الآخر

منغمساً في الليل، سارحاً في التعب، مصاباً بتشرد المكان، فاقداً التعلق بتفاصيله، أجلس على مقعد خشبي في مكان مقفر من هذا العالم أو ذاك، أحلم برجل آخر يشبهني تماماً يكتب قصيدة عني، وهو نفسه ثمرة حلم رجل ثالث يشبهني أيضاً و يكتب قصيدة عني، و هكذا في مسلسل لا بداية و لا نهاية له …..،لا أحد يستطيع أن يتذكر ما يوجد في القصيدة!.

صعب أن يتخيل الانسان شخصاً آخر يسكنه يشبهه تماماً، وهو يسكن شخصاً آخر يشبهه أيضاً وهكذا إلى ما لا نهاية، ترى أي شخص يكتب الآن!!. حقاً إن الحياة دائرة يتعذر بلوغ محيطها، والإنسان يحاول جاهداً أن يجد له مركزاً.

أجلس أمام نهر يجري كجريان الزمن، لا يعرف منبعه من مصبه، على الطرف الآخر من مقعدي جلس شخص آخر، كنت أفضل أن أكون وحدي، لا أحب أن أخالط الغير لترددي أو إهمالي أو لأسباب أخرى، فيكفي المرء تحمل مشقة نفسه و أطواره الغريبة لذا اعتدت نفسي كمن يعتاد ألماً مزمناً، بدأ الآخر الجالس بقربي يغني، اقتربت منه في فزع و سألته:

– هل أنت من دمشق ؟!

– لا لست من دمشق، أنا من حمص.

مرت فترة صمت طويلة، سألته:

– في الجادة الثانية، بالقرب من المقبرة..

أجابني نعم ، فقلت له على الفور:

– إذا أنت اسمك جان خين، حسناً أنا أيضاً اسمي جان خين، ونحن الآن في دمشق في عام 2009 في مقعد في الربوة أمام نهر بردى.

فأجابني بصوت مبتعد :

– كلا، أنا هنا في حمص. في مدرسة العروبة، إننا متشابهان، إلا أنك تختلف عني بعضلاتك و بشعرك القصير.

أجبته:

– بوسعي أن أثبت لك إنني لا أكذب، سأقول لك أشياء لا يعرفها شخص آخر عنك؛ في بيتنا إناء من الزجاج لشرب العصير رسم الشكل الأسفل منه على شكل ثعابين، في غرفتك يوجد صفان من الكتب للمجموعة الكاملة لدوستويفسكي، وقد خبأت بين طيات قصة الجريمة و العقاب فيلماً إباحياً استعرته من أحد أصدقائك و مللت منه ، و تحب كثيراً مادة الرياضيات و يخاف الأستاذ منك أو من معلوماته الطفولية ، ألا يكفي كل هذا؟

– نعم لا يكفي، هذه البراهين باطلة وعبثاً ما تحاول إثباته، إذا كان هذا حلماً فمن الطبيعي أن تعرف ما أعرفه ، وقائمتك المسهبة كلها باطلة.

كان اعتراضه عادلاً:

– إذا كان هذا اللقاء حلماً، فإن كلاً منا لا بد أن يعتقد أنه هو الذي يحلم و ليس الآخر. ترى هل أنت حلم أم كابوس بالنسبة إلي، وماذا أنا لك؟!. على كل حال واجبنا الآن بداهة أن نتقبل الحلم، كما نتقبل الكون و الميلاد و الموت، ثم دعني أقول لك أمراً؛ إذا كان الحلم استراحة أو هدنة محبطة مع أنانيتك و شبقك، لماذا تشعر حين نستيقظ فجأة أنه قد سرق لك ثروة؟!. دعنا نستمتع بهبة الليالي، بهذا السحر الخارق، بهذه الفضيلة القصوى، لا يوجد أكثر جمالاً ووهماً من ذهب الأحلام، و سأقول لك سراً؛ حاول أن تستمتع بكوابيسك فبفضلها ستصدق وجود الجحيم.

– و ماذا إن استمر الحلم؟

لكي أطمئنه و أطمئن نفسي تصنعت رباطة جأش لم أكن استشعرها حقيقةً، قلت له:

– لقد دام حلمي عشرون عاماً، ليس هناك شخص لا يلتقي بذاته، كل امرؤ متعب يحاول أن يفتش عن نفسه عبر راحة النوم، وإلا فهو ضائع لا محالة، أية مفاجأة عظيمة تلك عندما يلقى المرء نفسه!. نحن مهجورون يا صديقي كأطفال ضلوا طريقهم في غابة لا نهائية الأشجار، نحن نشكل استثناء لقاعدة غير موجودة، و ما يضحكني عندما يضع البشر القوانين والقواعد، حقا لم أفهم شيئاً من القوانين!، أفعالنا و ذواتنا ليس إلا ملاحظة هامشية لنص ممحو بالكامل، و يمكننا اعتماداً على هذه الملاحظة (على أنفسنا) أن نستنتج ما يمكن أن يكون عليه معنى النص، و لكن شكاً يبقى حاضراً في كل مكان، شكاً هو أصل تعاسة و شقاء الإنسان، فكل المعاني الممكنة متعددة .

– كلام جميل، ولكنه غير مقنع!.

– الجمال هو صفة مؤقتة نطلقها على الأشياء بمقدار ما تولده فينا من لذة، لذلك الحروف ميتة، و الكتب لا تحوي شيئاً، نحن نخلق الكتب، أنت تخلق كلماتي، سأقول لك قصة لكي تقتنع: عندما كنت في العاشرة من عمري رأيت ألف ليرة على الأرض، و هاأنذا في العشرين في عمري و ما زال نظري على الأرض، أستطيع الآن أن أحصي لك ممتلكاتي؛ خمسة أقلام باركر، ووردة حمراء ذابلة، و كتب عتيقة، ونفس قلقة تبتعد عن ذاتها فتلاقيها في كل لحظة، وذهن مشوش.

ضحك ضحكة قصيرة، وكأنه يوافقني دون أن يتفوه بكلمة. أكملت حديثي:

– ستدخل إلى كلية الطب البشري، وستندم، ستكون حياتك الجامعية عاصفة، ستتهمك إحدى الفتيات بالغرور وإحداهن بالجنون ( أتذكر حماراً حاول أن يفكر، فأعدمه أصدقاؤه بتهمة الجنون، حقاً إنها حياة مزدوجة رهيبة وأقصر طريقة لفهمها والخروج منها هو الجنون)، سترسب في السنة الاولى، سيكون فشلاً ذريعاً!، سيقل أصدقاؤك، ستتغير علاقتك مع عالم الغيب، ستصبح أفضل، لن تعود تؤمن بالله (ولكن ألا تقول هنالك رب؟ فهذا رب جديد) ، كيف حال الأهل في المنزل؟

– والدك ما يزال يمارس دعاباته ضد العقيدة، وأغانيه غير المفهومة المشتتة وكأنها أمازيغية.

فيما عدا صفحات التاريخ الصارمة، لا تحتاج الأحداث الشهيرة إلى عبارات شهيرة، على فراش الموت يتذكر المرء دوماً رسماً لمحه في طفولته، وقبل دخول المعركة يتحدث الجنود دوماً عن الطين و عن الرقيب. لقد كان موقفاً فريداً، ونحن بصراحة لم نكن معدين له، تحدثنا حتماً عن الأدب، وأخشى أنني لم أقل له سوى الامور التي اعتدت قولها للآخرين.

سألني فجأة: ماذا تريد أن تقول لي؟ كيف سأصبح عندما أصبح أنت؟

– لن تجتذبك المفاجآت الكبيرة، سوف لن تراها إلا مجرد تنويعات طفيفة، سوف تكره ساعة الغروب، و صوت هاني شاكر، و ستقلقك و تدهشك أكثر المفاجآت الصغيرة؛ كيف أن مفتاحاً صغيراً يفتح باباً! كيف يمكن للسلاح الوحشي أن يكون جميلاً! كيف يمكن أن يكون الشيء أكيداً، كيف أنه للوردة رائحة الوردة. وستتأكد من أن تاريخ العالم كامن في غرف المنازل، فليس من الضروري أن تخرج من بيتك، يكفي أن تصغي، لا لا تصغِ، انتظر، لا لا تنتظر، يكفي أن تكون صامتاً ووحيداً؛ سيأتي أمامك العالم، ويتلوى مترنحاً من ألمك و يرجوك أن ترمي له أقنعته.

لم يكن يصغي إلي، طفق يقول:

– لو كنتَ حقاً أنا، فكيف تفسر نسيانك للقاء شخص في عام 2006 تقدمت به السنون كان قد ادعى أنه جان.

لم أكن قد فكرت في هذه المعضلة، أجبته دون اقتناع:

– ربما أردت نسيانه لشد غرابته.

لا تمر 3 سنوات سدى ، بعد محادثتنا كشخصين شعرت بعدم قدرتنا على التفاهم، لقد كنا في غاية الاختلاف وفي غاية التشابه، كلانا كان يعرف الآخر جيداً، لا أحد منا كان يخدع الآخر، ولكن كلاً منا كان يكذب على الآخر .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق