اقتصاد من نمط مختلف برسم الفقراء / ميشيل كيلو

ذهب محمد بمدخراته إلى مصرف التسليف الشعبي في حيه، حيث أودع ثلاثمائة ألف ليرة سورية في حساب توفير فائدة تبلغ 25 و5% سنوياً، أي ما يزيد بقليل على خمسة عشر ألف ليرة في العام، ونيف وألف ومائتي ليرة في الشهر، لا تكفي إن كان محمد لا يملك غيرها، لشراء خبز لأسرته لفترة تزيد على أسبوعين.

التقى محمد بصديق في الحي، اخبره أنه اشترى شاحنة صغيرة صينية الصنع، وأنه يكسب عيشه من العمل عليها، وأنها والحمد لله مستورة . ذهب إلى البنك، سحب وديعته وقصد مكتب بيع سيارات في ضاحية دمشق، حيث اشترى شاحنة صينية يسمونها في سوريا “سوزوكي” مهما كانت ماركتها الأصلية، وها هو يكسب بدوره عيشه وأسرته من العمل عليها، فهي تعطيه دخلاً يتراوح بين خمسة عشر وعشرين ألف ليرة سورية في الشهر، أي قدر ما كان المصرف سيعطيه في العام . إن أنت سألته اليوم عن أحواله، قال لك: الحمد لله مستورة .

قصدت خادمة أندونيسية البيت الصيني في الحي الذي تسكنه الأسرة التي تعمل عندها، فاشترت حذاء صينياً بمائة ليرة سورية، بعد أيام ذهبت مرة أخرى واشترت بنطال جينز، في الشهر التالي كانت ثيابها تشبه ما تلبسه أية صبية متوسطة الحال، مقابل أقل من ألف ليرة سورية.

تتكاثر السيارات الصينية في شوارع دمشق، وخاصة منها تلك التي تعين الفقراء على تدبير معاشهم: الشاحنات الصغيرة والمتوسطة، وسيارات التاكسي الصغيرة والمتوسطة، التي توجد بأعداد متزايدة يلاحظها المرء يوماً بعد يوم، بينما بقيت سيارات الطبقة الوسطى إما يابانية أو أوروبية الصنع . أما في الورش والمعامل، فتحل العدد والآلات الصينية شيئاً فشيئاً محل مثيلتها الغربية أو اليابانية . ما كان الصانع أو الحرفي أو المهني يشتريه بآلاف الليرات، صار باستطاعته الحصول على ما يشبهه شكلاً، لكنه أقل منه جودة، بربع أو ثلث المبلغ . قال لي أحد العمال: اشتريت هذا المثقب الكهربائي بربع قيمة الياباني والإيطالي، مع أنني أرجح أن يخدمني نصف عمر منافسيه هذين، لكنني اشتريته لأنني لم أكن أملك سعرهما، وفي الفترة التي كنت سأنتظر فيها لشرائهما، سيعود هذا علي بدخل مجز، علماً بأنني سأشتري مثيلاً له بالسعر البخس الذي اشتريته به، متى تعطل أو صار غير صالح للعمل . في جميع الأحوال: أنا رابح: عملي يمشي، نقودي في جيبي، دخلي مقبول.

قال لي طبيب الأسنان، وأنا أبارك له الجهاز الجديد: إنه صيني . حين لاحظ الدهشة على وجهي، قال: من النوع الجيد، الذي يعادل الإيطالي، لكنه أرخص منه بكثير ويمكن شراؤه بالتقسيط المريح، علماً بأن صيانته متوفرة بصورة جيدة . إنه فرصة حقيقية بالنسبة إلي، ولولاه لبقيت أعمل على الجهاز القديم، الذي اشتريته بعد التخرج من طبيب متقاعد، وصرت أخجل من المرضى لكثرة أعطاله والصدأ الذي يعلوه.

الصين في كل مكان، ربما لأنها تعمل بطريقة مختلفة، تأخذ بالحسبان حياة ومصالح وأنماط عيش مليارات الفقراء، الذين لا يجدون لهم مكاناً في الاقتصاد الرأسمالي العالمي الفائق التقدم، الذي يفكر بالبيع والتصريف، ولا يضبط برامجه لتلبية حاجات الفقراء وتأمين سبل العيش لهم، بما تملكه أيديهم من مال قليل . ولا أبالغ إذا قلت إن مئات آلاف إن لم يكن ملايين السوريين، يعيشون اليوم على منتجات الصين، وأنهم صاروا جزءاً من دورة إعادة إنتاج اقتصادها، الذي يتوسع في كل مكان من عالمنا، خاصة بين الفقراء، الذين يجدون لديه ما لا يجدونه لدى سواه من بلدان العالم المتقدمة، التي لا تهتم بهم، بينما تحس وأنت تزور متجراً أو وكالة صينية أن خطة التنمية الصينية تركز بصورة خاصة على ذوي الدخل المنخفض، الخارجين من الاقتصاد العالمي والهامشيين، الذين يبدو كأن الصين تضعهم في حساباتها، وتمد لهم يد العون وتعينهم على مواصلة حياتهم بمدخرات ما كانت لتسمن أو تغني، لو بقيت في الدورة الاقتصادية لبلدانهم أو للدول المتقدمة: خارج دائرة الاقتصاد الصيني العالمية.

دخلت الصين العالم متأخرة، وطبقت استراتيجية من بندين متكاملين: أولاً: تنمية اقتصادها بفضل التعامل المفتوح مع الدول المتقدمة، والتحول التدريجي إلى ورشة إنتاج لاقتصادها، على أن تتيح لها الفوائض التي تحققها بفضل مزاياها النسبية الاستقلال المتدرج عنها قبل الانتقال إلى منافستها في كل مكان، مثلما حدث بعد أزمة الاقتصاد العالمية خلال السنوات القليلة الماضية، وثانياً: التوجه نحو توسيع السوق العالمية عبر تنمية ذاتية مستقلة تنضوي في إطار سوق عالمية من نمط مختلف، سوق للدول والشعوب الفقيرة، التي تم إخراجها من الاقتصاد الدولي أو تناقصت حصتها فيها باضطراد، وكذلك سوق للفقراء كأفراد، ممن لا قدرة لديهم على أن يكونوا زبائن للاقتصاد المتطور، ولا ينافس الاقتصاد الصيني عليهم أحد، فهم فرصة للصين، إن نجح دمجهم من جديد في دورة اقتصادية مختلفة، سواء كان مدخلها سيارة رخيصة الثمن أو سلعة استهلاكية يناسب سعرها ما في جيب الفقير من مال قليل . . . إلخ.

قبل نصف قرن، سبقت اليابان الصين إلى الاستراتيجية الاقتصادية الحالية، فأغرقت صناعاتها العالم بسلع رخيصة . وتكرر الصين اليوم التجربة، كأن هناك دورة من نوع خاص في التعامل مع السوق الدولية، تنطلق مع ظهور قوة جديدة يجبرها الاقتصاد المهيمن على البحث عن زبائن لا يشملهم بنعمه الرفيعة النوعية الغالية الثمن، فيتلقفهم الاقتصاد الجديد الصاعد ويحولهم إلى جزء من دورته الذاتية، ويحصل من خلالهم على مستهلكين ومنتجين يتوزعون على مختلف بقاع العالم، يضمون مئات ملايين البشر،الذين أخرجوا من الدورة الاقتصادية السائدة عالمياً، بعد أن حصر الاقتصاد المتطور تعامله بصورة رئيسة في الدول والشركات الكبيرة، وتجاهل المادة البشرية الفقيرة، التي يرفض إقامة علاقة منظمة معها، ما سمح للصين بالدخول إلى اقتصاد البلدان الأخرى من باب هؤلاء البشر، وها هي تقيم لنفسها سوقاً يضم المليارات ممن ترتبط دورة معاشهم اليومية أكثر فأكثر باقتصادها، مثلما ترتبط دورة تقدمها وازدهارها وتوسعها الاقتصادي بهؤلاء، بنمو قدراتهم وعودتهم إلى السوق خارج بلدانهم وداخلها، التي تقلصت حصتهم من دخلها فلم يبق لهم أي مكان فيها غير الهامشية والبطالة، لكن الاقتصاد الصيني يعيدهم إلى العمل بما ييسره لهم من أدوات ووسائل تتيح لهم كسب عيشهم وتوقف انحدارهم، وتمكنهم في حالات كثيرة من تحقيق نوع من الارتقاء البطيء في مجتمعهم .

كان يقال دوماً إن العالم المتقدم قد أكمل اقتسام بقية العالم، فلا مكان في أسواقه للاعبين جدد أو لقوى صاعدة . مع صعود الصين، سقطت جوانب عديدة من مصداقية الفكرة القائلة باقتسام العالم باعتباره حقيقة نهائية لا تترك دوراً لأحد من خارج اللاعبين المكرسين، وتبين أن العالم لا يضم فقط الدول، بل هو كذلك الشعوب والكتل الهائلة الأعداد من الأفراد، الذين أخرجوا من الاقتصاد المتطور، لكنهم يمكن أن يجدوا مكاناً لهم في اقتصاد من نمط مختلف، يركز عليهم ويمدهم بالوسائل الضرورية لإعادتهم إلى دورة اقتصادية مختلفة، وهذا ما فعلته الصين، التي تقتحم العالم من أبوابه جميعها، دولاً كانت أم مجتمعات أم شعوباً أم أفراداً، وتثبت أن من يبحث بجدية ودراية عن الفرص يجدها، في عالم ليس صحيحاً أنه اقتسم وانتهى أمره، وشعوب ليس صحيحاً أنها فقدت أية فرصة للانخراط في الاقتصاد الدولي.

ليست الصين مخبراً اقتصادياً هائل الحجم وحسب، بل هي كذلك مكان لاختبار الأفكار والخطط والمحاولات الجريئة، التي تعلمنا أن الواقع العالمي الراهن ليس نهائياً، وأنه ليس ملك أحد، وأن فيه ما لا حصر له من الأدوار والفوائد لكل من يعرف مصلحته ويتابعها بقدر من المهارة والتصميم . والدليل: عالمنا الذي كان قبل خمسين عاماً لا يرى للصين أي حضور في أي جانب من واقعه، وتغمره الحقيقة الصينية اليوم إلى درجة لا سبيل إلى إنكارها، تغطي أدق تفاصيل حياتنا، العامة والخاصة، في واقع دولي مختلف، يتقدم فيه نمط التنمية الصيني على صعيد كوني تتراجع فيه أنماط تقدم الدول المتقدمة والنامية، أو تنتظر العون من الصين.

 

عن صحيفة الخليج الاقتصادية 29/ 12/ 2010

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق