الأبعاد السياسية في تحالف الحضارات / السيد يسين

الأبعاد السياسية في تحالف الحضارات / السيد يسين

مرت العلاقات بين الحضارات في العقود الأخيرة بثلاث لحظات تاريخية فارقة. اللحظة الأولى هي الترويج لنظرية صراع الحضارات التي صاغها عالم السياسة الأميركي هنتنجتون في مقال وجيز، لاقى صدى عالميّاً ضخماً مما دفع صاحبه إلى عرض أفكاره في كتاب متكامل، سرعان ما ترجم إلى عشرات اللغات.

 

وقد أدى الترويج لهذه النظرية إلى جدل ثقافي عالمي واسع المدى ومتعدد الأبعاد. فقد أثير أولاً سؤال عن الأسباب التي أدت إلى صياغتها في التوقيت الذي طُرحت فيه بالذات. وكان من السهل على الباحثين المدربين في علم اجتماع المعرفة، الذين يتقنون تحليل العوامل المتشابكة التي عادة ما تؤدي إلى إنتاج خطاب مؤثر ما، أن يكتشفوا أن انهيار الاتحاد السوفييتي المفاجئ قد أدى إلى فراغ إيديولوجي على المستوى العالمي!

 

 

فقد أدى هذا الانهيار إلى نهاية الحرب الباردة بين العملاقين السوفييتي والأميركي، لأن أحدهما انهار نهائيّاً وغاص في رمال التاريخ، والثاني وجد نفسه القوة المهيمنة الوحيدة على النطاق الكوني.

 

 

غير أن المشكلة أن هذه القوة المهيمنة الوحيدة -ونقصد الولايات المتحدة الأميركية- لم يكن ممكناً لها أن تعيش بغير عدو تجاهر بعداوته وتواجهه بـ"سياسات الاحتواء" الدولية وبالخطط العسكرية الكفيلة بردعه حتى لو فكر في أن يضرب الضربة الذرية الأولى. فقد تبنت سيناريوهات عسكرية تفصيلية موضوعها كيف تحتوي الولايات المتحدة الأميركية الضربة الأولى، ثم ترد للاتحاد السوفييتي الصاع صاعين حتى لو كان في ذلك دمار ربع البشرية!

 

 

وبعبارة موجزة، ليس في استطاعة الولايات المتحدة أن تعيش بغير عدو! وقد أشار إلى ذلك باقتدار الروائي الأميركي الشهير "جورفيدال"، حين قرر في كتاب أصدره بعد الأحداث الإرهابية في 11 سبتمبر أن شعار أميركا منذ نشأتها حتى الآن هو "حروب دائمة من أجل سلام دائم"! ومعنى ذلك أنه حتى لو لم تكن هناك حرب قائمة فإن الولايات المتحدة ستفتعلها، لأنها دولة تحت السلاح بصورة مستمرة. ويرد ذلك إلى أن الاقتصاد السياسي الأميركي يقوم أساساً على صناعة السلاح، بحيث يمكن القول إن الإيراد الناجم عن مبيعات السلاح للدولة الأميركية أو للدول الأجنبية، يعد من بين الموارد الرئيسية للخزانة الأميركية، بالإضافة إلى العلاقات المنفعية المتبادلة بين جنرالات الجيش الأميركي ورؤساء شركات السلاح بكل أنواعها التقليدية والحديثة.

 

 

وهكذا جاءت نظرية صراع الحضارات لكي تسد الفراغ الإيديولوجي وتبتدع أعداء جدداً بعدما أكد هنتنجتون أن الحضارة الغربية مهددة من قبل الحضارة الإسلامية والحضارة الكونفشيوسية!

 

 

واللحظة الفارقة الثانية في العلاقات بين الحضارات هي الدعوة لحوار الثقافات التي أطلقها من على مسرح الجمعية العامة للأمم المتحدة خاتمي، والتي لاقت نجاحاً شديداً إذ وافقت عليها الأمم المتحدة وتبنتها هيئة اليونسكو باعتبارها سياسة ثقافية عالمية.

 

 

وأخيراً جئنا للحظة التاريخية الثالثة وهي تحالف الحضارات. وإذا كان هذا التحالف -كما بينا من قبل- قام أساساً لمواجهة الانقسامات في العالم، فلابد لنا أن نلقي الضوء من بعد على الأبعاد السياسية لتحالف الحضارات.

 

 

ويلفت النظر بهذا الصدد أن تقرير "لجنة كبار الخبراء" التي شكلتها الأمم المتحدة حين تعرض لهذه الأبعاد السياسية قرر بكل وضوح أن المبادرة الجديدة استفادت من الخطوات البناءة التي أرستها الدعوة لحوار الثقافات، والتي أصبحت أحد المكونات الرئيسية للوعي الكوني، نتيجة لعديد من الندوات التي عقدت في مختلف عواصم العالم بحيث أصبح خطاب "ثقافة السلام" أحد الخطابات المؤثرة في تشكيل القيم السائدة في عصر العولمة.

 

 

غير أن ما ميز مبادرة التحالف بين الحضارات أنها تتبنى نهجاً شاملاً متعدد الأقطاب وذلك في تعاملها مع موضوع إدارة العلاقات بين المجتمعات المعاصرة المختلفة من حيث رؤاها للعالم، والإدراكات المتبادلة التي تصوغ نوعية هذه العلاقات. ويلفت النظر أن مبادرة تحالف الحضارات ركزت أساساً على العلاقات بين المجتمعات الغربية والمجتمعات الإسلامية، على أساس أن الفهم العميق للمراحل التاريخية التي مرت فيها هذه العلاقات والأزمات التي واجهتها في بعض الأحيان، يمكن في ذاته أن يكون جسراً لعبور الانقسامات والصراعات الراهنة، سعياً وراء تحقيق السلام بين البشر.

 

 

ويقرر تقرير كبار الخبراء أننا إذا تأملنا في الصراعات التي دارت تاريخيّاً بين الأديان اليهودية والمسيحية والإسلام، فسرعان ما سنكتشف أنها كانت صراعات سياسية في المقام الأول. غير أنه لا ينبغي أن ننسى أن هذه الأديان الثلاثة سبق لها أن تعايشت بسلام فترات تاريخية طويلة، والدليل على ذلك كان في القرون الوسطى حيث كانت الحضارة الإسلامية -على مستوى العالم- هي مصدر التجديد والإبداع ومنبع المعرفة، وأساس التقدم العلمي. وكل هذه الروافد التي نبعت من الحضارة الإسلامية كانت هي الأساس في ظهور عصر النهضة والأنوار في أوروبا. ويشهد التاريخ على أنه في ظل الحكم الإسلامي الذي وصل في بعض الفترات التاريخية إلى قلب أوروبا، كان اليهود والمسيحيون أحراراً حرية مطلقة في ممارسة طقوس عباداتهم. بل إن عدداً ملحوظاً منهم ارتقوا إلى أعلى المناصب في الوزارات الإسلامية. ويسجل في تاريخ اليهود أنهم كثيراً ما كانوا يفرون من الاضطهاد في بلادهم الأوروبية الأصلية ليحتموا بالإمبراطورية الإسلامية للخلاص من التمييز الديني الذي كان يمارس تجاههم.

 

 

ولما دار التاريخ دورته وصعد الغرب وتدهورت الأحوال في البلاد الإسلامية، شهدنا ظواهر مضادة لما حدث تاريخيّاً من قبل، إذا وجدنا أن التقدم الغربي في العلوم والصناعة والتكنولوجيا والآداب والفنون قد ترك آثاره العميقة على البلاد الإسلامية والعربية ذلك أن عديداً من هذه البلاد أثارت السؤال الرئيسي في بداية نهضتنا القومية الذي مبناه: لماذا تخلفنا وتقدم الغرب؟

 

 

وأيّاً ما كان الأمر فإن العلاقات بين المجتمعات الإسلامية والغربية شهدت توترات حادة أبرزها مرحلة الحروب الصليبية، وفي العصر الحديث العدوان الاستعماري على البلاد العربية وإنشاء إسرائيل بدعم غربي ملحوظ.

 

 

ولكن في المرحلة الراهنة لاشك أن الأحداث الإرهابية التي وجهت ضد مراكز القوة الأميركية في 11 سبتمبر قد زادت من حدة التوترات بين الدول الغربية والمجتمعات الإسلامية ومن هنا تجد مبادرة التحالف بين الحضارات أساسها المتين. وهي تهدف إلى تحقيق السلام العالمي.

 

 

عن جريدة الاتحاد 27/5/2010

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق