اشتغال الدماغ حسب عالم البيولوجيا العصبية – جان بيار شانجو

بفضل التصوير الدماغي (L’imagerie cérébrale) يمكننا المقارنة بين الواعي و غير الواعي . ويمكن كذلك قياس الإشارات الفيزيولوجية المفضية إلى الوعي. و حسب “ج – ب – شانجو” يتم ذلك في إطار فضاء اشتغال إجمالي للدماغ.

     أجرى هذا الحديث مع هذا العالم النوروبيولوجي كل من ماتيو نواك و ماري لور تيودول (Mathieu Nowak et Marie-Laure Théodule) من المجلة العلمية (La Recherche)

    المجلّة:

    يبدو، حسب جل النظريات حول الوعي، أن استشعارنا للعالم الخارجي قد يكون مقطعا إلى “سطوح” ( أو لوحات). هل تنخرطون ضمن هذه الرؤيا ؟
    ج – ب شانجو:

    الفكرة قابلة للتصديق. يحتمل أن يقسّم جهازنا النظري – بواسطة حركة العينين مثلا –العالم الخارجي إلى ” مناظر” متتالية. ليست لدينا أية حجة على ذلك ! لكن ما يشغلني أكثر هو طبيعة العمليات الدماغية التي تثير لدينا ذلك الإحساس المتواصل في الزمان للعالم الخارجي. إن رؤيتنا للعالم ليست “ستروبوسكوبية” ( أي إنها لا تعمل على غرار جهاز الإبطاء الظاهري للسرعة) ولا هي مفصولة أو مفككة حسب الشكل و اللون و الحركة حتى و لو كانت هذه الملامح محللة كلا على حدة من قِبَلِ الدماغ. تحدث لدينا حوصلة تعطينا شعورا إجماليا واعيا و موحّدا للعالم الخارجي.

 المجلّة: حسب عالِمَيْ البيولوجيا “كريك” و “كوش” اللذَيْن اهتما بمسألة الوعي يمكن أن يُستنتج التواصل الظاهري للوعي من التشابك المستمر بين لحظتين شعوريتين متتاليتين. ما رأيكم في ذلك ؟
    ج – ب شانجو:  

    إن فرضية “كريك” و “كوش”(Crick et Koch) تروّجان من جديد للنظرة السينمائية للعالم. غير أن هذا بالنسبة لي لا يجيب على المسألة الجوهرية المتعلقة بالحوصلة. فلكي نتطرق إليها يجب أن نميز جيدا بادئ ذي بدء بين القياس الموضوعي للعمليات الفيزيولوجية التي ترافق الوعي بالإشارات الحسية و بين ما يتصل بالإحساس الذاتي بهذه الإشارات و التي نستطيع أن نصوغ عنها تقريرا واعيا. و قد سبق أن اقترحت – منذ سنة 1998 – بمعية “ستانسلاس دوهاين” و “كلار سرجان”   (Stanislas Dehaene,Claire Sergent) نموذجا معبرا في صيغة برنامج معلوماتي يرتكز على نظرية أشمل لفضاء الاشتغال العصبي الواعي[1،2 ]. و تتمثل الفكرة في اعتبار أن شبكات خلايانا العصبية في الدماغ تنتظم وفق فضاءين احتسابيين (computationnels) متمايزين عن بعضهما البعض : فضاء يحتوي أجهزة مختصة لترجمة التعليمات و تنفيذها (processeurs spécialisés) و هي أجهزة آلية و غير واعية، و فضاء اشتغال عصبي كلـّي من شأنه أن يسمح للإشارات الحسية بالمرور إلى الوعي – من أسفل إلى أعلى – وأن يراقب في نفس الوقت الإدراك الذاتي لهذه الإشارات – من أعلى إلى أسفل. يتكوّن هذا الفضاء الأخير على صعيد الدماغ أساسا من شبكة أفقية لخلايا عصبية مترابطة بين بعضها بكثافة. و يمكن لهذه الأخيرة أن تجنـّد بشكل تركيبي مجموعات متعددة من خلايا عصبية تقتطع من مختلف “البروسسورات”( processeurs) و هذا ما يساهم في تنوعية التمثلات الواعية. بالمقابل و في كل لحظة لا يمكن أن يكون فضاء الاشتغال الإجمالي مشغولا في نفس الوقت إلا من طرف صورة ذهنية واحدة ضامنا بذلك وحدة الوعي.
    المجلّة: وكيف ترتقي التمثلات الذهنية إلى مستوى الوعي ؟
 ج – ب شانجو:  المثال المقترح يفترض أن تكون هناك عتبة (شعورا) تظهر حين الدخول في الفضاء الواعي. و عندما تـُجتاز تلك العتبة – المراقبة تجريبيا – تجتاح الإشارة الحسية فضاء الاشتغال العصبي و بهذا الحدث تصبح واعية. فهناك إذن معالجة للإشارة من أسفل إلى أعلى و لكن هذه المعالجة يمكن أن تحصل من أعلى إلى أسفل. فإذا كان فضاء الاشتغال الإجمالي على سبيل المثال مشغولا من طرف صورة ذهنية مستقرة لا يمكن للإشارة الحسية أن ترتقي إلى الوعي. وتـُظهر(في هذه الحالة) المحاكاة الحسوبية للنموذج انغلاق مدخل فضاء الاشتغال العصبي. لقد قدمت أعمال التصوير الدماغي التي قام بها حديثا “ستانسلاس دوهايم” و فريقه حججا تجريبية لصالح نموذجنا، و يسمى الاختبار المستعمل لهذا الغرض “بقعة التقنيع” أو “التخفي” (tache de masquage) و يتمثل في ما يلي: تـُقدم للمختبـَر على التوالي كلمتان مكتوبتان و يقع تغيير المدة الزمنية الفاصلة بين المنبهين. إذا كان الزمن الفاصل قصيرا فإنه يمكن أن يَحدث تقنيع للمنبه الثاني و يكون المختبـَر عاجزا على “استذكار” الكلمة الثانية التي قرأها. و في المقابل إذا طلبنا منه التعرف على الكلمة الثانية ضمن قائمة من الكلمات نلاحظ أن المنبه الثاني – الذي لم يقع الوعي )أو الشعور( به – قد وقعت معالجته من طرف الدماغ. يمكن لنا إذن أن نقارن بين المعالجة الواعية والمعالجة غير الواعية و أن نقيس موضوعيا الإشارات الفيزيولوجية المؤدية إلى الوعي بواسطة الرنين المغنطيسي الوظيفي على سبيل المثال. إذا ما عالج المختبـَر الكلمة  بطريقة لا واعية نجد أن هناك عددا قليلا من المساحات الدماغية – أساسا الخلفية – تنشط، و على العكس إذا ما توفر الدخول إلى فضاء الوعي تكون المناطق اللحائية  التي يشملها النشاط أوسع بكثير و تضم قبل كل شيء اللحاء الجبهي الجداري(le cortex fronto-pariétal-cingulaire )            في توافق مع النموذج المقترح. هذا و تظهر في هذه الحالة إشارات الارتقاء إلى الوعي متأخرة نسبيا ، أي ما بين 200 و 300 ملـّي- ثانية.[3]

المجلّة: إنكم تطرحون أيضا “دروينية الحلقات العصبية”(le darwinisme des synapses) فهل يتدخل هذا الميكانزم في الارتقاء إلى الوعي ؟
  ج – ب شانجو:

    لقد وقع تطبيق المثال الدارويني من طرف “أنطوان دانشان” و من طرفي منذ سنة  1973 [4]على التطور الشبكي الدماغي لمرحلة ما بعد الولادة، و لكن ذلك كان بطبيعة الحال بشكل ما فوق الوراثي (épigénétique )* و بأنساق زمنية أقصر بكثير.إلا أن تطور ترابطية الحلقات العصبية يمتد على شهور و أعوام. و يمكن على مستوى “الأشياء الذهنية” تصور تطور درويني أسرع بكثير و ذلك داخل الأزمان البسيكولوجية ( من قبيل الـ100 ملـّي ثانية). إن التغييرية توجد هذه المرة على مستوى فعاليات الحلقات العصبية. و تسمح هذه التغييرات بتجميع مجموعات متفرقة من الخلايا العصبية – بصورة وقتية – حول ما سميته بـ”التمثلات الأولية” (pré-représentations). وهذه الأخيرة يمكن لها أن تـُنتخب عن طريق تدخـّل ميكانزمات لها تأثير مباشر على العالم الخارجي ( أو على التقييم الداخلي) مثل أنظمة المكافأة  أو الانفعالات و التي لها مداخل إلى الفضاء الواعي. و في هذه الظروف يمكن لهذا الانتخاب أو الانتقاء أن يتم أثناء ترابط التمثلات و (تحولها) إلى “استدلال”.

    غير أنه يمكن لانتقاءات تمثلية أن تكون أيضا غير واعية و أقل تنظيما. و هذه الميكانزمات الاختيارية قد تستوجب تعديلات تخص فاعلية الحلقات العصبية تؤدي إما إلى استقرار “التمثلات الأولية” أو إلى امّحائها. وهكذا يمكن لـ”داروينية ذهنية” أن تنبثق.

    * توصف ب”ما فوق الوراثية” (épigénétique) كل ظاهرة ناتجة عن تأثير البيئة أو المحيط  على تعبيرات الجينوم.

    * ج – ب شانجو (Jean-Pierre Changeux) عضو أكاديمية العلوم و أستاذ شرفي بـCollège de France و كذلك أستاذ خبير بمعهد باستور بباريس. كرّس أعماله العلمية لدراسة الجهاز العصبي.
 نشر الحديث بمجلة “Les Dossiers de La RECHERCHE”عدد 30 بتاريخ فيفري 2008

     
—————————————————————————–
    

    [1] S. Dehaene et al., PNAS, 100, 8520, 2003.

    2 S. Dehaene et al., PNAS, 95, 14529, 1998.

    3 C. Sergent et al., Nature Neuroscience, 8, 1391, 2005.

    4 J.-P. Changeux et al. PNAS, 70, 2974, 1973. 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق