استشراء «الويكيليكسية» وتقليدها : الإثارة على حساب الوعي / عبدالوهاب بدرخان

حروب السياسة والاقتصاد، كما الحروب ذاتها، خيضت دائماً وتخاض استناداً الى «الحقائق» التي تملكها أطرافها، ويجهد كل منها الى إثبات أنه وحده من يملك «الحقيقة» التي يسعى الى أن يتبناها المجتمع. وأدخلت ظاهرة «ويكيليكس» الوثائق السرية في عصر صعب، لا بكونها انتهكت شرعية الأسرار، بل لأنها أعادت السياسة الى كلاسيكية «المبطن غير المعلن» الى حد أنه يمكن أن يكون عكسه تماماً. والبعض قد يتذكر هنا أحد تقاليد المافيا الإيطالية عندما يتقابل اثنان من أعضائها ثم يفترقان فيبادر أحدهما الى تقبيل الآخر على وجنتيه، ما يعني أن هذا «الآخر» قد أهدر دمه. بعض آخر قد يتذكر عبارة جورج دبليو بوش بعد أقل من شهرين على سقوط بغداد: «أنهينا المهمة»، مع أن الوثائق غير المسربة آنذاك كانت شديدة الوضوح بأن المهمة مقبلة على الغرق في وحول العراق.

 

والأمثلة كثيرة، فإظهار وجهي السياسات الوردي والقاتم، الحقيقي والكاذب، كان ولا يزال محور التحليل المباشر والتأريخ الهادئ الآخذ مسافته مع المكان والزمان. في البلدان التي لم يتشكل استقرارها بعد، غالباً ما يكون سقوط نظام فرصة لفضح ما سبقه في انتظار أن يراكم هو فضائحه ليأتي النظام التالي فيكشفها. كان سقوط الأنظمة الاشتراكية خلال تسعينات القرن الماضي، وتبعثر وثائق جهاز «ستازي» وغيره، مساهمة حداثية حاسمة في بلورة مقاربة جديدة لمفهوم الأسرار الديبلوماسية، وأيضاً للوعي والشك بـ «السياسات» كما هي موصوفة من صانعيها. ولم تبن الحركات المناهضة للحرب العراقية مواقفها على اعتبارات إنسانية فحسب، وإنما لأن تلك الحرب تجاوزت متطلبات الشرعية القانونية وتجاهلت المعطيات الحقيقية عن أسلحة الدمار الشامل، ولم يعد توني بلير يدافع سوى عن الضرورة التي حتمها وجود ديكتاتور في بغداد، وهو ما لا ينقضه أحد، غير أنه ليس الديكتاتور الوحيد، بل أن بلير وسواه لم يجدوا غضاضة في التعاون مع ديكتاتوريين آخرين مع علمهم بأن «المبادئ الغربية» توجب إسقاطهم.

 

بالنسبة الى صانعي السياسة لا مبرر للتضليل سوى أن الحقائق لا تساعدهم في الإدارة، ولا في تحصيل مصالحهم. ولذلك برز التنافس على الإعلام وكل وسائل التواصل سعياً الى احتكار الحقائق، أي لتسهيل نشر التلفيقات على أنها حقائق. وفيما بنى هذا التنافس والتغالب «نظاماً» للإعلام، عانت شعوب كثيرة من «مجاعات» واقعية لمعلومة تسد أودها، لكلمة تلوح في الأفق وتقترب من وصف معاناتها أو تخاطب عقولها. لا يعني ذلك أن مثل هذا «النظام» الإعلامي لم يكن موجوداً في الدول المتمتعة بحريات واسعة، إلا أنه أكثر تعقيداً وحذاقة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالسياسات الخارجية التي لا ينشغل الرأي العام الداخلي بها إلا في حالات كالتي تبدّت مع اختلاط إرهاب 11 أيلول (سبتمبر) 2001، بحربين في أفغانستان والعراق وبتشريعات وإجراءات أمنية وتناحر حضارات في الداخل، والأهم اختلاط كل ذلك بتغيير جذري طرأ على ذاك «النظام» من داخله عبر وسائل الإعلام الحديثة كالفضائيات والشبكات الإلكترونية. وفي هذا الخط بات التسريب منهجاً ولم يعد استثناء.

 

الخطورة التي باتت «ويكيليكس» تشكلها على الحكومات كافة، وليس الإدارة الأميركية فحسب، أنها أشاعت تسويفاً لأخلاقية جديدة قوامها أن مخالفة الحكومات لما كان متعارفاً على شرعيته، خصوصاً متى تعلق الأمر بقرارات لشنّ حروب مكلفة بشرياً ومالياً وثقافياً ومعنوياً، باتت تبرر مخالفة الأفراد للنزاهة المتعارف عليها في أداء الواجب أو الوظيفة. وكلما كبر شطط الكبار صغر ولاء الصغار. وها هي، إذاً، «حرب» أو قل مواجهة من نمط غير مسبوق لم يضع لها أحد أي قوانين أو ضوابط، فكما يبالغ أصحاب الأسرار سيبالغ كاشفوها، وكلٌ يدعي الشفافية من دون أن يكون مضموناً أن الجمهور الأوسع سيحصل فعلاً على هذه الشفافية.

 

لا شك في أن وسواس «ويكيليكس» سيقود الحكومات، كما يفعل الآن بواشنطن، الى أضاليل مبتكرة للتغطية على الأضاليل المفضوحة، لتتمكن من الحفاظ على منزلة أعلى في احتكار «الحقائق». يستدل الى ذلك من الانعكاسات الجانبية والمحدودة للتسريبات الكثيفة في شأن مجريات الحرب ويومياتها في أفغانستان والعراق. ولعل من استفظع ما قرأه وسمعه ورآه عن حكومتي هذين البلدين، توقع تغيراً حتمياً ولازماً. لكن حامد كارزاي فرض نفسه بيدقاً لا بديل منه، بانتخابات واضحة التزوير، وفساد موثق، لكن هدف القضاء على «طالبان» وتصفية نفوذها تبقى له الأولوية على الكماليات الديموقراطية. كما أن نوري المالكي رسّخ زعامته مستدرجاً تجاهل الجميع لممارساته الميليشيوية ومخالفته الدستور وإخضاعه القضاء وقوانين الاجتثاث للألاعيب الانتخابية. طبعاً، لم يكن متوقعاً أن تحدث التسريبات اختراقاً في بغداد أو في كابول، لكنها قد ترتب على مدى أطول مساءلة في واشنطن، ولأسباب لا تتعلق بالضرورة بهاجس احترام «المبادئ» وإنما لأغراض سياسية داخلية.

 

وفي مسار التسريبات أيضاً، توجب سحب العديد من السفراء الأميركيين والتخلي عن عملاء محليين. ففي ليبيا، مثلاً، لم تطلب الحكومة مغادرة السفير لكنها أوعزت لـ «اللجان الشعبية» كي تجعل إقامته صعبة. والآن يتبين أن التسريبات لم تلعب دوراً في إسقاط زين العابدين بن علي، وإنما وفرت توصيفاً لنظام لم يعد ممكناً احتماله، إذ بلغ حالاً ما بعد تشاوشيسكية يصعب لجمها، وعندما اندلعت الانتفاضة كانت ضرورات حمايته ودعم بقائه في الحكم قد تبددت. لكن، للمفارقة، يبدو أن التسريبات أفادت إيران إذ خفضت الحديث من ضربها عسكرياً وأتاحت لها الإقبال على مفاوضات مع الدول الكبرى على قاعدة إيجاد «قواسم مشتركة للتعاون» بعدما أصبح – في نظرها – تخصيب اليورانيوم أمراً واقعاً لا فائدة من العودة إليه. في المقابل، لا بد أن التسريبات دقت ناقوس الخطر في بيونغ يانغ بعدما عرف نظام كوريا الجنوبية أن الصين، بحلتها البزنسية، لا تمانع رفع يدها عنه. أما سورية فمن الواضح أنها كسبت من التسريبات ما يتيح لها التخطيط لـ«تطهير» المشهد السياسي اللبناني ممن وثّق الديبلوماسيون الأميركيون آراءهم في استهدافاتها اللبنانية.

 

لم تتأخر موجات التمثّل بـ «ويكيليكس»، إذ قدمت قناتا «الجزيرة» القطرية و«الجديد» اللبنانية نموذجين مثيرين للجدل، الأولى بوثائقها عن أحد مراحل التفاوض الفلسطيني – الإسرائيلي، والثانية بأشرطة صوتية مسربة من تسجيلات التحقيق الدولي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري. فهذا التقليد العربي لـ «الويكيليكسية» يندفع في مسارات الاستخدام المبتور للشفافية. فكل شيء يتوقف في النهاية على مدى نزاهة المقاصد حيال جمهور يعرف مسبقاً ماهية الانحطاط في السياسة. ويفترض أن يبقى الهدف تعزيز الوعي الجمعي. كانت الغلبة في حال «الجزيرة» للالتزام، فإما وقف نهائي للمفاوضات وإما تصويب لنهجها، وليس مؤكداً أن الأسلوب الذي اتبع في عرض المعطيات يمكن أن يؤدي الغرض. أما في حال «الجديد» فكان تشديد على الحرص على إظهار «حقيقة» انحراف التحقيق الدولي في الجريمة، لكن النتيجة الملموسة لم تتعدّ الإثارة بلا اكتراث باحتمال الولغ في الدم والانخراط في التستر على القتلة كما في ثقافة الاستخفاف بالقتل. يبقى أن التقليد غير الموفق لا يعني أن ظاهرة «ويكيليكس» لن تستشري، أو يجب إعدامها، فهي انبثقت من حاجة معرفية لا شك فيها، ومن ظرف عالمي مفعم بالتضليل، وسيكون على الإعلام أن يكيّف مهنيته معها، فلا يكتفي بما هو مثير على حساب ما ينبغي أن يبقى فعلاً في أذهان وعيهم.

 



عن جريدة الحياة 27/1/2011

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق