ارتيابات معروف الرصافي، “الرسالة العراقية”، “الشخصية المحمدية” وكتابات أخرى 2

إيمان، كالإلحاد، بارد…

تلك مجرد خلفية محتملة لتأثر الرصافي في ما جاء به أستاذه الآلوسي الأثير عنده، وهو الذي سماه الرصافي قياساً على وجود معروف الكرخي (ت 200هـ) في جهة بغداد الغربية. لكن، ومع ما تقدم، هل كان شاعر العراق يمارس الطائفية، في ما صرح في كتابيه «الشخصية…» و«الرسالة…» ضد التشيع؟ وهل كان متعصباً أو شعوبياً في بغضه لإيران؟ أم أن الموقف لا يزيد على تعلق بأذيال المجد العثماني؟ مَنْ يبحث في صلات الرصافي مع أعيان الشيعة وبغضه للعهد الملكي السُنَّي بالعراق سيجده بعيداً عن الطائفية بمفهومها الرائج. وخلاف ساطع الحصري الذي اصطدم معه أعيان الشيعة، مثلما اصطدم معه الرصافي نفسه، في أكثر من موقف، كان على رأس مشيعي الأخير العين الشيعي الشيخ محمد رضا الشبيبي (ت 1965)، وامتدحه ورثاه العين الشيعي الآخر محمد مهدي الجواهري (ت 1997) في أكثر من رائعة، وهو حفيد الشيخ محمد حسن النجفي صاحب أكبر موسوعة في الفقه الشيعي «جواهر الكلام».

أنشد الجواهري للرصافي بعد أنجاز كتابه «الشخصية المحمدية» و «الرسالة العراقية» وما فيهما من جارحات للطائفة الشيعية (ديوان الجواهري، بيروت: بيسان للنشر والتوزيع 2000 الجزء 2 ص 413):

تمرست بالأُولـى فكنـت المغمـرا… وفكرت بالأخرى فكنـت المجاهرا
وفضلت عيشـاً بين تلك وهـذه… به كنت بل لولاه ماكنت شاعرا

فأنشد الرصافي للجواهري:
أقول لربِّ الشعر مهدي الجواهري… إلى كم تناغي بالقوافي السواحــرِ

ورفع الرصافي الجواهري درجة على نفسه بالشعر، مع أنها نادرة إن لم تكن سابقة بين الشعراء:

بك لا بي أصبـح الشعر زاهرا… وقد كنت قبل اليوم مثلك شاعرا

وبعد حين أنشد الجواهري لعبقرية الرصافي قصيدة عصماء. أبلغني حامد أيوب، وكان حاضراً حيث ألقيت في قاعة الشعب ببغداد (1959). قال: «استعادها الجمهور وقوفاً، بعد الشاعر، بما فيهم رئيس الوزراء الزعيم عبد الكريم قاسم»، ومنها:

لُغـز الحياة وحيـرة الألبـاب… أن يستحيل الفكر مـحض تراب
ليت السماء الأرض ليت مدارها… للعبقـري بـه مكـان شهـاب
يومـا لـه ويُقـال ذاك شعاعه… لا محض أخبار ومحـض كتـاب

أقول: كان الجواهري يهتم ويراقب الشعور الطائفي، ولو شعر أن الرصافي كان طائفياً لما خلده، واهتم في شأنه الشخصي، وهو بالفلوجة يعاني العزلة والمرض. كتب الجواهري في الطائفية: «لقد استمرت السلطة تلعب لعبة الطائفية في العراق، وتشد الأوتار في هذه اللعبة المفضوحة، وفي عهد عبد السلام عارف بدأت حملة استهدفت إفراغ العراق من أبنائه الشيعة قدر الامكان، أقول هذا لأجل الحقيقة وإدانة هؤلاء الذين لا يكفون عن زرع هذه السموم في هذا البلد» (الجواهري، مذكراتي، الجزء 1ص171).

كان موقف الشيعي الجواهري نبيلاً من السُنَّي الرصافي وهو أهلاً لذلك، بينما كان موقفه من ساطع الحصري مشحونا بالألم، أن يأتي غير العراقي، ويتنكر لعراقية الجواهري. قال: «كيف يتأتى لساطع وهو داعية القومية العربية أن يبدي أقصى ضروب العنت المذهبي، ويسفر عن أكثر أصناف التعصب الطائفي بغضاً لي» (المصدر نفسه).

لم يكن الرصافي متديناً، بل له فلسفته في الإيمان وما يراه في النبوة والإمامة مخالفاً للسواد الأعظم، فمثلما انتقد زيارات القبور ومراسم اللطم والبكاء الشيعية في «الرسالة…». كذلك انتقد تقبيل الحجر الأسود والتبرك به في «الشخصية…»، وفسر سماويته بالقول: «إنه حجر سماوي سقط على الأرض من شهب ونيازك، ولكن لا يجوز خصوصاً في دين التوحيد أن يكون مقدساً» (الشخصية المحمدية، ص480).

وهو القائل فيمَنْ نعت فتوحات عمر بن الخطاب بالغزو والسبي: «فأنظر إلى المذاهب والأديان كيف تمسخ الناس مسخاً حتى تجعلهم ألأم من القرود طباعاً، وأقبح منها فعالاً» (المصدر نفسه، ص 265). لكن، ما عسى أن يقول الرصافي لو اطلع على رأي فقهاء في إباحة لحم الإنسان غير المعصوم الدم: «لو وجدَ مضطراً آدمياً غير معصوم كالحربي والمرتد فله قتله والأكل منه عند الشافعية، وبه قال القاضي من الحنابلة، واحتجوا بأنه لا حرمة له، فهو بمنزلة السباع، والله تعالى أعلم» (الشنقيطي، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، بيروت عالم الكُتب، الجزء 1ص115).

وانتقد الرصافي السُنَّي غلظة عمر بن الخطاب، وإن حاول تبريرها بمتابعة النبي محمد، وغمز علي بن أبي طالب بالأسلوب نفسه: «إن عمر بن الخطاب قد أساء إلى بنات كسرى، وقد أغلظ لهنَّ في القول والفعل، كما أساء إلى العربية بتقسيمه تلك الغنائم، وتفريقها بين المسلمين بعد تمزيقها شر ممزق، إذ كان يجب عليه أن يحتفظ بتاج كسرى ومنطقته وبساطه لتكون عند العرب مفخرة لهم من مفاخرهم التاريخية، ولكن عمر لم يكن فيما فعله من بيع البنات وتقسيم الغنائم إلا تلميذاً لمحمد، فإن محمداً هو الذي أباح سبي النساء في حروبه، وجعلهنَّ ملكاً تحت رق مَنْ سباهنَّ إن شاء وطأهنَّ وإن شاء باعهنَّ، وهو الذي أحل الغنائم لأتباعه، وأوجب تقسيمها عليهم، بعد أخذ خمسها لله ولرسوله، فلا لوم على عمر فيما فعله، ولو كان علي مكان عمر لما فعل غير ذلك» (الشخصية المحمدية، ص 265).

وإذا كان أبو العلاء المعري (ت 449هـ)، وهو ملهم الرصافي في فلسفة الوجود والحياة، حيث سلك مسلكه في انتقاد الأديان والمذاهب، فحكمه لدى حكمه عند الفقهاء: الملحد البارد. قال أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي: «من العجائب أن المعري أظهر ما أظهر من الكفر البارد الذي لا يبلغ من مبلغ شبهات الملحدين» (ابن الجوزي، المنتظم، بيروت: دار الكُتب 1992 وفيات السنة 449ه). والإلحاد البارد هو الموازنة بين الإلحاد وبين الإيمان، ولنرَ أبا العلاء في الحالتين: قوله في «لزوم ما لا يلزم»:

أمور نستخف بها حلـومٌ([1])… وما يدري الفتى لمن الثُّبورُ
كتاب محمدٍ وكتاب موسى… وإنجيل ابن مريم والزَّبـُور
نهت أمماً فما قبلت، وبارت… نصيحتها فكل القوم بـور

بينما قال في مكان آخر:
دعاكم إلـى خير الأمـور محمدٌ… وليس العوالي في القنا كالأسـافلِ
هداكم إلى تعظيم مَنْ خلق الضحى… وشهب الدجى من طالعات وآفـل
وألزمـكم مـا ليس يعجـز حمله… أخا الضعف مـن فرض ونوافـل

وإذا انتخب هادي العلوي نقد المعري للدين والدولة والناس في «المنتخب من اللزوميات» (مركز الدراسات الاشتراكية في العالم العربي 1990)، انتخب عبد المعين الملوحي إيمانيات المعري في “دفاع عن أبي العلاء” (دار الكنوز الأدبية 1994)، وقد جاء الكُتيب الثاني وكأنه رد على الأول دون الإشارة. إلا أن أبا العلاء ليس هذا ولا ذاك، بل هو مثلما قال ابن عقيل: أظهر الكفر البارد. وأقول: الإيمان البارد أيضاً. وهذا شأن الفلاسفة ومتوقدي العقول، ومنهم معروف الرصافي.

قال الرصافي بدنيوية واجتماعية الدعوة الإسلامية، بما هو أكثر جرأة من شاعره الأثير أبي العلاء، والذي يحلو أن يسميه بشاعر البشر: «هذه الجنة التي جاء وصفها في القرآن وفي الأحاديث النبوية، هي من مبتكرات محمد التي يسبق إليها، وفيها دلالة على ما في خياله من سعة ومن قوة، ولم يعتبر الشهيد المقتول في سبيل الله ميتاً بل جعله حياً يرزق»(الشخصية المحمدية، ص22).

لكنه في مكان آخر قال: «أنا – ولله الحمد – مسلم، مؤمن بالله وبرسوله محمد بن عبد الله إيماناً صادقاً لا أرائي فيه ولا أداجي» (صفوة، سلسلة الأعمال المجهولة معروف الرصافي، رياض الريس للكتب والنشر، ص47). لكل هذا، هو الملحد البارد، الذي يخشى صولة رجال الدين، قال في وصيته: «أراهم يهيجون عليَّ العوام باسم الدين، ولا أظنهم يتركونني حتى يعدموني في الحياة، وليس لي مَنْ ألتجئ إليه سوى الله» (المصدر نفسه).

في حال الرصافي والمعري قد يتداخل الإيمان والإلحاد، فلا إيمان مطلق ولا إلحاد مطلق، وفلسفياً لا تتداخل المادة والفكرة، ويصعب التتبث من صحة السؤال الفلسفي الأساسي في المادية الديالكتيكية: “أيهما أسبق المادة أم الوعي؟”، وبالتأكيد سيكون الجواب بأولوية أحدهما غير فلسفي على الإطلاق، وذلك لأن الطرفين مازالا في ارتياب.

ومن هنا أقول: الإلحاد والإيمان مقولتان ولدتا في رحم الريبة! إنما هي الموازنة بين النظر في عجائبية الكون وغموضه، وبين ضعف النص الديني في التعبير عن الله، فمثل الشاعرين قد يدققان في نصوص كثيرة لا تعبر عن جلالة الله، مثل «عدو الله»، فمَنْ يقدر على عداوة الله، وهو صاحب القدرة الكلية غير المحدودة بحدود؟ وكيف يصبح المخلوق عدو خالقه؟ ألا يتعالى الإنسان، وهو من مخلوقات الله، على نصب العداء لمَنْ هو أقل منه شأناً، كي لا يجعله كفواً أو نظيراً له! وبالتالي أليست الأديان والمذاهب كافة تستخدم عداوة الله في خلافها مع غيرها؟ وبالتالي أليست عداوة الله مفردة مسيّسة؟

كان الرصافي حريصاً أن لا يُنشر كتابه «الشخصية المحمدية» في حياته، وذلك خشية تحريض العوام ضده من قبل فقهاء الدين، وقد سلم مخطوطته لمحمود السنوي (الرشودي، رسائل الرصافي، ص 119). إلا أنه توسط وبإلحاح لنشر كتابه «الرسالة العراقية»، وقد رفض الوسيط أو الوسطاء المساعدة، بسبب ما ورد فيه من سخرية غير مقيدة، ونقد جارح لشخصيات ذلك الزمان، ولطائفة الشيعة، وما فيه من ارتيابات. وكان قد كتب عدة رسائل إلى الوجيه البصري عبد اللطيف باشا المنديل، ووزير التجارة في أول وزارة عراقية، لشراء الكتاب أو المساعدة على نشره، بيد أن المنديل لم يرد على طلبه، لا بالإيجاب ولا بالسلب، وتعذر له وكيله بالقول: «إن سوء صحة سيدي الباشا لا تسمح لي بعرض مقترحاتكم» (المصدر نفسه، رسالة الرصافي إلى عبد العزيز المانع، وتعليق المانع في ذيلها (15 أيلول 1940) ص 97).

وكتب رسالة ولم يحدد المرسل إليه، ولعله كان المنديل نفسه، جاء فيها: «وبما أني عازم على طبع هذه المباحث بعنوان الرسالة العراقية، ونشرها خارج العراق طبعاً، أو بيعها لمَنْ يرغب في ذلك، رأيت من المناسب قبل الإقدام على ذلك أن أعرضها على فخامتكم، لما عسى أن تكونوا راغبين على شرائها» (المصدر نفسه، ص 102). ثم كرر الطلب بعد وفاة المنديل مع القائم على أحوال أولاده سعيد البدري. كان الرصافي يلح في أمر نشر «الرسالة… » لعوز مادي، كما هو الظاهر، وليس لنشر الأفكار. قال: «فيا أخي سعيد أرجو منك أن تفهم لي جلية الأمر في هذه القضية» (المصدر نفسه، ص 1). وكان البدري يقوم بنسخ ما ينجزه الرصافي من أجزاء الرسالة.

هاجم الرصافي في «الرسالة… »، كما أسلفنا، الملك فيصل الأول، ونوري السعيد، بيد أن حصة وزير المالية رستم حيدر، وياسين الهاشمي كانت أبلغ من غيرهما، ولسخرية أورد اسم الهاشمي بيس الهاشمي، ولا تستبعد من الرصافي أنها إشارة إلى النعم الدائمة مع الإنكليز، فالمشهور عن الهاشمي أنه يُقدم نفسه خصماً. ولقبه هزاءةً بزعيم العروبة، القادم، حسب الرصافي، من طوزخورماتو، وهي منطقة يغلب عليها الأصل التركماني، فما له والعروبة إذن! ويعتقد الرصافي أن رستم حيدر- يسميه وزيره الشيعي- كان وراء ميل فيصل لتعيين شخصيات شيعية غير كفوءة، ويعتبر ذلك من أوامر الإنكليز أن يُقسم العراق إلى قوميات ثم إلى مذاهب، حتى أصبحت رئاسة الوزراء للسنُة، ورئاسة البرلمان للشيعية في أغلب الأحوال. ورستم، كما يرى الرصافي، جعل فيصل يسير باتجاه الطائفية، وكان يذهب إلى النجف «وصلى معهم على تربة… وما أدري هل سب عمر بن الخطاب»!

وحقاً، كان الرصافي المبادر في «الرسالة…» إلى نقد قانون العشائر، أي الحكم بالسواني أو الأعراف لا عن طريق المحاكم الرسمية، وهو ما ينقص من وحدة العراق، ويجعل من عشيرة إدارة قائمة بحالها، وقد ظل معمولاً بهذا القانون حتى ثورة تموز 1958. وانتقد قانون التسوية لملاكي الأراضي، وإصدار قانون حصر المهن بالعراقيين، بتحايل من ياسين الهاشمي، لعدم قبول أحد الهنود بمشاركته في أعماله وأمواله، وقانون انضباط الموظفين، وهو يشبه اليوم قانون لجنة النـزاهة بالعراق، إلا أنه بسبب الوساطة ظل عاطلاً بل حامياً للمفسدين.

عموماً تصل سخرية الرصافي بوجهاء وأحوال ذلك الزمن إلى القول في أحدهم «لا يملك رزانة عنـزة ولا عقل وزة»، وآخر تحول من شواك، بائع شوك، إلى ملاك أراضٍ كبير. لكل هذا عزف عبد اللطيف المنديل من السعي في نشر الكتاب المذكور، تاركاً الطلب بلا جواب، ربما خشية من الهجاء. لكن، كان يمكن نشر الكتاب في العهد الجمهوري، حيث فيه ما فيه ضد العهد السابق، إلا أن مغالاة الرصافي في العداء للشيعة، والتعرض إلى السائد الديني يمنع من ذلك.

وكم يكون صعباً التوسط لنشر كتاب الرصافي «الرسالة العراقية»، وما فيه من تهكم وسخرية وتمرد، بعد معرفة ما جلب عليه كتابه «رسائل التعليقات» من مصائب. لم أقرأ كتاب الشيخ جلال الحنفي (ت 2006)، وهو من فقهاء السُنَّة وإمام جامع الخلفاء، حول معروف الرصافي «الرصافي في أوجِهِ وحَضيضه»(بغداد 1962). إلا أن للشيخ قضية مع الشاعر، غير ما ورد في كتابه الرسائل، وما أُثير من ضجة ضده العام 1944. ينقل مير بصري أن وراء الضجة «تحريض وتشجيع من البلاط الملكي انتقاماً منه (الرصافي) لهجوه الأمير عبد الإله (الوصي)، ومساندته لحركة مايس (مارس) 1941 ضد الإنكليز. وقد اخبرني مصطفى علي أن الشيخ الحنفي أبدى نشاطاً محموماً في تكفير الرصافي» (بصري، أعلام الأدب الحديث في العراق، لندن: دار الحكمة 1994، 2 ص 550).

وقيل ذهب الحنفي إلى النجف لاستصدار فتوى من المرجعية الشيعية آنذاك لتكفير الرصافي. وسمعت من الباحث العراقي رفعة عبد الرزاق محمد أن الحنفي طلبها بسبب ما ورد في كتاب “الرسائل…”. ومهما كان الغرض من التكفير، إلا أن هذا السلوك لم يناسب ما دأب عليه الحنفي من تسامح في طرح الأفكار! سعى الشيخ الحنفي بنشاط إلى تكفير الرصافي، والبغداديون بعد لم ينسوا إثارة الضجة ضده السنة 1908، وهو عام إصدار الدستور العثماني من قبل مؤيدي الاستبداد، بسبب قراءة الشاعر لبيان الاتحاديين بإعلان الدستور وسط بغداد، حتى سرب رجال الدين إشاعة مفادها: «أن الرصافي أسكت قارئ القرآن، وأهانه» (الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، بغداد: مطبعة الرشاد 3 ص 165). ولا صحة لذلك. وعقب ما أُثير، هجا الرصافي الشيخ الحنفي بقصيدة منها:

ولست بمعجـزي أبداً، فإنـي… على كبح الغواة قصرت عمري

شحـاك علـيَّ بالنكراء شاحٍ… وكـم أغـراك بالنبهاء مُغـرِ

مات الرصافي ولم يترك في وصيته أثراً طائفياً، يحدد موقع قبره أفي مقابر السنِّة أم الشيعة؟ فالقوم تفرقوا في المساجد والمقابر! جاء في وصيته: «أدفن في أي مقبرة كانت، على أن يكون قبري في طرف منها، وان يكون في أرض مظلومة، وهي التي لم تحفر قبلاً» (صفوة، سلسلة الأعمال المجهولة.. معروف الرصافي، ص 47). فمثلما عاش وحيداً لا يريد الاجتماع في قبر واحد. ولربما لدالية المعري فعلها في هذا الطلب! قال الأخير راثياً شيخاً حنفياً (المعري، سقط الزند، بيروت: دار مكتبة الحياة 1965ص 111):

ربَّ لحدٍ قد صار لحداً مراراً… ضاحك من تزاحم الأضداد

ودفيـن على بقـايا دفينٍ… فـي طول الأزمـان والآباد

وبعد حين أقيم تمثال للشاعر والمفكر وسط بغداد، يقطع شارع الرشيد، متجهاً صوب الجسر، وكان من المؤمل أن يُقام له تمثال بالفلوجة، في المكان الذي كتب فيه «الشخصية… «والرسالة…»، وعبر صراحة عن كل ارتياباته. إلا أن المانع كان تمرده وشغبه المتواصل ضد أعيان ذلك الزمان. قال أمين المميز: «بعد بضعة أسابيع من وفاة الرصافي، قمت بحملة لإقامة نصب تذكاري له في الفلوجة، تخليداً لذكراه فيها. فاستحصلت على قرار من مجلس بلدية الفلوجة بتخصيص مساحة خمسة أمتار مربعة من الحديقة العامة، المقابلة لمدخل جسر الفلوجة، والمشرفة على الدار التي كان يسكنها. وقمت بطبع دفتر وصولات لجمع التبرعات لذلك الغرض، وكلفت المهندس أحمد مختار بإعداد تصميم النصب، وتفاهمت مع بعض النحاتين لنحت تمثال نصفي للرصافي. وما كاد المشروع يبلغ مراحله النهائية حتى تلقيت تحذيراً من بعض المسؤولين مفاده: هاي شلك بيه؟ مو أنت موظف في وزارة الخارجية، وتعرف علاقة الرصافي بالحكومة والإنكليز. فنفضت يدي من تلك المهمة، واعدت التبرعات إلى المتبرعين، وكانت قد بلغت 25 ديناراً» (المميز، بغداد كما عرفتها، ص 301).

وإذا كانت مواقفه، وما سطره في مخطوطته، التي تنشرها دار «الجمل» أول مرة، حائلاً دون تمثاله النصفي بالفلوجة، فإن كتابه «الشخصية المحمدية» وكتابه «رسائل التعليقات»، وما نثره من تمرد ضد العوائد الدينية، الغريبة كما يرى هو على الإسلام، سيجعل إقامة ذلك التمثال مهمة مستحلية في حاضر الفلوجة خصوصاً، فهي الآن مدينة المساجد والمنائر، ولها زواياها في تطبيق الشريعة، ولم تعد تتحمل أحوال الثلاثينات من القرن الماضي.

[1]- ورد الشطر أيضاً: «عقول تستخف بها سطور ٌ» (ابن تغرى، النجوم الزاهرة، مصر: دار الكُتب 1929-1932 الجزء 5 ص62)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق