الأحفاد يحصدون العنب / سمير عطاالله

الأحفاد يحصدون العنب / سمير عطاالله  

العام 1970 دعيت الى التحدث عن الصحافة في كلية الحقوق، الصنائع. وعندما عدت الى الجريدة، سألني "المعلم" غسان تويني، ما هو اهم انطباع لك؟ قلت: "يتأمل المتحدث في وجوه الحاضرين ليقرأ مدى تجاوبهم. لكنني وانا اتأمل الملامح، صفا بعد آخر، تأكد لي ان العلم في لبنان اصبح عند الشيعة". قال "المعلم" الذي كان يومها وزيرا للتربية: "هذا ما تأكد لي من اوراق الامتحانات. خشيت ان يكون في الامر تزويرا، فبحثت في المسألة مع نايف معلوف (مدير التعليم الابتدائي) الذي قال: "لم تر شيئا بعد".

 

قبل ايام، اقيم في "اليونيفرستي كلوب"، نيويورك، تكريم لرئيس الجامعة اللبنانية الاميركية، الدكتور جوزف جبرا. كان مقعدي الى جانب شاب درزي من حاصبيا، له اعمال في "وول ستريت". تأملت جلاس الطاولات المجاورة، قدر الامكان. وبعد وقت سألني الدكتور جبرا عن انطباعي، فقلت له: ثمة لبنان جديد في نيويورك، وثمة نيويورك لبنانية لم يعد لها علاقة بأولئك الذين جاؤوا اليها من مجاعة الحرب الكونية الاولى او من مشاهد الجثث التي أكل ارواحها الجراد".

 

باستثناء وجوه معدودة، من شباب "الجيل العصامي"، ابناء "الجيل الرائد"، لم يتبق شيء من رومانسية الهجرة. هناك الآن الألوف من اهل العلوم، الذين يتنافسون في بقعة سماها حافظ ابرهيم خير الله اواخر الستينات "طاحونة البشر". لم يعودوا غرباء او دخلاء على ضفاف الهدسون، بل هم مقيمون يحنون الى الوطن الذي تدفقت منه ذات مرحلة البواخر والرجال والنساء والاطفال، مسلولين مثل طانيوس البشعلاني، اول المهاجرين، او رثّي الثياب، او مثيرين للشفقة او الاحتقار، او مرفوضين في "ميناء ايليس"، خوفا من نقل الاوبئة. هؤلاء، كانوا يسمون هنا "التوركو"، ويعرفون غالبا بـ"تشاينا مان" او "الرجال الصفر"، ولم يُعترف بهم بيضا الا بعد عذاب.

 

لا شيء من ذلك الآن. اللبناني طوني شلهوب يجتذب المعجبين بالآلاف في برودواي. لم يعد مضطرا الى تغيير اسمه كي يقبل او كي يصل. قال نجيب حلبي، والد الملكة نور، الذي جاء والده من زحلة، الذي جاء والده من حلب: "اراد(1) الجيل الاول من المهاجرين العرب ان يصبحوا اميركيين مئة في المئة، فغيروا اسماءهم، ودينهم احيانا".

 

مزيد، ابن شديد كيروز جميل يعقوب، من بشري اصبح هنا "داني توماس"، اشهر اسم في الكوميديا! لا حاجة الى ذلك الآن، شلهوب تبقى تكتب شلهوب وتلفظ شلهوب. في حين ان ميشال شلهوب، في مصر، اصبح عمر الشريف، وبهذا الاسم اصبح اشهر وجه عربي على شاشات الغرب.

 

جراد آخر هرب منه المهاجرون الجدد: جراد الحروب والنزاعات الاهلية التي حملت الف وجه واتخذت الف عنوان. والمضحك ان كل ذلك لم يكن جديدا الا في الشكل. ففي العشرينات جاء ميخائيل نعيمة الى نيويورك ووجد اللبنانيين يتقاتلون في صحفهم وفي كنائسهم، ووجد نعوم مكرزل يكتب في "الهدى" ان فرنسا هي ام الموارنة. الذي لم يقله نعيمة لنا ابدا، هو انه كان في اعماقه اللاواعية، ينظر الى روسيا على انها مرجع روحي وثوري معا، لم يلمح مرة الى تأثره بتولستوي وتورغينيف، او الى اي مدى اخذ من الهول في "مرداد"، لكنه اخبرنا انه طالما تعشق الادب الروسي وطالما غنى الكسندر يوشكين، روح الروسيا. وقد حدثنا نعيمة مبكرا عن فيساريون بيلنسكي، ناقد الروسيا الكبير. وهو اسم كان مجهولا عند غير المختصين. ولولا ابحاث ودراسات اشعيا برلين لظل مجهولا، الا عند الملتهبين بالادب الروسي مثل نعيمة، او ميشا، كما كان يناديه رفيق نيويورك و"الرابطة القلمية" جبران خليل جبران، الذي سيعرف باسم التحبب الذي نادته به ماري هاسكل، خليل.

 

لا "خليل" جديدا بين الحضور في "اليونيفرستي كلوب". مضى زمن الريادة ومضى زمن الشقاء. غمز نعيمة من جبران "وحبّه للمال" لانه اشترى غرفتين في الحي الغربي. هو، نعيمة، كان يكره المال لكنه كان يكره ايضا الغرف الباردة والعارية التي تنقل بينها في بروكلين. وكان يكره الوظيفة الوحيدة التي عثر عليها: عاملا على الآلة الكاتبة في شركة روسية. افادته اللغة الموسكوبية في العثور على اشغال، كيفما تنقل في اميركا التي لم يكف عن انتقاد طغيانها الرأسمالي. وكره لغتها بوضوح. ففيما لم يذهب الى اكثر من نشر قصيدة في "النيويورك تايمس" ضمن بريد القراء، تحول صديقه ولدّه جبران، الى صاحب اعلى رقم في مبيع الكتب بعد المسيح واناجيله الاربعة. الناشر الفرد كنيوف، الذي غامر وقامر وقبل باصدار "النبي" جعله جبران اغنى ناشر خلف الاطلسي. لن ينسى نعيمة انه ظل بين براثن النشر العربي، حيث القارئ لا يقرأ، والناشر متوسط الحال، والنقاد حاقدين على كل موهبة تلمع في اي مكان من الارض.

 

ثلاثة فقراء، بلا عمل، غيروا معالم الادب العربي اوائل القرن الماضي. كانوا يجهلون اللغة المقعرة فبسطوها لانفسهم واذا هم مدرسة في الحداثة. ومن نيويورك، لا من القاهرة او بيروت، انهي عصر المنفلوطيات والزفرات والعبرات: جبران ونعيمة وامين الريحاني. الاول، كان يقرأ بشغف في مصر، مسرح النهضة يومها، ومدينة طه حسين والعقاد والزيات وشوقي وحافظ ابرهيم. مهاجر صعلوك من بشري، يتحول الى مصباح اللغتين على الضفتين: النيل والهدسون. والريحاني ينطلق من هنا الى الفريكة حيث يقبل يد امه، ومن هناك برا وبحرا وعلى ظهور البغال والابل، يجول في الجزيرة العربية مبشرا بالوحدة حلا وحيدا للامة الخارجة للتو من اسوأ استعمار تفقيري في التاريخ.

 

لم ينضم الريحاني الى "الرابطة القلمية". كان منهمكا في الكتابة وفي طلاق عسير من راقصة اميركية (2) تزوج منها على عجل، وملها بسرعة. لكن اعضاء الرابطة، الذين لم ينشر بعضهم كتابا واحدا، جعلوا اسمها فصلا في تاريخ الادب المعاصر. وعاش اهل الرابطة في عسر وعثر. وبمساعدة من ماري عيسى الخوري، تاجرة الجواهر، استطاعوا ابقاء جريدتهم "السائح" على قيد الحياة (3).

 

اعلنت الرابطة في 20 نيسان 1920 وضمت عشرة رجال، بينهم رشيد ايوب، وندره وعبد المسيح حداد من حمص، ووليم كاتسفليس من طرابلس، ووديع باحوط الذي "لم يكتب الا مقالا واحدا بعنوان البرغشة"، والياس عطاالله، صاحب بضعة مقالات هزلية، ونسيب عريضة من حمص وايليا أبي ماضي من المحيدثة والذي يصفه نعيمة بانه "زهيد الجثة والشعر" وانه "طموح لجوج في بلوغ مطامحه". اما رصاصة الصداقة الاخيرة التي يطلقها نعيمة عليه فهي انه "سريع الاقتباس".

 

كانت حياة الرابطة قصيرة وقاسية لكنها عاشت طويلا كظاهرة ادبية. وتزاحم اللبنانيون في الشوارع المليئة بالرطوبة والعفن، في وطى نيويورك، وراحوا يكدون للخروج الى اعاليها. جاؤوا جائعين وبؤساء وايتاما. وبعض الرجال لم يستطيعوا القدوم فارسلوا زوجاتهم واطفالهم. وأحد هؤلاء الاطفال، نايف باسيل، سوف يؤسس ورثته مستشفى "سانت جود" في لبنان. عملوا في السيرك وفي السينما وفي المسرح وتشردوا واثروا. في كتابه "اقول لهم أنني اذكر اسمك" يعدد وليم بلاطي كم منزلا تنقلت فيها امه القوية الشكيمة، كلما طردوا من منزل. وبسبب كتابه الآخر "المسكونة" سوف يصبح هو احد أننى كتاب اميركا. ومن الحي ذاته في بروكلين خرج وليم حبيب ليصبح مساعدا لوزير الخارجية ومفاوضا في فيتنام. ومن اهم الكتب التي صدرت في هذا الباب كتاب اسمى عصام فريحة وفيفيان حداد غانم، فهو اشبه بدليل سحري مصور عن خريطة نجاحات مذهلة في سائر الحقول في سائر الامم.

 

لا رابطة قلمية في حفل "اليونيفرستي كلوب" على الجادة الخامسة، وقاعاته واعمدته، بحيث يبدو كاتدرائية رمزية للنجاح. واللبناني واحد من هذه الاعمدة الحديثة. لا يرطن بالانكليزية ولا يتحدث عن عدد سيارات "البونتياك" التي باعها هذا الموسم. وقليلا ما يأتي على ذكر الكبة. ولا ذكر اطلاقا للعرق الذي كلّس كبد جبران.

 

 

(1) "تاريخ الاميركيين ذوي اصول عربية"، غريغوري اورفلي، الدار العربية للعلوم.

 

(2) المصدر نفسه.

(3) ميخائيل نعيمة، "سبعون" نوفل.

 

 

  

 

((•) تأسست "الرابطة القلمية" في المرة الاولى العام 1916 وكان امين الريحاني من اعضائها، لكنها لم تستمر اكثر من اشهر قليلة، لذلك اعتمدنا تاريخ 1920 الذي يثبته نعيمة والذي لم يرد فيه الريحاني.)      

 

عن جريدة النهار 12/5/2010

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق