الأمر- عما اعتدناه من أمثال هؤلاء الأصوليين الناظرين لكل شيء في الحياة فكراً وروحاً من موقع العقلية الاصطفائية الفوقية الماورائية، التي تطغى عليها حالة التوتر والهيجان العقائدي الدائم على الحالة العقلية الحرة الطبيعية المسؤولة، بما يدل على أن هذا الرجل يتحرك في الحاضر بدوافع وخلفيات أيديولوجية ماضوية قهرية تلزمه وتجبره -ربما باللا شعور- على خرق قانون ونظام لمؤسسة جامعة للشعب كله، بمختلف أطيافه وألوانه وانتماءاته ومذاهبة وقومياته وتنوعاته، ضارباً بكل ذلك التنوع والقانون الناظم عرض الحائط، فقط من أجل أن يرضي فقط قناعته الذاتية الدينية المهيمنة والحاضرة أكثر من حضور عقله (المغيب في ساحات الوغي القديمة) وفكره وجسده في الواقع الآن، ويعيش حالة التصالح والتسالم مع روحه المحلقة في آفاق ودهاليز الماضي.. إنها بالفعل أزمة العصبيات الدينية والطائفية والمذهبية التي تعج بها عقول أمثال هذا النائب الذي أنيطت به مسؤولية خدمة الناس، والسهر على مصالحها، من حيث أنه يمثل شعباً متنوع الأديان والأعراق والمذاهب، ويفترض به أن يقدم صورة ناصعة عن الانفتاح والوعي والإخلاص لكل أبناء مجتمعه بقطع النظر عن دينهم ولونهم وانتماءهم.. ولكنها العصبية كما ذكرنا، عصبية العقل والقلب والروح التي باتت الآن تهددنا دولاً ومجتمعات..

 

وإذا كان كثيرون -ونحن منهم- قد أشاروا إلى أن طريق الحل لأزماتنا السياسية العربية يمر عبر الالتزام بحاجات الناس، وضمان مشاركتها السياسية في العمل الدولتي، لتقرر مصيرها بوعي وطواعية.. ودعوا إلى ضرورة الوفاء لفكرة الديمقراطية وقيمة التعددية السياسية، والاستجابة لمقتضيات العمل السياسي التداولي بالكامل من خلال السماح لكل التيارات السياسية -من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار- بحرية التعبير والتنظيم والعمل والترشح للانتخابات حتى لو أدى ذلك إلى فوز التيارات الإسلامية، فإن إشارتنا ودعوتنا تلك كانت قائمة بالأساس على أن معايير العمل السياسي القانونية الجديدة المضمونة والمصانة دستورياً لكل الناس والأحزاب يجب أن تستند بصورة لا لبس فيها على قيم العلمنة، أي علمنة الدولة وفصل السياسي عن الديني، وأن تأتي تحت مظلة وسقف الانتماء النهائي الكامل للوطن لا الطائفة، أي التجسيد الفعلي لفكرة المواطنة والحكم الصالح البعيد عن تمثل الدين بمختلف تمظهراته وتعابيره ومعانيه ومفرداته وأشكاله وأفكاره في مواقع الدولة أو مؤسساتها التي هي ملك لكل الناس من مختلف الانتماءات والأديان والأقوام.. وليس احتكاراً لطائفة أو مذهب أو دين أو حزب سياسي من هنا وآخر من هناك.. كما فعل النائب السابق المحترم الذي انبرى فارضاً قناعته ورأيه ومعتقده الديني على الآخرين في مجلس عام له حرمته وقوانينه التي خالفها من دون أن تعتز فيه شعرة واحدة، في دلالة كاملة عن حالة فائض القوة الأيديولوجية المهيمنة عليه وعلى أمثاله من النخب المشبعة بالعقائد الاصطفائية المقدسة التي تدعي امتلاك الحقيقة كاملةً من كافة جوانبها.

 

إن هذا السلوك المستفز حقيقةً، لن يثنينا عن دعم فكرة الديمقراطية بالكامل، والوقوف مع نتائج صندوقة الاقتراع مهما كانت مستتبعاتها، ولو جاءت للحكم بمن يعادينا أو يخاصمنا فكرياً وعملياً، ولن نكون مع الشاعر أدونيس الذي يؤكد على الدوام بأنه يقف مع قيمة وفكرة الديمقراطية بالكامل إلا إذا أدت إلى فوز أمثال هذا الأخ الإسلامي السلفي فهو يعارضها، ويقف في وجهها… هذا لن يكون له كبير تأثير على قناعاتنا الفكرية أبداً، التي تقضي بحق كل الناس يحوزوا على الإمكانية للمشاركة في صنع السياسة، أي أن يتوفر لهم المناخ السياسي التداولي والفضاء المجتمعي التعددي العملي الذي يسمح لها بحرية التعبير والقول والانتماء وضمان العمل والحركة السياسية، لأن المهم هو استمرارية تطور عمل الدولة بمختلف مكوناتها ومؤسساتها وإداراتها، فهذه المفردة (الدولة كظاهرة تاريخية) ثابتة في وجودها وتطور مفرداتها وكياناتها السياسية والإدارية الهادفة إلى بناء وتطوير وخدمة الناس وازدهار المجتمعات.. أما النظم والأحزاب التي تصل إلى سلطة والحكم لفترات زمنية محددة فهي التي تتغير وتتحول، وهي التي نتصادم ونتخاصم معها سجالاً سياسياً سلمياً لمصلحة الدولة والمواطن..

 

ولا شك بأن التصادم والعنف بين موقع السلطة وموقع الدولة له تاريخ طويل في مجتمعاتنا العربية، حيث كان لافتقاد أبناء مجتمعاتنا للمشاركة الإرادية الطوعية الواعية الواسعة في عملية التنمية الذاتية، والتغلب على واقع التخلف الفكري والعملي، والخروج من أنفاق التبعية والارتهان، بالغ الأثر في إضعاف الشأن العربي في مجمل قضاياه الإستراتيجية المصيرية والحيوية، وبكل مستوياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وبالتالي: عندما نحقق مناخ الحرية، ونؤسس الديمقراطية الصحيحة (التي هي ليست وصفة جاهزة لمرض طويل عانينا منه للأسف، وإنما هي ممارسة قانونية واعية لعملية التداول السلمي للسلطة، ولا تنحصر فقط في قضية مواجهة الاستبداد والفساد..إذ أن إسقاط واقع الاستبداد، واستبداله بسلطة لا تعرف شيئاً عن الممارسة الديمقراطية الواعية سينتج أسوأ الديكتاتوريات، وأشنع أنواع الفساد) فإنه يحق لنا أن عن وجود قدرات أكبر وأوسع تسمح لنا بتوفير قاعدة مادية صلبة للبناء والتطوير وتنمية المجتمعات.

 

ويبدو لي أن وقع هذه التنمية التي كان من المفترض أن تتحرك في تلك المجتمعات تقلصت وازدادت ضعفاً وهزالة في عهد حكامنا الديكتاتوريين خاصة مع ابتعاد هؤلاء عن هموم الناس والشارع العام (أي عن متطلبات المواطن الأساسية)، ومع تعمدهم اختزال الأمة كلها في شخوصهم المقدسة وفرضهم على الناس نموذجاً واحداً في الفكر والعمل والحزبية السياسية.. هذا ما كان يحدث حالياً في بلداننا العربية والإسلامية بشكل واضح تماماً (وهذا ما ثار وانتفض الناس ضده)، حيث كانت تتصور الكثير من النخب السياسية المستبدة الحاكمة بأن الهيمنة الكاملة على الشعب، ومنعه من التنفس بحرية في الهواء الطلق، والتحكم بمعيشته وقدراته، وتفتيت قواه وثرواته، يمكنها أن تساهم في تنفيذ سياساتهم أكثر فأكثر.. والنتيجة كانت عكس ذلك، فلا هؤلاء الحكام تمكنوا من تنفيذ أجنداتهم السياسية الداخلية بالرغم من العنف اللامحدود المستخدم بحق الناس والمعارضة، وفشلوا في تحقيق وإنجاز أدنى متطلبات التنمية، وعجزوا عن مواجهة إسرائيل وغير إسرائيل، وربما كانت الشيء الوحيد الذي نجحوا فيه هي أنهم نهبوا وسرقوا مقدرات بلدانهم، ورهنوا وجود الناس لفترة من الزمن لصالحهم ولصالح مكاسبهم الخاصة فقط..

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق