افتتاح الألعاب الأولمبية ببكين وجه الصين المنشرح..وقلبها المتوجس خيفة

لم تكن البداية، بداية الأولمبياد، جيّدة بما أنّ صدى الاعتداء منذ أيام قليلة على مجموعة من أفراد الشرطة الصينية قد أوجد حالة من القلق والتساؤل عن الوضع الأمنيّ أثناء الألعاب الأولمبية ببكين.لكن المرجّح أنّ حفل الافتتاح الذي سيتمّ اليوم08-08-2008 سيكون استثنائيا بهيجا باهرا على ما يعرف العالم كله عن عبقرية الثقافة الصينية وتراثها الزاخر مضافا إليهما ما اكتسبته الصين الحديثة من إتقان لقواعد الصّناعة عامّة وصناعة الفرجة تخصيصا بعد أن نفخت فيها من روح الكدّ والجدّ والتفاني والكياسة المشهورة في تلك البلاد.وهذا ما يشهد عليه أيضا، حسب التقارير وتصريحات العارفين، الملعب الأولمبي “عشّ العصافير” الذي بناه الصينيون لاحتضان حفلي الافتتاح والاختتام.

لقد كان خبر الاعتداء مؤلما ذهب ضحيته ستة عشر شرطيّا وجرح مثلهم بعد رميهم بالقنابل وطعن من تبقّى منهم بالخناجر في مقاطعة تبعد حوالي أربعة آلاف كيلومتر عن العاصمة بيكين.واتّجهت أصابع الإدانة مرة أخرى إلى مسلمين ناطقين بالتركيّة ينتمون على الأرجح إلى منظمّة تصنفها الأمم المتحدة، بضغط من الصين والولايات المتحدة الأمريكيّة، ضمن المنظمات الإرهابية:”الحركة الإسلاميّة لتركستان الشرقيّة”.والغاية واضحة تتمثل في لفت الانتباه في هذا المحفل العالميّ وفي هذه المناسبة اللافتة إلى مطالب المسلمين الإيغوريين الاستقلالية.

ولكن قبل ذلك سقطت ضحيتان في 21 جويلية المنقضي إثر تفجير حافلة بعاصمة مقاطعة يونان واغتيل في الفاتح من الشهر نفسه خمسة من أفراد الشرطة بمركز للشرطة بشنغهاي بواسطة السكاكين.هذا إذا غضضنا الطرف عن الأحداث التي شهدتها التبت في شهر مارس/آذار من السنة الجارية.

وقد لا تكون الصين مرشّحة لدى العديدين، لأسباب مختلفة بل متناقضة أحيانا، إلا لمزيد من الشماتة والدعاء صباح مساء عليها بالفشل والخسران ولكنّ هذا العداء الذي ما انفكّ يستفحل ضدها لا يناسب المقام ولا المبادئ التي لأجلها أحيى البارون ذو النزعة الإنسانية بيير دي كوبرتان سنة 1896 الألعاب الأولمبية ونقصد قيمة الامتياز الذي يفترض ضربا من الترقّي الذاتي دون أن يقارن المرء نفسه بالآخرين وقيمة الصداقة التي ترمي إلى ترسيخ التضامن والتفاهم والتقارب بين الشعوب من أجل السلم والبهجة والتفاؤل وقيمة الاحترام، احترام الذات والآخرين.

والواقع أنّ دعوة منظمة صحافيين بلا حدود إلى مقاطعة حفل الافتتاح الذي سيقام اليوم احتجاجا على انتهاك الدولة الصينية لحقوق الإنسان أو دعوة بعض فروع منظمة العفو الدولية” أمنستي” إلى إرسال عرائض وتوقيعات إلى السفارات الصينية ضد مواقف الحكومة الصينية الخارقة لحقوق البشر بما يمثل وصمة عار تصم الإرث الإنسانيّ للألعاب الأولمبية أو إثارة قضية التبت وسعي بعض السياسيين إلى استغلال الألعاب للضغط على الحكومة الصينية في هذه المسألة، كل هذا ليس جديدا في تاريخ الألعاب الأولمبيّة ولا داعي لحصر المسألة في سياسة الصين ولا الادّعاء بأنها الوحيدة المقصودة بهذا التوظيف السياسيّ الداخليّ والدّوليّ لهذه المناسبة التي تستقطب ملايين المشاهدين بحكم حجمها وعدد المشاركين فيها وتنوع الألعاب التي تتضمنها وامتدادها الزمنيّ.

فمنذ أوّل دورة للألعاب الأولمبية سنة 1896 بأثينا في صيغتها الحديثة وبتصوّراتها التي أقرّها مؤتمر باريس سنة 1894 قاطعت تركيا هذه الأولمبياد بسبب خلافاتها مع اليونان البلد المضيف.

وقاطعت بلدان عربية (مصر ولبنان والعراق) دورة استراليا سنة 1956 في سياق ما سمّي بأزمة قناة السويس.
ولكنّ أضخم مقاطعة للألعاب الأولمبية قادتها الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1980 في موسكو بعد الغزو السوفياتي لأفغانستان إذ استطاعت أن تجرّ وراءها أربعة وستين بلدا.

وما هذه إلا أمثلة للتوظيف السياسيّ للألعاب الأولمبية أمّا الأحداث الدامية والتفجيرات والاعتداءات فليست حكرا على الصين.إذ أنّ دورة أثينا منذ أربع سنوات خلت شهدت كما يذكر الجميع تفجيرات عديدة رغم مساعدة الحلف الأطلسيّ والقواّت المسلحة لسبعة بلدان أوروبية في تأمين الحماية والأمن للألعاب وقد كلّفهم ذلك ما يناهر1.5 مليار دولار لحماية البرّ والبحر والجوّ.وحتى مدينة أطلنطا التي احتضنت دورة 1996 لم تكن بمنأى عن الاعتداء إذ جرح أكثر من مائة شخص إثر انفجار قنبلة في قلب المدينة.

غير أنّ ما شهدته مدينة ميونيخ الألمانية في 05 سبتمبر /أيلول 1972 أثناء الألعاب الأولمبية يظلّ أكبر حدث عنيف في تاريخ الأولمبياد شتويّها وصيفيّها.ونقصد طبعا عملية الاختطاف التي قامت بها مجموعة من الفلسطينيين المنتمين إلى منظمة أيلول الأسود ضدّ الوفد الإسرائيليّ المشارك والتي انتهت بمقتل 11 إسرائيليا وخمسة من الذين قاموا بالعملية وشرطيّ ألماني.وإذا أدرجنا في الاعتبار ما استتبعته هذه العملية من اعتداءات إسرائيلية على مواقع المنظمات الفلسطينية ومخيماتها في لبنان وسوريا واغتيالات لشخصيات فلسطينية قيادية عديدة لتأكّدنا أنّ عدد الضحايا كبير جدّا (ما بين المائتين والمائتين وخمسين)وأنّ الحدث فاض عن مكانه الأولمبيّ ليساهم في نشر مزيد من العنف والتصفيات الدمويّة.

وربّما كان هذا” التاريخ الدمويّ للألعاب الأولمبية وما وقع بالخصوص في دورة أثينا إضافة إلى الحملات الإعلامية التي تتعرّض لها الحكومة الصينية بين الفينة والأخرى ومشاكل الأقليات في هذا البلد القارة هو الذي دعا الصينيين إلى اتخاذ إجراءات مهولة لتأمين سلامة الألعاب من الناحية الأمنية.وليس الحادث الذي وقع منذ أيام بعيدا عن بيكين بقابل للتكرار في العاصمة إذا صدّقنا التقارير الواردة من هناك من الجهات الرسميّة وشبه الرسميّة والمستقلّة الأجنبيّة.

فقد جهّزت جميع الفضاءات في المواقع الأولمبية بأرضيات لهبوط طائرات الهيلوكبتر ونشرت السفن الحربية في البحر وغطيت العاصمة بيكين بشبكة من الكاميروات محكمة ممركزة للمراقبة وجمع المعلومات في كلّ مكان وبصور مأخوذة من أكثر من زاوية للحدث المحتمل الواحد مع ربطها بكاميروات مراقبة البنوك وأخرى نصبت في أعمدة الكهرباء المخصّصة لتسيير المرور.وحتى حاويات الفضلات في أحياء بيكين تم ترقيمها وتصويرها على مدار الساعة بالفيديو. أما مواقع المترو التي أصبحت لدى الإرهابيين المكان المفضّل لزرع القنابل والمتفجّرات فقد تمّ تأهيلها لمراقبتها آليّا في المداخل والمخارج والممرات والأرضيات بحيث يمكن متابعة أيّ جسم متحرك على امتداد كيلومترين.

واقتنت بلدية بيكين عددا من العربات فائقة الدقة عالية التقنية لمواجهة أيّ اعتداء إرهابيّ مسلّح خصوصا أنّ الشرطة الصينيّة وضعت سيناريوهات كثيرة لمواجهة جميع الاحتمالات بما في ذلك احتمال وقوع هجوم بيولوجيّ.لذلك لا يستغرب الزائر إذا لاحظ نشر بطاريات أرض ـ جوّ حول ملعب عشّ العصافير وانتشار الرادارات.

ونترك للقارئ أن يتصوّر الإمكانات البشريّة الموضوعة لتوفير الأمن والحماية وإن كان المعلن منها رسميّا لا يتجاوز المائة ألف شرطيّ في الشوارع والمواقع الأولمبية يمكنهم أن يحضروا عند أيّ إنذار في حوالي ثلاث دقائق يضاف إليهم مائة وعشرون ألف حارس.

ولذلك تبدو الصين هذه الأيام تذوق الأمرّين جرّاء هذا الشبح الذي يجول في عالمنا اليوم :شبح الإرهاب الذي لا أحد يعرف متى أو أين يخرج ولكن من الثابت أنّه شبح يسكن الجميع وينغّص عليهم فرحتهم بهذه اللقاءات التي جعلت لتقريب البشر وللتحابب والسلم والبهجة.

ورغم ذلك، رغم الحذر وربما الخوف المغلّف بابتسامة صينية فإنّ الصين في هذا اليوم الأغرّ 08-08-2008 ستبدي لزائريها في ملعب ” عش العصافير” ذي التصميم الرائع ولملايين المتابعين لحفل الافتتاح عبر الشاشات، ستبدي وجها لا يعلوه إلا الانشراح والحبور…أماّ ما في القلب فسيظلّ في القلب بعد أداء واجب الضيافة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق