اعتزال الامس واليوم

 



 

لم يكن اعتزال واصل بن عطاء خارج حلقة شيخه الحسن البصريّ في جامع البصرة الكبير، مجرّد حدث يتناوله المؤرّخون باعتباره مقدّمة لظهور مذهب الاعتزال أو مجرّد خبر يتناقله الرّواة حول إشكالية المنزلة ما بين المنزلتين وإنّما كان موقفاً مبكّراً ومنحازاً للعقلانية بمواجهة النقلية الاتّباعية السّلفية، واستباقا فكرياً برهانياً بمواجهة بدايات التمهيد للعرفانية ولم يكن لنسب أيٍّ منهما أو انتمائه القوميّ دخل أو تأثير في موقفيهما، فكلاهما من موالي الفتح…!

كان هذا قبل ان يأكل الفقهاء بفقههم “اللوزينج بالفستق المقشور” وقبل أن تُحشى أفواههم بالدرّ والجواهر كي يراجعوا أنفسهم جيّدا قبل أن يقولوا شيئا يُغضب السّلطان فيعيدهم إلى أخصاصهم، وحتى قبل أن يبلغ الحال مداه التراجيديّ فتُفرَش الأنطاع لتتلقّى ألسنة (المتكلمين) والفلاسفة والصوفيين بل وفي أحيان كثيرة حتى رؤوسهم….!

والغريب أنّ المحرّضين على هذا كانوا في الغالب فقهاء وشعراء ومحدّثين وإلا كيف نصدّق أنّ شاعراً عذباً رقيقاً مثل علي بن الجهم صاحب “عيون المها بين الرصافة والجسر.. جلبن الهوى من حيث ادري ولا أدري” هو من يحرّض المتوكّل على تصفية المعتزلة جسدياً؟ ألم يقرأ ادوارد سعيد هذا قبل أن (يُصدم) في كتابه “الاستشراق” مما أسماه بـ”الوعي المتغطرس” لشاعر عذْب ورقيق أيضاً مثل لامارتين يُشَرْعِنُ ويبرّر للاستعمار ولهيمنة الرجل الأبيض!؟


كان أحمد بن حنبل يشرّع من خلال فتاواه لقتل أبي داود وزير المعتزلة في البلاط العبّاسي والذي كان بدوره قد اضطهد ابن حنبل وسجنه وعذّبه بسبب محنة “خلق القرآن” قبل زمن ما أطلق عليه “الانقلاب السنّيّ” فيما كان البحتري يدبّج أغرب قصائد المديح لهذا الخليفة “فلو أنّ مشتاقاً تكلّف فوق ما… في وسعه لسعى إليك المنبر”، أمّا المتوكّل فكان يدعو جلساءه الى جمع (الجواهر) التي تتناثر من أفواه الشعراء خشية ضياعها.


صحيح إنّه كان انقلابا ولكنّ ما ليس صحيحا أنّه كان سنّيّا.. كان انقلابا اتّباعيا نقليا على العقل ورؤاه وتصوّراته وبالتالي حلوله لمشكلات عصر ابتعد كثيرا عن زمن كان للتوّ تتشكل فيه الأمة، وكان يكفي لما يعترض مواصلة ذلك التشكّل آنذاك من مشكلات، التوجيهات المباشرة والنصائح أو الأوامر والنواهي الأبويّة.


لم تكن المشكلة في الدكتاتوريين الجدد في راهننا المعيش وليست هي نبتاً شيطانيا لتعالج باجتثاث الدكتاتوريين وباجتثاثه. ولم تكن المشكلة في أننا أغلقنا، دون (أنوار) عصر التنوير والديمقراطية، الأبواب والشبابيك وعلينا الآن فتحها ومعها صدورنا لاستقبالها بفرح غامر وبانتشاء، ولا هي أيضاً- كما يقول البعض- نتاج تخلّف المجتمعات العالمثالثية تحت تأثيرات الفقر والأمية والمرض. كلّ هذه ربما كانت مغالطات لفظية وتبسيطاً مجحفاً لا يلامس إلا ظاهر الأزمة ليتعمّد عدم الغوص داخل بواطن الأمور من أجل إدراك الأسباب الحقيقية خوفاً من انهيار المثال الجميل الذي كوّنته الذهنية التأمّلية طيلة قرون من الزمن ليصبح حاجزاً يمنع من إدراك الحقيقة.


المشكلة تكمن في هذا الركام الذي يطلقون عليه (تراثا). فهو المسؤول مسؤولية مباشرة بل تكاد تكون كاملة عن تشكيل هذه العقلية التي تعتقد دائما أنّها وحدها من بإمكانه امتلاك الحقيقة المطلقة، وأنّ الآخر دائما على باطل، فهو إمّا كافر أو مرتدّ حتّى قبل مجرّد التفكير في الدخول مع ذلك الآخر في حوار حرّ نزيه لمعرفة دوافعه وأهدافه..!


لم تكن المشكلة في البدايات، كي لا يظنّ البعض أننا نتجاوز على الفترات المقدسة في تاريخنا، وانّما حصل انعطاف ما أحدث كل هذه الطفرات في البنى الفكرية البسيطة لتحيله إلى مشكلاتها وتعقيداتها. فالمشكلة ليست في واصل بن عطاء الذي بمجرّد أن اختلف مع شيخه وتحلّق حوله مَن يَرون رأيه أصبح له ولمن على رأيه شخصية متميزة فنشأ ما أطلق عليه “مذهب الاعتزال”، ولا هي في الحسن البصري الذي لم يجد في ما ارتآه تلميذه (الألثغ) من غضاضة، فما زاد على أن قال: “اعتزلنا واصل”. فتعدّد الرؤى أمر وارد ما دام البشر مختلفين نتيجة التفاوت في الفهم والإدراك.


ما يجب التركيز عليه وإبرازه هو أنّ الشيخ والتلميذ ورغم اختلافاتهما الجوهرية في الرؤى والتصورات حول مرتكب الكبيرة (أهو مؤمن أم كافر) واختلافهما على رأيين، فالشيخ يقول: انه مؤمن فاسق، والمريد يقول انه في منزلة بين منزلتين، لا هو بالكافر ولا هو بالمؤمن، إلاّ أنهما مع هذا بقيا في نفس الجامع معاً كلّ يتكئ على اسطوانة من اسطوانته..!


لينشأ بعد ذلك المذهب العقلانيّ الذي تزامن مع دخول الفلسفة بدخول أمم شتّى في الإسلام غُلبت فنقلت ثقافاتها أو كيفتها لتتلاءم وتصورات الغالب الجديد المستمدّة من الفهم الظاهر للنصّ المقدّس وفي أحيان كثيرة كيّفت النصوص الإسلامية وما يتلاءم وثقافاتها لتبقي على شيء من الصلة بين الماضي والحاضر في ظرف تاريخيّ حضاريّ أملى على الجانبين هذه التوفيقية التي أنتجت حوارا فذّا انتقل بالإنسانية من النقلية الاتباعية إلى العقلانية البرهانية التي استمرّت زمنا حتى ظهور “تهافت الفلاسفة”*. 

كان الشيخ منشغلا عن تلميذه باستعادة (تعزيته) لعمر بن عبد العزيز بمناسبة تسنمه الخلافة: “..وانظر يا أمير المؤمنين إليها (الخلافة) نظر الزاهد المفارق. ولا تنظر نظر المبتلى العاشق الوامق. واعلم أنها تُـزيل الثاوي بالساكن. وتفجع المترف فيها بالآمن. ولا ترجع فيها ما تولّى منها وأدبر. ولا بدّ مما هو آت منها ينتظر. ولا يتبع ما صفا منها إلا كدر . فاحذرها فإنّ أمانيها كاذبة. وآمالها باطلة. وعيشها نكد. وصفوها كدر. وأنت منها على خطر…”.


أما التلميذ فكان منشغلا عن شيخه بارتجال الخطب الطوال متحاشياً أيّ كلمة تتضمن حرف الراء كما يذكر الجاحظ في البيان والتبيين.


أمّا اليوم فحين يختلف التلاميذ فيرون ما لا يراه شيوخهم أو (يعتزلونهم) فسوف يكون الاثنان في خطر وبالتالي المجتمع كله.


فإمّا أن يقتل الشيخ (فتاه) بتهمة المروق من الدين أو يقتل التلميذ شيخه بتهمة أخرى يستخلصها من خزانة التاريخ الإسلاميّ المملوءة تهماً جاهزة، فقد يتّهمه بـ(الزندقة) على سبيل المثال لا الحصر، وسرعان ما سينقسم المجتمع على فريقين من وجهة نظر كلا الطرفين، ففريق في الجنة وفريق في السعير، وكما يحصل اليوم في العراق فالشيعيّ في نظر السنيّ (رافضيّ) والسنّيّ في نظر الشّيعيّ (ناصبيّ) فأولئك – وكما تذكر الروايات رفضوا زيدا بن علي بن الحسين – أي رفضوا القيام معه في ثورته ضدّ الأمويين – كونه لم يقدح في أبي بكر وعمر كما أرادوا منه وأنهما مغتصبان للخلافة (وربما كانت هذه دسيسة أموية لينفضّ أصحابه عنه في ساعة الصفر من بدء ثورته في وجه جيوشهم وإذا كانت هذه الفرضية صحيحة فقد نجحوا)، وهؤلاء ناصبوا آل بيت رسول الله العداء، وكانوا من الأمويين وقد انقرضوا بعد انقلاب بني العباس باستئصال أبي العباس السفاح شأفتهم عن بكرة أبيهم سوى عبد الرحمان الملقب بالداخل (صقر قريش) الذي فرّ إلى شبه الجزيرة الايبيرية (الأندلس لاحقا):


       


          “فضع السيف وارفع السوط حتى              لا ترى فوق ظهرها أُمويَّا”



وكان للشاعر(سديف) ما أراد حين قضى أبو العباس السفاح على الأمويين ممن لجأوا اليه مستسلمين بعد أن أمّنهم.

وكلتا التهمتين (الرفض والنصب) في نظر كلّ طرف  تؤدّي إلى جواز بل ربما وجوب قتل الآخر، ولو قرأ الطرفان التاريخ قراءة الباحث المحايد لتبينوا أنّ تينك الفرقتين كانتا موجودتين فعلا في زمن اقتضت ظروف معينة ظهورهما وهي غالبا ما كانت تحت تأثير دوافع سياسية آنية، لكن.. كلا الفرقتين قد انقرضت بسرعة ولم يعد لهما وجود البتة في عصرنا الحاضر ولا حتى في عصور سابقة بعيدة.
 
 



هامش:


كتاب ألفه ابو حامد الغزالي في الردّ على ابن رشد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق