اقتراع على بقاء المطرقة مطرقة والسندان سنداناً / بلال خبيز

هل يدخل خطاب تمجيد 7 أيار/مايو للسيد حسن نصرالله في سياق التحضير للانتخابات البرلمانية أم يخرج عن سياقها؟ بعض اللبنانيين يعتبره مندرجاً في سياق هذه الانتخابات، وبعضهم الآخر يعتبره خروجاً عليها، وعلى نتائجها سلفاً، لكن الأرجح أن هذا الخطاب أخرج الانتخابات عن سياقها.

في درجة أولى: أخرج الخطاب الانتخابات عن سياقها بالإعلان الصريح، أنه مهما كانت نتائج الانتخابات، ولو حققت الموالاة فوزاً كاسحاً في كل مكان، فذلك لن يعني مطلقاً وعلى أي صورة من الصور، أن الموالاة ستحكم البلد وفق رؤيتها للبنان الذي تريده. هذا البلد فيه ناخبون، صحيح، إنما أيضا فيه مسلحون، وهم يقترعون مرتين: مرة في صندوق الاقتراع، ومرة أخرى في المتاريس. إذن، فليبلّ الموالون نتائج الانتخابات ويشربون ماءها. لا شيء سيتغير، وحيث إن أقوى جيش في المنطقة لم ينجح في كف سلاح «حزب الله» عن أداء مهمته التي حددها قادته ومرشدوه، فإن اقتراعاً بالزائد أو بالناقص لن يغير في المعادلة شيئاً.

في الدرجة الثانية: يفيد منطوق الخطاب، أن تلكؤ الموالاة عن المشاركة في الحكم إذا حازت المعارضة الأغلبية البرلمانية، سيجعلها مسؤولة عن أي تردّ قد يحصل في المجال الاقتصادي. المعارضة، و«حزب الله» أولا، يستطيعان إدارة البلد، يستطيعان إدارة بلد أكبر مئة مرة من لبنان، ربما بحجم مصر والمملكة العربية السعودية مجتمعتين، لكن الإدارة لا تعني الازدهار. سيتحمل أهل الموالاة الحاليين كل النتائج المترتبة على عدم مشاركتهم بالحكم إذا فازت المعارضة بالأغلبية. المطلوب تجريمهم لأنهم أحجموا عن الحكم ورفضوا البقاء كيساً من الرمل يجرب فيه أهل المعارضة قبضاتهم.

في درجة ثالثة: يفترض الخطاب نفسه، أن الرد على «حزب الله» لا يكون إلا من طينة واحدة؛ طينة الحرب الأهلية وعجينتها. تسلّح إذا سمحت لك الظروف، ولن تسمح، درّب رجالاً واشتر عتاداً لتواجه إذا استطعت، لكننا لن نسمح لك بأي من هذا. قبل أن يقسو عودك، سيتم الإجهاز على كل ما فعلت. النتيجة، حاربونا، أعلنوا أنكم تريدون محاربتنا، وسنقتحم مدنكم وقراكم مرة أخرى، بحجة أنكم تعدون العدة لمحاربتنا. إنما لا يحلمنّ أحد بأن يفرض علينا بالرأي والحجة منطق تسيير الأمور. للسلطة منطق وللمقاومة منطق آخر، فإذا لم يتوافق منطق السلطة مع متطلبات المقاومة تستبدل السلطة بغيرها.

في الدرجة الرابعة: يفصح الخطاب عن استعداد «حزب الله» للحكم، لكنه أيضا يفصح عن استعداده للتنكيل بمعارضيه. «حزب الله» يستطيع أن يدير بلداً أكبر من لبنان بمئة مرة. هو يترك إدارة البلد الصغير للموالين جميعاً والمعارضين من حلفائه، لكنه إذا ما اضطر إلى الحكم وإدارة البلد فسيحكم ويدير البلد، إنما لا يظنن أحد أن «حزب الله» إذا ما حكم البلد سينشغل بحكمه عن الانشغالات الكبرى التي تشغل قادته ومحازبيه.

سيكون البلد مطية لمشروع أكبر، تماماً مثلما هي الحال اليوم، إنما مع حكم «حزب الله» الصريح سيصبح البلد قلعة، ولن يعود ثمة مجال لأي تعبير آخر. لسان حاله يقول: أنتم اخترتم الاستقالة من موجبات حكم البلد، وعليكم الرضا بما أقرره، حتى الحق في أن تكون موالاة اليوم معارضة بعد حصول الانتخابات لن يكون متيسراً. «حزب الله» يتنازل ليحكم لبنان، لكنه في النهاية يطمح إلى تنفيذ مشروع أكبر بمئة مرة من لبنان ومصالحه.

وحين يكون الطموح أكبر من لبنان بمئة مرة، يصبح الحديث عن ضرورة لبنان وجدواه واستقامته وطناً نهائياً لأبنائه لا محل له من الإعراب. لطالما هددت المشاريع الكبيرة، مصائر الدول الصغيرة، من الخارج، فكيف تكون الحال حين يكون المشروع الكبير داخلياً؟ إذا كانت الجائزة التي يطمح «حزب الله» في نضاله للفوز بها بحجم مصر مثلاً، فهل سيأسف على ضياع لبنان؟

التجربة تقول إن «حزب الله» لم يأسف مرة واحدة على ضياع لبنان، بل كان لبنان على الدوام مطية مناسبة لتنفيذ مشروعاته التي تتجاوز الحدود نحو ما لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم.

الانتخابات اللبنانية على الأبواب، و«حزب الله» يعلن سلفا أنه غير معني بنتائجها، واللبنانيون سيقبلون على الصناديق، لا أملاً بتغيير الظروف التي يعيشون تحت مطرقتها، بل تأكيداً لواقع أنهم لا يملكون وسيلة للتغيير، فلا سلاح «حزب الله» ولا تمويله ولا سيطرته على مقدرات مناطق واسعة من البلد، ولا أيضا طريقة صياغته للعلاقة الحالية مع إسرائيل، ولا هيمنته المطلقة على مقدرات طائفة كبيرة العدد والدور في لبنان، من الأمور التي يمكن للموالاة أن تجد لها حلولاً مجدية من دون «حزب الله» قوياً ومسلحاً ومسيطراً.

وفي نهاية الأمر، يعرف اللبنانيون أن قدرهم هو العيش بين مطرقة وسندان، والأرجح أنهم سيختارون بقاء المطرقة مطرقة والسندان سنداناً، من دون أي تغيير.

عن جريدة الجريدة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق