ازدواجية العقل دراسة تحليلية نفسية لكتابات حسن حنفي- جورج طرابيشي

تأليف جورج طرابيشي

كلمة الغلاف

منذ عصر الجرح النرجسي، أي منذ صدمة اللقاء مع الغرب واكتشاف العالم العربي تخلفه في مرآة أوروبا المتقدمة، والنخب المثقفة العربية تعاني من ازدواجية عضال: المنافحة عن الذات في مواجهة الوافد الغربي، ونقد الذات لانتشالها من هوة التأخر والفوات الحضاري. ومن ثم وجدت النخب المثقفة العربية نفسها في موقف سيزيفي منهك للقوى، إذ كان شأنها كشأن من هو مضطر إلى أن يردم باليسرى ما يحفره باليمنى.

الوارث الأكبر لهذه الازدواجية هو حسن حنفي الذي أراد أن يجمع في شخصه بين الفيلسوف والفقيه، وفي فكره بين الانتصار للحداثة والانتصار للقدامة، بين طلب التماهي مع الغرب وطلب فك الارتباط مع الغرب، بين نقد التراث إلى حد الهدم والدفاع عن التراث إلى حد الأَمْثَلة.

هذه القدرة على قول الشيء وعكسه، في آن معاً ومن جهة واحدة، هي التي تعطي فكر حسن حنفي نكهته الخاصة كفكر فصامي منسوج لحمة وسدى بالتناقض، ومزدوج بين إستراتيجيتين: نقد لامتناهي الجرأة للذات ولموروثها وصولا إلى انتهاك المقدسات، ومنافحة تعظيمية عن الذات وموروثها قد تأخذ حتى شكل الهُذاء.

وعندما تكون الازدواجية مرفوعة على هذا النحو إلى مستوى منهج التفكير، فإنه قد لا يعود أمام الدارس من منهج آخر لتشخيص الحالة سوى التحليل النفسي. وهذا ما يفعله طرابيشي عندما يدرس كتابات حسن حنفي بوصفها حالة فردية خاصة من “العصاب الجماعي العربي” الذي رصد أعراضه في الجزء الأول من “المرض بالغرب”.

من المقدمة

في ندوة «العقلانية والعقلانية العربية» المنعقدة في تونس في 1986، كان بيني وبين د. حسن حنفي لقاء وجولة ليلية في شوارع العاصمة.

وضع يده على كتفي وقال: أيها الأخ جورج، لقد علمت أنك تعدُّ أطروحة جامعية عني.

قلت: بلى.

قال: لي عندك طلب.

قلت: على الرحب والسعة.

قال: أيها الأخ جورج، أترى هذا الذي يكلمك؟ إنه ليس حسن، بل حسنان. فهناك حسن حنفي الفيلسوف، وهناك حسن حنفي النبي. وما دمت قد عقدت العزم على الكتابة عن حسن حنفي، فرجائي عندك أن تدع حسن حنفي النبي جانباً، وأن تكتب فقط عن حسن حنفي الفيلسوف.

قلت: كما صارحتني، أصارحك. فأنا لا أستطيع تلبية هذا الرجاء. فمعقد أطروحتي كلها على هذه الازدواجية بين الاثنين. وبدون هذه الازدواجية لن يعود لأطروحتي من معنى.

ولا أكتم القارئ أنني ترددت طويلاً قبل أن أورد هذه الواقعة على سبيل التقديم لهذه الطبعة الثانية، وأكشف للقارئ عن تفاصيل حديث دار قبل نحو عشرين سنة وكان ينبغي أن يبقى حميمياً. ولكن هل أكشف فعلاً عن سر؟ فلاحقاً، وفي أكثر من مقابلة صحفية أجريت مع حسن حنفي، وجدته يصرِّح بأنه يجمع في شخصه، كمفكر، بين الفيلسوف والفقيه. وكما سيتبيّن القارئ في هذه الرحلة المطولة مع حسن حنفي، فإن المشكل لا يكمن في هذا الجمع بحد ذاته، بل في كونه يتم، في مئات ومئات المواقف التي سنعرض لها، على حساب مبدأ المبادئ في المنطق: مبدأ عدم التناقض.

{دار بترا للنشر والتوزيع}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق